سياسة وتاريخ

اللاجئين.. سلعة “بخسة” في سوق السياسة

نقلت وكالات الأنباء الدولية نقلاً عن شبكة الأناضول الإخبارية التركية أنباءً مفادها توفير حكومة العدالة والتنمية التركية حافلات رسمية لنقل اللاجئين السوريين من تركيا إلى شاطئ جزيرة بودروم القريبة من الحدود اليونانية؛ تمهيداً لعبور هؤلاء إلى أوروبا، والحصول على طلبات لجوء على أراضي القارة العجوز.

وجاء رد الفعل الأوروبي على التصرف التركي المتحدي لحكومات دول الاتحاد سريعاً على لسان أحد المسئولين الأوروبيين، حيث صرح ذلك المسئول أن بروكسل -حيث مقر الاتحاد الأوروبي-  لن تقف متفرجة فيما يجتاح اللاجئون الأراضي الأوروبية، مؤكداً أن الأوروبيين لن يمنحوا الأتراك فرصة ابتزازهم.

جاء هذا التطور الخطير وذو الدلالة بعد أيام قليلة من لجوء عشرات الآلاف من المدنيين السوريين الفارين من جحيم القتال في إدلب وريف حلب الغربي إلى الأراضي التركية، في وقت كانت قد بدأت فيه الحكومة التركية لتوها توطين عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين الذين فروا من جحيم المعارك بين الفصائل الثورية السرية وقوات نظام الأسد المدعومة روسياً.

لكن المتابع لمجريات هذه الأزمة السياسية والإنسانية والأخلاقية لا يمكنه أن يفصل هذا الأمر عن الضيق التركي من تنصل الأوروبيين من التزاماتهم تجاه ملايين اللاجئين المقيمين على أراضيها منذ سنوات، والذين كلفوا الخزينة التركية عشرة مليارات دولارات، وتسببوا في تهديدات أمنية واقتصادية وسياسية للحزب الحاكم.

فقد عقدت حكومة أحمد داوود أوغلو اتفاقاً مع المفوضية الأوروبية للاجئين في السادس من مارس 2016، تعهدت فيه حكومات الاتحاد الأوروبي بدفع ستة مليارات دولار للحكومة التركية مقابل منع وصول البؤساء من المناطق العربية أو الإسلامية لأراضي أوروبا الغنية.

ولم تضطر الدول الأوروبية الناقمة على حكومة العدالة والتنمية، والتي تعتبرها مهددة لعلمانية تركيا لهذا الاتفاق إلا بعدما عانت الأمرين من تدفق اللاجئين على أراضيها، خاصة صيف 2015 الذي اضطرت فيه دول شرق وغرب أوروبا لعقد اتفاقيات فيما بينها لتقاسم أعداد اللاجئين القادمين إلى أراضيها، ولما كانت تركيا هي نقطة الانطلاق، حاولت الحكومات الأوروبية استرضاء أنقرة بتحمل نفقات اللاجئين في مقابل بقائهم على التراب التركي.

أوفت تركيا بالتزاماتها طوال ثلاث سنوات بين 2016 و2019، لكن الحكومات الأوروبية لم تدفع من المبلغ المتفق عليه سوى ثلاثمائة مليون دولار أي 5% مما على أوروبا تحمله، لاضطلاع تركيا بمنع طوفان اللاجئين من الوصل لبلاد الرجل الأبيض، وزاد سوء تعامل الاتحاد الأوروبي مع تركيا في ملف الانضمام كعضو بثاني تكتل اقتصادي وسياسي في العالم، بالإضافة لانتقادات الحكومات الأوروبية لسياسات تركيا داخلياً وخارجياً طين الأزمة الإنسانية بلة.

لكن الأزمة الحالية بدأت بشائرها أواخر العام الماضي، مع انتقاد الاتحاد الأوروبي والناتو لتدخل تركيا في سوريا، مرة ضد الفصائل الانفصالية الكردية شرق الفرات، ومرة لإقامة مناطق آمنة شمال سوريا لتوطين اللاجئين، كما دفع رجب طيب أردوغان للتلويح باستخدام اللاجئين ضد أوروبا؛ حتى يعود الأوروبيون إلى رشدهم، ويعلموا أهمية تركيا في حمايتهم من أزمة مزمنة ستكلفهم الكثير لو توقفت أنقرة عن الوفاء بالتزاماتها فيها.

لكن المؤسف في كل هذا الصراع هو تحول بشر بائسين دفعهم شبح الموت والتشرد إلى البحث عن مكان آمن يكملون فيه حياتهم إلى ورقة مقايضة بين هذا النظام أو ذاك، لكنها لعبة السياسة القذرة التي لا تعترف إلا بالمصالح في حين ترمي بالأخلاق إلى سلة القمامة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق