ثقافة وفنون

سلطة المعرفة: مرافعة لأجل التوازن في العلاقة بين المعرفة والمهارة

قد يمتلك الإنسان معرفة، ويفتقد المهارة، وقد يحوز الأخيرة ويفتقد المعرفة، وبين هذا النوع الإنساني وذاك، يلمع أكثر من يجمع بين الاثنين، من لا يطغى جانب على أخر في حياته.

أكيد أن الله خلق من يتفوق بعقله ومن يتفوق بيديه، ويوجد من يتفوق بالاثنين، من تجاوز حد  الأساسيات و المعلومات والمهارة للابتكار، لكن المعرفة هي الأساس للمهارة، فقد يكون الشخص ماهرًا لكنه لا يستطيع أن يوصل الفكرة للآخرين لأنه لم يدعم مهاراته بمعرفة قوية، وقد يكون أحدهم متخماً بالمعرفة، لكنه لم يمر قط للتطبيق العملي فتظل معرفته نقمة عليه.

“المعرفة قوة وسلطة وثكلتك أمك إذا تسلط عليك الخبيث بمعرفته” مقتطف من مقالنا “الإنسان الموسوعي والمعتقدات الثقافية في عصر التقنية”

الأفكار: جواهر معرفية تلمع في عصر التقنية

يقول المفكر الإسلامي مالك بن نبي: “إن الفكرة هي أساس الثقافة والثقافة أساس الحضارة”، فإذا أردنا بناء الأمم يجب أن نهتم بتطوير عالم أفكارنا لكي نضبط عالم السلوك، فالفكر هو الوجه لسلوكاتنا وتصرفاتنا، هو الصانع لمختلف مجالات حياتنا؛ العلمية، والاقصادية، والصناعية، والاجتماعية، والسياسية، فمن يملك الأفكار قد يكتسح العالم إذا كان له المهارة اللازمة لتسويقها.
أتذكر أن أحدهم قال لي أن مبرمجًا سأله؛ هل تحمل فكرة معينة ليعمل على تحويلها لمشروع برمجي ويربح من ورائها؟ فهو مبرمج نعم، لكن لا يملك أفكارًا، فالصورة الكلية لدينا حول المبرمج أنه شخص فائق الذكاء!
قد يكون كذلك؛ لأنه بحكم عمله في البرمجة يطلع على مجالات شتى في الحياة، فنحن في عصر التحول الرقمي، كل العلوم والفنون والإدارات تقوم برقمنة معارفها، والمبرمجون هم رجال المرحلة، هذا في حد ذاته يمكنهم من اكتساب حد أدنى من الثقافة في كل مجال مر على مكتبهم، لكنهم في النهاية بشر قد لا تكون لهم أفكار، بما أنه يتقن التطبيق أكثر من التنظير، لكن صديقنا لم يمتلك أية فكرة ليقدمها للمبرمج.
وبالمناسبة إياك أن تبيع أفكارك لأحدهم، فقد يجني من ورائها الذهب وتظل أنت في فقرك المدقع، لهذا رفض مؤسس الفيسبوك بيع شركته للملياردير السعودي النافذ الوليد بن طلال، وقال له بما معناه أن الأموال لا تشتري الأفكار، بل الأفكار هي من يجلب الأموال الطائلة والرفاهية.
يعتبر علم التنمية البشرية علمًا قديم النشأة وحديث الاكتشاف، العديد من رواده من الولايات المتحدة الأمريكية، وأما في عالمنا العربي فقد لمع نجم الراحل إبراهيم الفقي رحمه الله، الذي يسميه البعض ببائع الأمل للملايين من المحبطين، ومنهم من يطلق على المحاضرين في هذا المجال بائعي الوهم، فطالما أوهموا الجمهور الذي يحضر لهم بتخيل النجاح، فيقولون تخيل أنك ناجح، واصل تخيلك، ها أنت قد نجحت، ها أنت قد أصبحت مليونير، وفي هذه اللحظة يكون قد أخد ضريبة أن يجعلك تتخيل فيركب سيارته الرباعية الدفع، وتعود أنت لفقرك كما كنت.
إنهم فقط يلعبون بالألفاظ، ويوظفون أفكاراً حماسية لخداع العامة من الناس، فأكيد أن العقل الباطن يبرمج، ومن المعلوم أن الإيجابية أسلوب حياة، لكن من قال لهؤلاء المدربين أن الكل سيصبح رجل أعمال ناجح؟ ومن قال لهم أن الكل قد خلق لميدان المال والأعمال؟ أليس الله قسم المعيشة بين عباده، وفضل بعضهم على بعض في الرزق، توقفوا عن تصديق أن الجميع يجب أن يكون رجل أعمال ولا أحد سيكون عاملًا أو موظفًا، هذا مخالف لنواميس الكون التي وضعها الله منذ الأزل.
إن أصحاب علم التنمية البشرية هم أشخاص قرأووا الكثير من الكتب التحفيزية، وخرجوا للعامة ليسحروهم بتلك الأفكار، وجاؤوا بتدليس عظيم، وتسلطوا بمعرفتهم على الخلق، رأسمالهم الفكرة، وحيلتهم الخطابة، كان عليهم أن يتقنوا الصدق كمهارة حياتية، أحيلهم لسيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ليتعلموا الصدق من منبعه الصافي العذب الزلال.

مجتمعات التنظير: بين الكهونتية التنظيرية والادعاء بامتلاك المعرفة المطلقة

إن نزعة التنظير تكتسح كل مجالات حياتنا في دول العالم الثالث، فمدارسنا تغلب عليها المعارف النظرية التي ينقصها الجانب العملي، فتدرس كل المواد بشكل تجريدي، معتمدة على مخيلة التلميذ، التي كثيراً ما تقضي عليها بيئته السلبية!
أذكر ذات يوم حينما سألني تلميذ هل يمكنني صنع روبوت؟ فأجبته نعم يمكنه صنعه، فقط يجب أن تدرس علم الروبوتيك robotics والهندسة الكهربائية، وأما الرياضيات فالتلميذ عبقري في هذه المادة، فلا خوف عليه من التعاطي لمجال العلوم الدقيقة، لكن هل سيذهب هذا التلميذ بعيدًا في بيئة يتسارع فيها أهلها على بناء منازل عصرية وينسون بناء الإنسان وبناء أبناءهم؟ وإن واصل الدراسة، فهل ستحفزه البيئة على الإبداع؟ ونحن نرى مدارسنا تغرق في التنظير وتعتمد طرقًا تقليدية في تدريس العلوم واللغات، فالعالم يعيش عصر فزياء الكم ونحن لازلنا نتصارع مع فزياء نيوتن التقليدية!
أما تدريس اللغات (خاصة الفرنسية) فتدرس وكأن التلميذ ولد في فرنسا (هناك مشكل كبير في تدريس اللغة الفرنسية، فلا يعقل أن يدرسها التلميذ عشر سنوات ويأتي في الجامعة ليتحجج بتخصصه المعرب ويهرب من البحث العلمي بهذه اللغة الأجنبية -رغم تقهقرها العلمي لصالح الإنجليزية وهذا حديث أخر-.
وتحضرني مخرجات لقاء عابر مع طيار ألماني متقاعد التقيته صدفة في إحدى مدن المغرب، وتحدثنا بعض الشيء باللغة الإنجليزية حول نمط تدينهم ونمط تديننا، وباغتني فجأة بالسؤال أين تعلمت الإنجليزية؟ فقلت له بدأت تعلمها في المدرسة وتابعت عن طريق التعلم الذاتي، ربما سؤاله هذا يأتي في سياق أنه يعلم مدى تقهقر مستوى مدارسنا، حيث يرفض الجميع أن يتقاسم مع الجميع، أتذكر في سنوات الجامعة كان بعض الطلبة يرفضون مشاركة أصدقاءهم ملخصات الدروس، وكأنهم وصلوا لبراءة اختراع ويخافون أن تسرق منهم على حين غفلة!
أما بعض الأساتذة المؤطرين فيعتبرون أنفسهم من طبقة النبلاء والطلاب هم الإكليروس في مجتمعات الإقطاع، فقد استغرب أستاذ حينما قدمنا له مراجع بالإنجليزية لبحثنا في الإجازة حول ليبيا ما بعد القذافي، فقال لنا مفاخرا أنه يتقن ثلاث لغات؛ العربية والإنجليزية والفرنسية، وكأنه استغرب أن نتقن بعض الإنجليزية، وكأنها خلقت له وحده!
فإذا كنا نحتاج لتنظير فمن الواجب أن يكون معتدلاً متوازناً، فلا يجب البتة أن نغرق فيه وننسى التطبيق، التنظير يطال حتى الدين، فكثير من رجال الدين والأئمة يكثرون في القول ويتناسون الفعل.
ذات مرة حضرت خطبة جمعة لإمام فأطال الخطبة بشكل مبالغ فيه، وحينما أحس بتذمر الناس وضيقهم، خاطبهم قائلاً أن التطويل شر لا بد منه، فلا يعقل أن أجتهد وأبحث عن معلومات ولا أقدمها لكم، وكأنه بحث عن تلك المعلومات في أمهات الكتب في بيت الحكمة في بغداد الرشيد (الخليفة هارون الرشيد رحمه الله).
ونحن نعلم جميعاً أن المرجع الذي يعود له الأغلب الأعم هو محرك البحث google الذي لا يبخل على سائله بالجواب في شتى مجالات الحياة، كان من المفروض أن يعتذر الإمام عن تطويله، ففي الناس المريض والضعيف وذو الحاجة، هكذا علمنا سيدنا المصطفى (ص)، سيقول لي أحدهم من أنت كي تنتقد الإمام فهو حامل لكتاب الله، وسأجيب أن لا كهنوتية في الإسلام، ولن يمارس أحدهم علينا المنطق البابوي الباطرياركي، وسنعمل على تصويب كل الأخطاء.
العهد الذي بيننا وبين الإمام هو سنة نبينا عليه السلام، فلم يكن يطيل البتة في خطبته، ويعتمد مبدأ التخفيف والتيسير، وما قل ودل، ويتجاوز الحشو والإطناب، وتكرار الأفكار والأقوال.
كان على كل من الأستاذ والإمام أن يتقن الأول مهارة التواضع وجبر الخاطر وهما مهاراتان حياتيتان، والثاني أن يتقن مهارة ما قل ودل ويوفظ الكلام في محله، ولا يمتلئا بمعرفة تجعل الأستاذ يحس بالنشوة الأكاديمية، والإمام تعطيه شيكًا على بياض ليطول على الناس كيفما شاء.
وفي ختام القول تخلص من تخمة الأفكار، انتقل للتطبيق فوراً، يقول العالم العبقري ألبرت أينشتاين أن التلميذ ليس وعاء نملؤه بل شعلة نوقدها، وبالقياس فليست عقولنا أوعية تملأ معرفة حتى التخمة ولا نمر أبداً لتطبيق ما تعلمناه، فلا يجب البتة التعامل بمنطق كمي، بل من الضروري مراعاة الكيف والإتقان في قطف ثمار العلوم، يجب أن نحسن التطبيق ولا نبكي على الأطلال لتجاوز حالة الهزال الحضاري التي نعيشها منذ زمن.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق