مدونات

سلطة الأب في الأدب المغربي “الخبز الحافي نموذجا”

لا شك أن حضور الأب في روايات الأدب المغربي قديما وحديثا ظل مرافقا للتسلط والقهر والاستبداد، مجردا من كل الأحاسيس والمشاعر التي يحتاجها الطرف الآخر داخل الأسرة، سواء تعلق الأمر بالزوجة أو الأبناء.

لقد صورت لنا جل الروايات المغربية الأب، كتيمة ملازمة ومرتبطة، بالتسلط والإستبداد، فالأب كما وظفه العديد من الكتاب الروائيين المغاربة، عادة ما يكون ذلك الشخص المتهاون في القيام بواجبات المنزل، المتعاطي للمخدرات والخمر.. وأن الأم لوحدها هي التي تكافح من أجل لم شمل العائلة، كالخروج إلى العمل الذي كان حكرا في وقت سابق على الرجال، ولما لم يستطع الرجل تحمل هذه المسؤولية، شمرت المرأة على سواعد الجد وخرجت للعمل في الحقول والبيوت متحملة بذلك مسؤولية تربية الأبناء، المنزل والزوج أيضا.

وهنا أقف عند رواية الخبز الحافي المثيرة للجدل، هي نموذج حي وإحدى أهم الرويات المغربية التي عرفها العالم، وحملت معها هموم الطبقة المغربية الفقيرة في زمن الإستعمار، وما أظهرته من فشل للرجل في تحمل المسؤولية، ورغبة من حوله في التخلص منه.

صاحب الخبز الحافي محمد شكري، هذه الرواية التي حولت إلى فيلم وتم ترجمتها إلى لغات العالم أجمع، تحكي عن طفولة هذا الكاتب المغربي إبن الشمال وما عاشه، وبعضا من معاناته مع أبيه والظروف المحيطة به كالاستعمار والمجاعة، التهريب، المخدرات وغير ذلك.

يحكي محمد شكري بشكل كبير في هذه الرواية عن موضوع مهم تعيشه جل الأسر المغربية باختلاف طبقاتها وتوجهاتها، إنه التسلط الذكوري الكبير الذي يمارسه الرجل على المرأة، المرأة الضعيفة، المغلوبة على أمرها، التي تنصاع طوعا وكراهية لأوامر زوجها مهما كانت مجحفة، وهذا ما مارسه والد شكري عليه وعلى باقي إخوته، عندما قام بقتل أخيه عبد القادر الطفل الصغير الذي كان يبكي من الجوع، بسبب فشل الأب في عدم توفير مستلزمات بيته وما تحتاجه الأم من أجل إعداد المأكل والمشرب، ولم تتوقف ممارسات الأب عند هذا الحد بل تجاوزها إلى ضرب زوجته وإرغامها على أفعال لا تطيقها، لكنها ظلت تدافع عنه وتحذر إبنها محمد من قلته.

وإتسمت علاقة محمد بوالده بنوع من التوتر والصراع، وإن كان مظهر الطاعة يبقى فقط ظاهريا، محكوما بسلطة الأب الصورية، أما باطنيا فهو يتمنى قتل أبيه وتخليص أمه وأخته من هذا الأب المتسلط، وقد ظهر ذلك عندما ألزمه بالعمل في سن صغيرة بمقهى الحي، حارما إياه من الدراسة وأبسط الحقوق التي يتمتع بها أقرانه، وما زاد من حقده له، هو ذلك المقابل الذي يتقاضاه عن عمله كان يأخذه ولا يترك له أي شيء، يصرفه في شراء الخمر والمخدرات، كل المال الذي يحصل عليه نهاية كل شهر، كان يذهب إلى تجار المخدرات والحانات.

إن الفشل الذي كان يواجه الأب خارج المنزل في الخبز الحافي لم يكن ليمر مرور الكرام دون أن يكون له تأثير على الأسرة ومحيطها، فقد كان يصب جام فشله على الأبناء والزوجة، فقد تعرض محمد وأمه إلى الضرب والركل والرفس لأسباب تافهة، وأحيانا نتاج عدم تحمله المسؤولية التي يقوم بها أي رجل في بيته “فقد ضرب محمد لأنه تمرد على رب العمل وعاد إلى المنزل”، أما الزوجة فكلما حاولت أن تتكلم كان يوبخها بالشتم والسب، ثم الرفس والركل، ليظهر نوعا من الرجولة والشهامة، أمام الآخرين.

إن التقاليد الشعبية المغربية والإسلامية التي تدعوا الى ضرورة احترام الزوجة لزوجها والإبن لأبيه، سمحت للأب أن يمارس سلطته القهرية ويعيث فسادا غير مهتم بمن حوله، هذه السلطة يحولها الأب إلى تسلط، تكون نتائجه وخيمة على الأسرة والمجتمع ككل، فهو الذي ينتج لنا مشردين ومجرمين، أميين ومنحرفين لأن أساس نجاح الأسرة هو تضافر جهود الأب والأم، وأن يسود الود والسلام فالاحترام في كل بيت حتى نكون مجتمعا أفضل.

مجمل القول أن أي أدب هو نتاج لما يعيشه مجتمع كاتبه، وجل ما كتبه المغاربة عن الأب كان رمزا سلطويا متجاوزا حدود اللباقة والليونة في التعامل، فحتى إن كان مقدا بأعمال منزله، تكون القسوة والسلطة صفتاه التي تلازمانه في كل قراراته وتصرفاته، وما رواية الخبز الحافي الذي ضربنا بها المثل، إلا عمل من بين أعمال كثيرة تناولت هذه الظاهرة، ولا ننكر أن هذه السلطة قد تكون إيجابية في بعض الأحيان لأنها أنتجت لنا محمد شكري وأمثاله كثر، وأتاحت لنا قراءة فترة تاريخية من تاريخ المغرب، فلولا هذه الرواية لكنا نجهل أشياء كثيرة، غيرت النظرة الدونية للمرأة المغربية وأعطتها الكثير من الحقوق، وضمنت لها العديد من المكتسبات.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق