سياسة و تاريخ

جغرافية ضد الإنتاجية (2)

هي جغرافية تحتقر التاريخ ويرفض سكانها أن يدرسوه لأبناءهم، لأنهم يرون فيه مجرد خزعبلات لا تسمن ولاتغني من جوع!، فذاك يريد أن يصير ابنه مهندسا، والآخر طبيبا وفي النهاية لا أحد يصل لشيء في هذه الجغرافية، لأن الأحلام مختطفة والعقليات متلفة، وبالمناسبة ما الضير إذا قرأ المهندس عن التاريخ وفهم ما أنجز أجداده، وارتبط بحضارته الإسلامية وطبق ما تعلم خدمة لها.

إن هدفنا بحق هو إحياء موسوعية الإنسان وأنسنته بدل أن يصبح آلة جافة من العواطف والأحاسيس في زمن الرأسمالية.

إن ما يدفعنا للكتابة في التاريخ هو ذلك الفخر الذي نحس به حينما نتحدث عن الحضارة الإسلامية التي أعطت الشيء الكثير للعالم، وحينما بحثت عن المخترعين أو العلماء المسلمين المعاصرين الذين يحاولون إحياء مجد الحضارة الإسلامية من خلال أعمالهم، استوقفني حديث المخترع المغربي عبد الله شقرون رحمه الله، الذي كان يتحدث عن فكرة الانبعاث الجديد لحضارتنا في إحدى مؤتمرات Tedx Maroc، وكم كبر في أعين كل المسلمين حينما رفض الأموال الطائلة مقابل أن يبيع اختراعاته العسكرية، مخافة أن تسقط في أيدي قاتلي إخوانه العزل المضطهدين في كافة أنحاء الأرض.

1- التاريخ وإحياء فكرة الإنسان الموسوعي:

كانت مفاجأة كبيرة حينما أرسل له صديقه مقطعا يتحدث فيه شخص يتضح انه أستاذ باحث، عن دور الجغرافيا والتاريخ في تطور الأمم وكيف تدرس هذه العلوم في الغرب المتقدم، وحينما بحث عن هذا الشخص وجده أستاذا للرياضيات في كلية العلوم، فلم يتعجب أن يجد موسوعيا من هذه الكلية، لأنه اعتاد أن يرى خريجي كلية الآداب يخشَون الرياضيات (مع أنها لغة الطبيعة) وكأنها وحش ويرفضون أن يقرأوا عن العلوم، فتجد من يحب القراءة منهم يقرأ الروايات فقط! ولا ينفتح على فروع العلوم، بل حينما تناقش أحدهم تجده بارعا في النقد الهدام، ولا يستطيع حتى فتح باب عقله لتجديد الفكر الراكد كما قال أستاذنا الكبير الدكتور مصطفى محمود.

العلم خلقه الله لينتفع منه الجميع ولازلت أؤمن وسأظل أؤمن أنه يمكننا أن نتعلم ما نشاء إذا حاربنا معتقداتنا الهدامة، وغيرنا  بحق طريقة التفكير.

إن التاريخ يعتبر عند كثير من طلابنا مادة مملة! لأنهم يرونه أحداثا دون أن يفهموا التسلسل والتطور، لن أقدم وصفة جاهزة لدارسة التاريخ، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وإنما أنا أثير انتباه المتخصصين ليهدموا الفجوة، ويقربوا هذا العلم من الطلاب والعامة على السواء، وقياسا على ذلك بالنسبة لجميع العلوم ، من فضلكم معشر المتخصصين لا تبنوا أبراجا عاجية حولكم وترفضوا مشاركة علمكم مع الناس، لماذا لا يتطوع الجميع ليعلم الجميع؟، فنحن نحتاج حقا أن ننشر العلم والتطوع وحب الخير للناس ونشره بين الناس.

2- الدراما التاريخية كوسيلة لمعرفة تاريخنا وتشكيل الوعي به:

يمكن للدراما التاريخية أن تعيد تشكيل وعي أمة، إذا ما أحسن صناعتها، وقامت على وقائع تاريخية مضبوطة.

لم يكن يعلم أن وجوده في جغرافيا كهذه، سيجعله يحن لتاريخ مضى، تاريخ الطفولة حيث كان مهووسا بالدراما التاريخية، فكان يعكف على متابعة مسلسل “صلاح الدين الأيوبي”، ما جعله يحب هذه الشخصية ويسعى للاقتداء بها، فكانت حتى ألعابه مستوحاة من المسلسل التاريخي، فكان يصنع معاركا وجيوشا ليشكل ساحة حرب كما المسلسل، ويصنع قائدا وجنودا.

كانت حياته تدور كلها حول فكرة القائد والأتباع، وفكرة نصرة الحق والذود عنه، فرغم صغر سنه إلا أنه كان يتابع كل مسلسل تاريخي تستهويه قصته فتابع “ربيع قرطبة” عن حضارة الأندلس، والمسلمون والأندلس حول نفس الفكرة، ومسلسل “الحسن والحسين ومعاوية” الذي يناقش فترة عصيبة من تاريخ الأمة الإسلامية، وغيرهم الكثير.

3- دولة المماليك: دسائس ومؤامرات وبطولات!

لم يعلم بيبرس أنه سيتحرر بعد أن يصل إلى مصر على يد ثالث سلطان في تاريخ الدولة الأيوبية، السلطان نجم الدين أيوب الذي عمل على تحرير العديد من العبيد المماليك وتدريبهم على القتال ليكونوا نواة لجيشه، للدفاع عن دولته وملكه متى تعرض لاعتداء خارجي، لكن المماليك استولوا على الحكم بعد وفاة السلطان، وأسسوا دولتهم على أنقاض الدولة الأيوبية التي لم تعمر طويلا، و عاشت دولة المماليك في جو من الدسائس والمؤامرات، كل مرة يقتل سلطان ويتولى أخر الحكم، لكنها قدمت الشيء الكثير لأمة الإسلام، خاصة حينما أوقفت الحملة المغولية التي كانت تقترب من مصر، وتصدى لها الجيش المملوكي بقيادة الملك المظفر سيف الدين قطز ومساعدة الظاهر بيبرس القائد الميداني في تلك المعركة.

استولى بيبرس على الحكم وعرفت فترته ازدهارا كبيرا، وتوسعت دولة المماليك، فقد كان بطلا حربيا ومقاتلا لا يشق له غبار، وسلطانا عادلا تتحدث عن فضله الأمصار.

4- السيناريو الدرامي والعاطفة الجارفة:

أكيد أن السيناريست سيغير كثيرا في القصة التاريخية لتناسب الجمهور والعرض التلفزي، فلايمكن ان يترك النص الأصلي دون تغييرات تذكر، بل إنه يضيف أحداثا ربما خيالية حتى يضفي عنصر التشويق على المسلسل، وأذكر في أيام الثانوية أن أستاذ العربية قال لنا أن وجود الحب والعاطفة ضروري في أي صناعة سينمائية او درامية حتى ولو كانت دينية!!

ربما يكون الهدف هو استدراج شريحة العاطفيين لمتابعة المسلسل او الفيلم، فحتى فيلم الظاهر بيبرس يصور علاقة حب بين البطل وإحدى الفتيات التي كانت تشتغل خادمة في قصر أحد الأمراء.

لكنها ماتت او قل قتلت بسبب الدسائس والمؤامرات ضد صاحبنا، لكنه تابع مسيرته في الدفاع عن الأمة، لأن طموحه أكبر من أن تحطمه دسيسة او تنال منه مؤامرة.

5- اجتياح المغول لبغداد.. نهاية إمبراطورية امتدت من الشرق للغرب

سيظل اجتياح المغول بقيادة السفاح هولاكو، إحدى أكبر النكسات في تاريخ أمتنا الإسلامية العظيمة، فالخراب الذي سببه جيش هذا السفاح لا يوصف بأي حال من الأحوال، من تدمير للمدن والعمران وإحراق المكتبات وعلى رأسهم بيت الحكمة في بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية العباسية، كما عمد المغول لقتل خليفة المسلمين المستعصم بالله، وقتلوا المدنيين العزل والأطفال والنساء والشيوخ، وقاموا بإعدامات ميدانية في كل المدن التي دخلوها.

لم ير العالم حروبا بهذه النذالة والخسة كما رأها مع الجيش المغولي المتوحش، الذي أراد غزو العالم ولكن بالسيف والقتل وليس بالقوة الناعمة، فقد نسي الزعيم المغولي هولاكو أن السيطرة على العالم ستتم بنشر العلم الثقافة و الحضارة، وماذا لهؤلاء الهمج المغول ليقدموه للعالم سوى التدمير والخراب!

في عصرنا الحاضر، الدول المسيطرة على العالم هي من تمتلك قوة ناعمة اقتصادية وتكنولوجية تكتسح بها أرجاء المعمور، مع لجوء البعض منها للقوة العسكرية حينما يرفض شعب أن يسير مع التيار، ويقرر السباحة ضد التيار، وحينما يتطور ويتقدم آنذاك تصبح القوة العسكرية حلا لرده عن غيه!

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق