بدون تصنيف

سلسلة جغرافية ضد الإنتاجية (الجزء 1)

هي جغرافية لا تشجع على الإنتاج، تجعلك تدور في دوامة الروتين، يصبح تفكيرك سطحيا، لايطربك التطوير ،تتعف عن التغيير، فأنت تعيش في مكان موحش، لا يوحي بالحياة، الناس فيه موتى أحياء،نهارهم يضيع في نفس المكان،يموتون من كل جانب، ينتظرهم مستقبل ضبابي لا يرى منه نور، إذا استمرت حياتهم بدون إنتاجية.

حينما يناقش الناس التفاهات، حينما تصير مجالس المقاهي بمثابة ندوات، حينما تحارب الأفكار، حينما يزرع الخوف والجهل في بساتين جغرافيتنا، حينما لا نتعطش لقراءة كتاب لتعلم علم، لتقليب صفحات فكر، آنذاك نموت معرفيا.

لا يمكن أن نسمي الموت البيولوجي المحتوم، موتا!! بل هو انتقال من دار إلى دار ومن حال إلى حال، لكن الموت الحقيقي هو حينما تموت معرفيا فكريا، وتظل تردد القديم من الأقوال والأفكار، أنذاك حياته وقتية ، ولن تخلد سيرتك بين الخلائق، حينما تصير الخبز أقصى أحلامك، وتنغمس في المطالب المادية، تصبح المعرفة مجرد كماليات.

دخل الأستاذ القسم فوجد جدار العلم يريد أن ينقض فأقامه، ولما فعل ذلك اتهم بالخيانة، وقيل له من قال لك اننا نحتاج من يحمل بصدق الأمانة، بل نريد جيشا عرمرم من التابعين، محبي الغدر والخيانة، أوصى الأستاذ تلاميذه بالتالي:

صن نفسك عن الجهل تعفف
قم للمعلم ولا تتأفف

كانت إحدى كلمات المعلم مزلزلة حينما شخص الداء، واقترح الدواء، الداء كان مرضا معرفيا، (استغرب التلاميذ من مصطلح المرض المعرفي الذي يسمعونه لأول مرة) ، إذا استمر سيؤدي للموت المعرفي، إذا كان المرضى يذهبون للطبيب، بسبب المرض المادي فإن المرض المعرفي حتما يستوجب مدرسا، ينفض غبار الجهل عن تلاميذه، مدرس خلوق يجتمع حوله الناس، فلو كان فظا غليظ القلب لانفضوا من حوله، لكن طالما استمتع بنشر المعروف في كل وقت وحين، أجمل لحظات حياته حينما يسعد الناس ، ويزرع الأمل بعد أن جفت حقوله، تساءل الأستاذ يوما هل يحبني تلاميذي، فكان الجواب قرآنيا هل جزاء الإحسان إلا الإحسان، ستحصد ما تزرع، فاصنع جميلا عسى تحوز في قلوب البشر مكانا.

طفل صغير :طموحات كبيرة، وخيبات كثيرة

لعل أكبر خيبات الطفل في دول العالم الثالث، هو أنه يدرس بدون هدف فلم يستطع معلموه ان يوضحوا له الهدف من الدراسة، والهدف من الحياة عامة، فكيف يعقل أن تتم عملية الحشو المعرفي منذ أول يوم في المدرسة، إلى أن يصل للباكالوريا،فأصبحت معادلة ثابتة، حشو وتخمة معرفية بمقاربة حفظية يعقبها تقويم تشخيصي في بداية العام ،مع العلم أن الجميع يعلم أن تلاميذنا يرتبطون بالمعرفة فقط لأجل الإمتحان، فلم يقدسوها يوما ما، وإنما قدسوا النقطة التي تساوي الأجرة في مخيلة أفراد مجتمعنا كما قال لنا ذات مرة أستاذ الرياضيات. نحتاج حقا لثورة معرفية كبرى في مدارسنا، نحتاج لتقليص الكم والإنتصار للكيف، فما الداعي لكل هذه الكتب والمجلدات لأطفال لم يستطيعوا بعد التمكن من قراءة النصوص بطلاقة!! إنها معضلة كبرى يعاني منها تعليمنا، تخرج لنا أجيال تعاني من خلل معرفي كبير.
ذات يوم كنت في حصة دراسية وطلب مني التلاميذ أن أحدد لهم قائمة بالأدوات المدرسية والدفاتر المطلوب منهم أن يقتنوها، فقلت لهم أنني لا أريد أن أشق عليهم، لكن أصروا علي، ونطق أحدهم فجأة: أستاذ اطلب منا ما تريد فقد بعنا كميات وفيرة من التين، فمنطقتهم مشهورة جدا بالتين، لكني قلت في نفسي كم هي مقزمة أحلامك يا صغيري، تبيع التين والزيتون لتشتري أدوات تافهة(للإشارة فقط تحررت  أنا شخصيا من كافة الأدوات بعد أن انتقلت من المرحلة الإبتدائية، وأصبحت ابتداء من الإعدادي أستعمل فقط قلم أزرق!! )، لا تسمن ولا تغني من جوع ،وهناك من يفكر في هدف أعظم وهو في نفس سنك، ذاك وجد أباء بطموحات تعانق السماء، والآخر وجد أباء حينما يرفعون رؤسهم يصطدمون بأسقف منازلهم الطينية المهترئة، صحيح أنني لا زلت متؤثرا بهذه الواقعة لأنني تعاطفت مع شخصية ذلك الطفل، الذي يحتاج أن يرى العالم بعقيلة النمو والتحدي وليس الثبات كما عوداه الأباء والاجداد، أيها البدو من فضلكم لا تفكروا فقط في لقمة العيش، وإن فكرتكم فلا تورثوا الفكرة لأبناء كم، نريد أجيال مبدئية وتقدس القيمة، كفى من الأجيال الخبزية!!

المقاهي: مقاولات خفض الإنتاجية!

لم يكن يعتقد مخترعوا المقهى الثقافي، أنه سيحيد عن دوره وسيصبح مكانا للاستهلاك الوقت، وإهدار الطاقة اليومية ، فإذا كان المقهى ساهم في الماضي في إيحياء المعرفة بين الناس، فإنه في العصر الحالي يساهم في قتل المعرفة رويدا رويدا، فكثيرة هي الساعات التي تضيع في المقهى، يراقب فيها الإنسان أنشطة الآخرين في الغدوة والرواح، ليس عيبا الجلوس في هذا المكان لكن بشكل معقول مقبول، ولا يجب اتخاذه بأي حال من الأحوال مكانا رسميا للتأمل، فلا ضوضاءه تساعد وفي بعض الأحيان حتى أولئك الجالسون بمحاذاتك عناصر غير مساعدة بتاتا.
لربما تظل المقهى إحدى أكبر الوسائل التي تساهم في موت المعرفة، فما أكثر المقاهي في بلداننا وما أندر المكتبات!! جرب فقط أن تحمل كتابا لتقرأه وأنت جالس في هكذا أمكنة سيظن الجميع أنك جننت!! جننت لأنك غردت خارج السرب، في مجتمع مادي ينظر لهيئة الشخص ووضعه الإجتماعي، قبل أن ينظر لوضعه الفكري الأخلاقي  الروحي…

الكُتّاب (المسيد بالعامية المغربية ): تقليدانية عصية على الفهم.

كان أول يوم يدخل فيه لمجمع علمي، فلم يسبق له من قبل أن تعلم حرفا، وحينما دخل المسجد وجد فقيها يحمل عصا كبيرة يسلطها على رقاب الطلبة، وأشخاص يحفظون كتاب الله، بكل جد وتفاني، لكن الغريب في الأمر أنهم لا يجتهدون في فهم معانيه وتمثلها، لهذا يموتون معرفيا وتصبح معرفتهم محدودة، فلاينفتحون على اجتهاد ولا يؤمنون بتطور علمي يحترم الدين وثوابته (أرفض بتاتا كل تجديد ديني يتجاوز الثوابت في ديننا الحنيف، التجديد مع الثوابت فقط) ،فقد سبق أن جادلني إمام متعصب لرأيه حول جدوى رصد حالة الطقس، وقال لي بما معناه هذا كفر بواح وتطاول على الإله!! لكني قلت له أن العلماء انطلقوا يبحثون في حدود الممكن ورصدوا أحوال الجو في الصيف والشتاء، انطلاقا من قوله تعالى :’ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء’ لكن الإمام رفض التسليم بالعلم، واستمر على رأيه المتعصب، لأنه حافظ لكن ليس فاهم،وما أكثر الحفاظ وما أندر الفهام في هذا الزمان.

كيف لشخص يتعلم بطريقة العصا والجزرة أن يتطور؟، سيقول قائل من تعلموا بهذه الطريقة أصبحوا أجيال مفيدة لأوطانها، وزرع فيهم الأدب والخصال الحميدة، قد أتفق مع هذا الطرح، لكن ما الفائدة في أن تزرع فيا قيم وأخلاق، بالقوة بالضرب والجرح في أحيان، هذه ليست نزعة نبوية في التربية، وكثيرة هي الحالات التي لم تتعلم شيئا بل تمردت على هذا الواقع وغيرت الوجهة تماما، لأنهم لم يقتنعوا بالمرة بما درسوا، تحت تأثير العصا، لكن هناك حالات استطاعت التغلب على هكذا عقد نفسية وتطورت نحو الأفضل،وتبقى لكل قاعدة استثناء.
تحضرني واقعة وردت في سيرة إمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله، حينما رافقه أبوه للمسجد أول مرة ليعرفه على إمامه ومعلمه، حينها هم الطفل بالسؤال حول معنى بلدهم (منطقة في الريف المصري)، فتجهم الإمام وقاطع الأب إبنه ناصحا إياه بحفظ واجب الإحترام ، وعدم السؤال مرة أخرى في هكذا مقام!! من هذه الواقعة نستنتج أن الكهنوتية تبدأ من أول يوم يدخل فيه الطفل لحجرة الدرس، ويطلب منه أن يردد فقط معرفة أستاذه، دون أن يحيد عنها، لهذا ربما يضيع الكثير من النوابغ في أوطاننا، أو يهاجروا لبلدان أخرى تحترمهم ،بلدان تخلصت من الكهنة، وآمنت بالعلم والمعرفة فقط ، فاستطاعت أن تتعلم من الصغير قبل الكبير دون عقدة نقص أو كبر مقيت.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق