سياسة وتاريخ

سكتة دماغية للعلمانيين العرب

ظهر مصطلح العلمانية للمرة الأولى عند تأسيس الولايات المتحدة عام 1776، إذ نص الدستور الخارج للنور على سماح الحكومة الأمريكية بحرية الاعتقاد لمواطنيها، مع فصل ذلك عن سياسة الدولة، اعتقاداً من مؤسسي الأمة الأمريكية أنهم بذلك سيقون بلادهم شر الحروب الدينية التي عصفت بأوروبا في قرون سابقة.

ومع اندلاع الثورة الفرنسية في ثمانينيات القرن التاسع عشر، وصلت العلمانية إلى أوروبا، وتعني فصل الدين عن الدولة، أو بمعنى أصح فصل حكم الدولة وسياساتها داخلياً وخارجياً عن التعاليم الدينية، وقد تباهى قادة الثورة الفرنسية بذلك النهج الجديد في حكم بلادهم قائلين: “لقد شنقنا آخر نبيل بأمعاء آخر قس”.

ومع الوقت انقسمت تلك العلمانية إلى قسمين:

المعتدل: وهو على النسق الأمريكي، ويكتفي القائمون عليه بفصل الأحكام الدينية عن الشئون السياسية، وترك حرية ممارسة الشعائر الدينية للأفراد.

المتطرف: وهو إلى جانب فصل الدين عن الدولة، يفرض على المواطنين طقوساً معينة لممارسة الدين ويعادي أي مظهر ديني، وهو ما سارت عليه الجمهورية الفرنسية إلى اليوم.

ومن فرنسا طار نهج الحكم الجديد ليعم القارة العجوز بالكامل، حتى تلك التي كانت تتآمر على الثورة الوليدة، ومع انهيار الدولة العثمانية قبل نحو قرن من الزمن، تبنى مصطفى كمال أتاتورك حاكم تركيا التي احتضنت الخلافة النهج العلماني على الطريقة الفرنسية، فحظر الحجاب، ومنع الحج، وساوى بين المرأة والرجل في المواريث، وجرم تعدد الزوجات، أي سلخ الأتراك عن دينهم.

على نفس الدرب الأتاتوركي المشئوم سار الرئيس التونسي بعد الاستقلال الحبيب بو رقيبة، لكن زاد بو رقيبة على أتاتورك بمحاولة حظر صيام رمضان، وجعل لكل تونسي بطاقة يرتاد بها مسجداً واحداً فقط في طول البلاد وعرضها، وكأي نظام حكم بلادنا العربية والإسلامية المبتلاة عقب الحربين العالميتين، كان الحكم علمانياً، وإن لم ينص الدستور على ذلك تنفيذاً لتعليمات القوى الغربية التي أجلستهم على عروشهم.

غير أن أشد نواتج هذا النمط من الحكم هم من اعتبروا أنفسهم مروجين للفكر العلماني ولمعهم إعلام الاستبداد خاصة في العالم العربي، ليصرفوا الناس عن دينهم، ويعيشوا كما تعيش البهائم، ليستمر النظام الاستبدادي العربي في البقاء جاثماً على صدورهم، وكعادة كل الكاذبين؛ دس أولئك المعرفون السم في العسل لمتابعيهم.

تطاول هؤلاء الرويبضة على الدين الإسلامي الحنيف تارة بمدح التشيع، وتارة بانتقاد المنقبات ووصمهن بالرذيلة والتطرف، والدعوة صراحة للعلمانية على قاعدة ما لله وما لقيصر لقيصر، ثم التشكيك في صحيح البخاري الذي نقل السنة النبوية إلينا، وبعد الربيع العربي، ازداد أولئك سعاراً؛ فبدأوا يضربون ثوابت الإسلام.

رفض المتحدثون باسم الطغاة الحجاب، واعتبروه ملابس نساء النبي وانتهى بوفاتهم، ثم وصلت الوقاحة ببعضهم للمطالبة بإقامة كعبة بديلة في سيناء، وتحليل شرب الخمر بدعوى أنه عصير لا يسكر سوى كثيره، ومنهم من أعلن بصراحة يحسد عليها أن القرآن لم يعد صالحاً للاحتكام إليه في عصرنا الحالي.

وفي الفترة الأخيرة، سخر أولئك المستغربون من انتشار فيروس كورونا القاتل حتى في أطهر بقعتين على الأرض مكة والمدينة، معتبرين أن إيمانهم لم يمنع الكارثة من استهدافهم، واتهموا المسلمين خاصة المتدينين منهم بالجهل وانتظار العلاج من الغرب الذي يتهمونه بالكفر، متعجبين من عدم إيجاد حل لكورونا عبر أحكام الإسلام.

لكن إن سألت أولئك الحمقى من أين بدأ كورونا فلن تسمع أصواتهم، وكيف انتشر في دول الغرب المتقدمة التي يعبدونها من دون الله فلا مجيب، وإن طلبت منهم ذكر الأطباء والعلماء المسلمين الذين يتصدون في بلادهم بل وفي البلاد الموبوءة للوباء القاتل فستموت دون أن تحصل على إجابة، لماذا؟

لأن الجائحة العالمية أثبتت جهل وعداء هؤلاء للإسلام لأنه الدين الصحيح، وليس للمتطرفين المزعومين الذين يمثلونه كما رددوا دائماً، فقد بدأ الوباء من الصين الملحدة التي يتغذى سكانها على الخبائث التي حرمها الله، وفي الغرب انتشر عبر بيوت البغاء التي يرتادها المواطنون هناك كما يرتادون النوادي، أما علماء المسلمين وأطبائهم الذين حفلت المواقع الإلكترونية بقصصهم المشرفة، فلن ينصفوهم حتى تقوم الساعة؛ لأنهم يمثلون الدين الذي يكرهونه أكثر حتى من الملاحدة.

سقط القناع عن وجه العلمانيين العرب، ومقتهم كل منصف، وأخرسهم كورونا ربما للأبد، بعدما كشف عن خداعهم وتحاملهم على الدين الخاتم وجهلهم الشديد أجزاهم، الله في الدنيا، وفي الآخرة حساب عسير.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى