مدونات

سكاكين آتون الطائرة: غموض مصر القديمة

ليلة غامضة استيقظ فيها تحوتي صارخا من نومه؛ أفزعت صرخاته كل منزله، شحوب وذهول أصابه جعل زوجته تخشى الاقتراب منه.

أبيس: ماذا بك يا تحوتي لماذا كل هذه الصراخات؟ يجيبها وقد ارتفعت نبضات قلبه بصوت متقطع خائف.. إنــها سكاكين طائرة تُغرس في كل  أنحاء جسدي وثعابين كبيرة تقيد قدمي.. تٌهدئ أبيس من روعه بكلماتها العذبة حتى يركن تحوتي إلى سكينته ويهدأ روعه لكن هذا لم يمكنه من النوم مرة أخرى فالأوهام مازالت تصارعه والمخاطر لم تترك ذهنه فهدوئه كان ظاهريا فقط، لكن عقله مازال يطرح عليه الأسئلة دون أن يعرف لها إجابات.. وهو ما جعله مستيقظا حتى بزوغ الفجر.

يأتي الصباح ومعه أعياد الربيع واحتفالات الحصاد تعم أرجاء مصر، وفي معبد الشمس تقام الطقوس ويستعد خدام المعبد لعرض أسطورة أوزوريس وإيزيس داخل البهو الكبير المحاط بأربع أعمدة يتوسطهم عمود خامس يمثل مركز البهو ونقطة التقاء الكهنة في تقديم القرابين فعنده قتل ست الإله أوزوريس وعنده انتقم حورس من قاتل أبيه وصلب ست عليه ومزقه أربعين قطعة كل عشرة قطع على عمود من الأربعة بينما رأسه معلقة على العمود الخامس؛ فالرأس هي مركز الجسد وكذلك العمود الخامس هو مركز البهو وكانت القرابين والعطاءات توضع عند مركز البهو قبل إجراء طقوس إعادة أوزوريس إلى الحياة.

تبدأ المراسم ويصمت الجميع ويتلو تحوتي كبير كهنة معبد الشمس والكاهن الأكبر للإله أمون النصوص المقدسة ويبدأ الخدم والكهنة في التحرك بين الأعمدة الأربع  لجمع أشلاء أوزوريس وفي خضم هذا العرض وبينما المتفرجون متشابكون مع العرض تخرج سكاكين كبيرة من قلب هذه الأعمدة فتفصل رؤوس ثلاثة من الخدم ممن يشاركون في محاكاة هذه الأسطورة فتتطاير أجسادهم في أرجاء البهو و يملأ الصراخ المكان ويعم الهرج والمرج في أرجاء المعبد، وتنتاب تحوتي حالة هيسترية فهذا ما شاهده  في منامه ليلة أمس فنبوءة المنام تحققت على أرض المعبد!

فالكهنة لا يعلمون من أين تأتي السكاكين ولماذا لا تقتل إلا هم وخدام آمون راع، فتحوتي قد نجى من السكاكين المارقة بأعجوبة لكنه لم ينجو من لدغة تلك الثعابين المتجولة في أرجاء المعبد ولولا فطنة ري لكان زوجك ضمن ضحايا هذه اللعنات.. تضع أبيس مطحون الزنجبيل على قدم زوجها:
لا عليك فالحمد له على نجاتك من هذا المكروه لكن من أين أتت تلك السكاكين يا زوجي.

يجيبها تحوتي: لا أعلم من أين أتت ولا أعلم كيف خرجت هذه السكاكين من الأعمدة،تراودني بعض الظنون أنها حيلة ابتكرها اللصوص لسرقة الهبات والعطايا المقدمة لـ آمون راع.

أبيس: بصوت تملئه السخرية وإذا كان الأمر كذلك فأنا لهم بهذه السكاكين المتطايرة أيها الكاهن العظيم كبير كهنة آمون راع.
تحوتي: بصوت ممزوج بالقلق والإرهاق لا أعلم يا أبيس أن عقلي أصابه الشطط في تأويل ما رأى ! ربما خدع سحرية وربما.. وربما أشياء كثيرة لا قبل لنا بها.. تقاطعه أبيس قبل أن يكمل توقعته: وربما تكون لعنة الاله آتون موحد الشمس تلك اللعنة التي بشركم بها أخناتون عندما أمركم بتوحيد الالهة في الاله آتون.

ويغشاه النوم فينتهى هذا السجال دون الوصول لإجابة قاطعة لما حدث فأصداء الحادثة مازالت باعثة للرعب والفزع في قلوب أهل المحروسة.

يحاول الكهنة إعادة الاحتفالات وإحياء طقوس إيزيس وأوزوريس مرة ثانية معللين حادثة أمس ببعض الطقوس الخاطئة التي لم تعجب الإله آمون راع؛ فالنذور لا تقدم إلا في معبد الاله ” جب ” إله الأرض والزرع  وتلقى هذه التعليلات القبول لدى العامة ويصاحبها العودة للاحتفالات مرة أخرى.

يمر اليوم الأول على هذه الاحتفالات دون حدوث أي مكروه وكذلك اليوم الثاني لكن في  الثلاث حدث شيء عجيب  فأثناء مشاهدة المصريون للعرض المقدم من قبل الكهنة وإذ بالأرض تستعر من تحت أقدامهم فالنار خرجت من ثنايا الأرض لكن هذه المرة النار لم تستعر تحت أقدام الكهنة فقط  كما حدث في معبد الشمس فالسكاكين لم تصب إلا مقدمين العرض لكن في هذا المعبد أختلف الأمر عما سبق فالنار طالت كل قدم داخل المعبد لكن هذه النار كانت منخفضة فهي لم تصل إلا للقدم فقط؛ ولهذا تمكن تحتمس الكاهن الأكبر لمعبد “جب ” من إطفاء النيران فالمعبد يطل على النيل مباشرة مما يعني سهولة الوصول إلى الماء وتدفقها إلى الداخل.

يمتنع القوم عن الذهاب إلى المعابد وتقديم النذور وكلما حاول الكهنة الدعوة إلى المعابد أوسعهم  الناس ضربا؛ و كثرة الأحاديث والتفاسير عن لعنات المعابد التي أصابت الناس؛ بعضهم قال أن هذه اللعنات آتت بسبب سرقة الكهنة وخدام المعبد للنذور والهدايا المقدمة لهذه الالهة فغضبت عليهم وأنزلت بهم اللعنات وبعضهم قال أنها حيلة فعلها السحرة لسرقة المعابد فالتأويلات تتسع كل يوم لكن دون جدوى.

يحاول تحتمس الذهاب إلى المعبد لكن قدمه مازالت متورمة فيحمل إليه عن طريق عربة أحضرها له مساعده بتاح؛ مولاي النذور سرقت والذهب جعلتها النيران هو والأرض سواء؛ فأموال معبدنا قد نهبت.. يقاطعه تحتمس بصوت يملؤه اليقين: لا تقلق يا بتاح فالنار لم تأكل إلا النزر اليسير من أموال معبدنا فأموالنا المعتقة بعيدة كل البعد عن كل هذه المكائد ..يصمت قليلا ثم يأمر بتاح بالإسراع تجاه المعبد..
يصل تحتمس وبتاح معبد ” الجب ” وقد قاربت الشمس على الرحيل فلم يبقى منها إلا أخر شعاع من نهار وهو ما يريده تحتمس حتى لا يعرف فعله أحد، يحمله بتاح إلى غرفة الكاهن الأكبر يأمره تحتمس بإحضار معول ليخلع الحجر الثاني والثالث من أرضية الغرفة وبخلعه لهم يجد بتاح سرداب مظلم لا يُرى منه شيء يزحف تحتمس على مقعديه مستخدما  يديه وباسط قدميه المتورمتين أمامه ممسكا بمصباح لينير السرداب لبتاح؛ يصل بتاح إلى المستقر ويعقبه تحتمس بالمصباح وبمجرد رؤية تحتمس للمستقر خاوي على عروشه يصرخ أين الذهب أين الأموال كيف خرجت هذه الأموال من هنا.. أبحث يا بتاح في أرجاء السرداب لعلنا نجد بقايا ما كنا ندخر وفجأة تخرج ثعابين ضخمة من كل أرجاء السرداب.. ثعابين ضخمة ذات رؤوس ضخمة تحمل فوق رؤوسها قرونا كقرون الثيران يصل طول الثعبان منهم قرابة المترين.. عندها ينسى تحتمس ألمه ومصابه ويتحامل على قدميه ويصعد مسرعا يعقبه بتاح وبسرعة تفوق الخيال يتمكن الأثنين من غلق السرداب.. مهرولين إلى العربة دون أي حديث بينهم فالصمت خيم عليهم حتى وصل كلاً منهم إلى منزله.

يغطى ظلام الليل المدينة ويسود الصمت فلا يسمع فيها إلا نقيق الضفادع لكن هذا الصمت لم يدم طويلا فالنيران أرقت نوم سكان المدينة فالمنازل تحترق دون أن يٌعرف سبب اشتعالها يهرول الجميع إلى النهر ليأتوا بالماء لإخماد تلك النيران، لكن تماسيح النيل لم تكنهم هذا فأخذت تهاجمهم حتى أنها التهمت أكثر من عشرة أشخاص حاولوا الوصول إلى النهر يدب الزعر والفزع في قلوب الجميع فلا أحد يعلم إلى أين يذهب فالنيران تحاصرهم والتماسيح تقف لهم بالمرصاد، يصل البعض إلى فكرة شاقة وهي حمل الرمال لإخماد النيران تنجح هذه الفكرة جزئيا وتنقذ ما تبقي من المدينة.

يركن الناس إلى الراحة مع بزوغ فجر النهار فالمحروسة لم تنم ليلة أمس؛ ويغلب على المدينة الصمت والهدوء؛ ولكنه الهدوء الذي يسبق العاصفة ففي منتصف النهار تعود النيران مرة أخرى لتأكل الأخضر واليابس لم يتوقف الأمر عند هذا فحسب؛ فالثعابين ذات الرؤوس الضخمة خرجت تهاجم الناس وتحملهم على قرونها كالثيران الثائرة ومن نجى من هذا أو ذاك لم ينج من تماسيح النيل الجائعة كارثة أصابت كل سكان عاصمة مصر القديمة لم ينجو منها إلا قصر الفرعون أخناتون ومعبده الخاص بالإله أتون “قرص الشمس وموحد الالهة ” ترك السكان مدينتهم وذهبوا إلى الصحراء التي تحيط المدينة ليستقروا بها إلى أن تهدأ المدينة وتعود إلى سابق عهدها .
يحاول جنود الفرعون السيطرة على الوضع وينجحوا في هذا إلى حد كبير، تصل الأنباء إلى تحوتي بأن أتباع أتون لم يصب منهم إلا القليل وأن معظمهم لم يصب بسوء؛ يحدث تحوتي خادمه ري بما يدور في رأسه : ألا تعتقد يا ري بأن ما حدث كان مكيدة من قبل أخناتون وكهنته لإجبار القوم على الذهاب لمعابد آتون ، يجبه ري : بالتأكيد على كلامه ويخبره بما حدث لتحتمس كاهن معبد ” جب ” والمقرب إلى أخناتون.

يتعجب تحوتي من قول ري.. هل النيران أصابت تحتمس! أن تحتمس بمحاط بعناية الفرعون والمفضل ليه من كهنة “جب ” وهو من أيده في توحيد أتون ..يبدو أن ما حدث أكبر من كل هؤلاء.. ينتهي الحديث دون الوصول إلى نقطة التقاء..

يبعث أخناتون رسوله إلى الكهنة وخدام المعابد المشردين في الصحراء للحضور إلى قصره صباح الغد ليتشاوروا فيما أصاب البلاد والعباد، ومع الصباح يجد الكهنة جنود اخناتون في انتظارهم لتأمين وصولهم إلى القصر المشيد.

يصل الكهنة والخدام إلى قصر أخناتون دون أن يصاب أي أحد منهم بأذى يجلسوا على مقاعد خشبية مرصعة باللؤلؤ والقطع الذهبية تحت مخدع كل واحد منهم يجلس الكهنة في الصفوف الأولى بينما خدام الكهنة ومساعديهم يجلسوا في الكراسي التالية للكهنة يصمت الجميع في انتظار أخناتون يضرب البوق فيقف الجميع في انتظار دخول الفرعون حتى يأذن لهم بالجلوس.

يدخل الفرعون ومعه كبيرة كهنة أتون أميتحاب فيأذن لهم بالجلوس و يصمت الجميع في انتظار حديث الفرعون ، يبدأ الفرعون حديثهم بالاطمئنان على صحة الرعية ويخبرهم بأنه يسعى جاهدا للوصول إلى الأسباب التي أدت إلى هذا ويأمر أخناتون أميتحاب بشرح أسباب حدوث ذل، يصل أميتحاب إلى أن سبب هذا هو غضب الاله أتون على أهل مصر بسبب عدم تنفيذهم لوصاياه التي تلاه أخناتون عليهم من ذي قبل.. يقاطع حديث أمتحاب الزمجرة التي أظهرها الكهنة ويهمهم البعض حتى يصرخ تحوتي بأعلى صوته مولاي كلامك هذا يعني أن ما حدث كان مخطط له من قبلكم لصرف الناس عن معابدنا.. يقاطعه أخناتون لو كنا أردنا هذا لقتلنكم جميعا ..أصمت يا تحوتي وأستمع… ويقطع حديث الفرعون دخان وردي  اللون يخرج من جميع أرجاء المعبد يعقبه سكاكين متطايرة وكرات لهب تقذف من الأرض.. يهلك الجميع في خضم هذه الأحداث دون شخص واحد هو ري خادم تحوتي.. ويذكر ري  هذا الحدث في برديته الموجودة في مقبرته دون أن يقدم أي تفسير لما حدث خاتما حديثه بهذه الجملة وهو ما دفعه إلى كتابة هذه الجملة: ” إذا وصلت إليك هذه  فلا تتردد وأخبرني بالحقيقة  فالأرواح منتظرة !”

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق