مدونات

سفير العقل ورسوله الأنبل.. ماذا يعني أن تكون «صاحب قلم»؟

في هذا الصباح المشمس الجميل، أجلس تحت شجرة الليمون، رائحة الأرض البكر تملأ خياشيم أنفي فتدغدغ فؤادي، تتراقص أمام أعيني الحروف الأبجدية لا أستطيع الإمساك بها تتزلج الحروف بحرية فوق الورق المسطر ترفض الجلوس والتجمع.

سألت أحد حروف الأبجدية “الباء” ما بلك لا تطيعين ولا ترغبين التجمع في كلمة؟ أجابت فقالت: “بالله عليك بأي باء: تريد أن تكتب مقالك؛ بباء: النفاف أو “باء” التملق أو “باء” الخنوع أو “باء ” الحقد أو “باء” الرياء.. أو… أو..”.

تركت “الباء” تواصل تزحلقها على ورقي المسكين وسألته “الألف” ما بالك يا صديقي العزيز لا تبالي تواصل الرقص مع الحروف ولا تريد الانضمام إلى الكلمة؟ أجاب وهو يتأفف قال: “أتيت إلى الدنيا وأنا شامخ الرأس، جمعت مع كلمة الله التي يقدسها كل البشرية.. لتجدني أتجمع في هذا العصر المقيت مع الكلمات لا سب وأسلب وأنهب وأكذب؛ لذا لن أتجمع على ورق لأستُغل في نص كاذب”.

سألت حرفًا آخر من حروف الأبجدية “النون” عسى تستجيب وتزيل عني الحزن المقيت وتترك القلم المصدوم يرسم ما بخاطري من أحوال وأمور وهموم، فأجابتني وبتعاليها أفحمتني “ألم تعلم أني أنا النون، نزلت في سورة البقرة و قد ذكرني الله فقال سبحانه (نون والقلم وما يسطرون) والنون الذي سماه الله بي هو من خلق الله”.

قال القلم وهو مغتاظ “لتعلمي أيتها الحروف وخاصة أنت أيتها النون أن الله -سبحانه وتعالى- أول من خلق خلقني أنا القلم وقال لي أكتب فقلت وما أكتب؟ قال: أكتب القدر. فجرى بما يكون من ذلك اليوم إلى يوم قيام الساعة. فلو لم أكن أنا القلم لما تواجدتم أيتها الحروف. ثم خلق الله (النون) فوق ثم كبس الأرض عليه ورفع بخار الماء ففتقت منه السماء وبسطت الأرض على ظهر النون وتكونت الجبال”.

وجدتني في هذا الصباح الجميل شاردًا بين حروب الأبجدية المتنمرة الرافضة للتجميع وبين قلم عظيم، رفضت السكوت وبالكلام نطقت وقلت لهم: “أنا الإنسان خلقني الله وخلق عقلي بعد النون والقلم وقال: وعزتي لأكلمنك فيمن أحببت، ولا نقصنك ممن أبغضت”.

فالقلم أصدقائي الحروف الأبجدية ملك له أهمية على امتداد العصور في كل الأزمان والشعوب فيه تحفظ مآثر الشعوب وتاريخها وما أنجزته، ألم يخلق أول شيء في هذا الكون القلم وقال له اكتب. ومن خلال التاريخ الإنساني نلاحظ أن الكثير من أصحاب الأقلام يبلغ بهم النخوة والاعتزاز بقلمهم إلى حد كبير لاقتناعهم أن الكتابة موهبة منحها إياهم الله سبحانه.

وأكبر مثال على ذلك الشاعر المعروف في كل زمن ومكان أبو الطيب المتنبي، الذي كان يلقي شعره بين يدي الملوك وهو جالس لاعتقاده أنه “ملك القلم” فهو ند للملوك.

إن على مالك القلم وصاحبه أن يحترم ما وهبه الله من مقدرة على التبليغ والتعبير ميز بها عن الآخرين، هذه الميزة تجعله يؤثر في مجتمعه، يُحترم من بين أوساطه بما يكتبه من حق بحرية، ويكون لسانًا معبرًا عما يخالج صدور أمته من مشاكل، يعبر عن أحوال الناس وألا يكون مأجوراً كاذبًا منافقًا، يكتب فينقد ويصلح ويغير معتزًا بقلمه ليسجله التاريخ في دفتره الأبيض الناصع. وفي القلم قال أبي داود: “القلم سفير العقل، ورسوله الأنبل، ولسانه الأطول”.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

صلاح الشتيوي

كاتب تونسيي كتب العديد المقالات في السياسة والبيئة والاقتصاد تم نشر اغلبها بجريدة الشروق الورقية و بعض المواقع العربية .

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق