سياسة وتاريخ

سرية عبيدة بن الحارث

أول راية في الإسلام

اختلف أهل السير على أول راية عقدها رسول الله ﷺ في الإسلام هل هي راية حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه في سرية (سيف البحر) أم راية عبيدة بن الحارث في سرية (رابغ).

قال بن إسحاق في هذا، قد بلغنا أن أول راية عقدها رسول الله ﷺ في الإسلام كانت راية عبيدة بين الحارث، وقد خالفه في هذا الزهري وموسى بن عقبة والواقدي ، فذهبوا إلى أن بعث حمزة كان قبل بعث عبيدة، ويقول بن إسحاق أن النبي ﷺ قد أرسل السريتين معاً عند رجوعه من الأبواء لذلك وقع الخلاف على أول راية في الإسلام.

وأقول في هذا والله أعلم، قد اتفقت أكثر الروايات على أن بعث حمزة كان في شهر رمضان في السنة الأولى من الهجرة، بعد سبعة أشهر من هجرة الرسول ﷺ، وأن بعث عبيدة بن الحارث كان في شهر شوال، وكان لقريش رحلتي تجارة، وهما الرحلتين اللتين ذُكرا في القرآن الكريم، رحلتي الشتاء والصيف، وذُكر أيضاً في السرايا أنهم خرجوا لقصد عير تجارية لقريش ، وبالرجوع للرحلتين فإن رحلة الشتاء هي رحلة اليمن وهي لا تمر بالمدينة، ورحلة الصيف هي رحلة الشام وهي تمر بالمدينة المنورة وذكر ابن سعد في الطبقات الكبرى أن سرية حمزة كانت في شهر رمضان ثم تبعتها سرية عبيدة في شوال ثم سرية سعد بن أبي وقاص في ذي القعدة ، وهي شهور فصل الصيف مما يتوافق مع موعد خروج قريش للتجارة في الشام.

أما خلاف الراية فمن الممكن أن يكون النبي ﷺ قد بعث السريتين معاً في أواخر شهر رمضان من السنة الأولى من الهجرة، ومن المحتمل أن يكون قد عقد لوائهما معاً، فسرية حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه كانت إلى سيف البحر من جهة العيص وهي تبعد عن المدينة 60 كلم فقط، أما سرية عبيدة بن الحارث رضي الله عنه إلى بطن رابغ فهي تبعد عن المدينة 284 كلم، مسيرة 66 ساعة بالإبل على عشر مراحل، وهو ما يقارب الثلاثة أيام، وإذا أضفنا وقت الراحة تزيد مدة المسير، ومع وضع فرق التوقيت الصيفي في الاعتبار فإن نهار الصيف طويل وليله قصير، وقد ورد في بعض السرايا والغزوات مثل غزوة دومة الجندل وسيأتي الحديث عنها مفصلا، أن النبي ﷺ كان يسير ليلاً ويكمن نهاراً لكي لا ترصده عيون العدو أو يتتابعوا أسره، فإن كان سيرهم ليلاً سيتضاعف التوقيت، وبهذا نستنتج أن من المحتمل أن تكونا السريتين قد خرجتا معاً في أواخر شهر رمضان، ووصل سيدنا حمزة إلى سيف البحر في نفس الشهر بينما وصل عبيدة بن الحارث رضي الله عنه في أوائل شوال، فالواقعة تُذكر بتاريخ لقاء الطرفين لا بتاريخ خروجهم، والله أعلم.

أحداث السرية

بعث النبي ﷺ في شهر شوا من السنة الأولى من الهجرة عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب -رضي الله عنه- في ستين رجلا من المهاجرين وقيل ثمانين رجلا إلى بطن رابغ وهو مكان يبعد عن المدينة المنورة أربعة وثمانون بعد المائتين (284) كم؛ لقصد عير تجارية لقريش، وعقد له لواء أبيض كان الذي يحمله مسطح بن أثاثة بن عبد المطلب-رضي الله عنه- فسار حتى بلغ ماءا بالحجاز بأسف ثنية المرة فلقى بها جمعا كبيرا من قريش ولم يكن بينهم قتال، بل حدثة بعض المناوشات رمى فيه سعد بن أبي وقاص-رضي الله عنه- بسهم وكان أول سهم رمي في سبيل الله وفي الإسلام.

انصرف القوم عن القوم وفر من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمر حليف بني زهرة، وعتبة بن غزوان بن جابر حليف بني نوفل بن عبد مناف، وكانا مسلمين لكنهم خرجا ليتوصلا بالكفار، قال ابن إسحاق وكان على المشركين يومئذ عكرمة بن أبي جهل، وروى بن هشام عن أبي عمرو بن العلاء عن أبي عمرٍو المدني أنه قال: كان عليهم مكرز بن حفص، وروي عن الواقدي قولا: أحدهما أنه مكرز بن حفص، والثاني أمه أبو سفيان بن حرب، وأنه رجح أبو سفيان وهو المشهور عند أكثر أهل السير والمؤرخين.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى