مدونات

سد منافذ الجريمة ما بين النظريات ومنهج القرآن الكريم

تمثل الجريمة أيا كان نوعها سلوكا بشريا قد انحرف صاحبه عن الطريق الصحيح واتخذ طريقا معوجا عما يتبعه كافة البشر، فظهر أثر ذلك في تعاملاته الحياتية وفي علاقته بمن حوله، والجريمة قديمة قدم الخليقة وأول الجرائم التي وقعت هي القتل كنتيجة لسلسلة من الخطوات مثل الحسد فيها أول السلسلة والقتل آخرها، فقد لعب الحسد في مسرح الجريمة أعلى درجات التأثير وهذا فعل خاص بالنفس البشرية مكنون بها خفي إذا ما قورن بالجريمة الظاهرة “القتل” لكنه مقدمة للقاتل ليقدم على فعله ومنذ هذه اللحظة تنامت الجرائم وأصبحت تمثل سلوكا مجتمعيا مرفوضا من أصحاب الفطر السوية والتي ترشدهم إلى الفعل الصواب والنابع من حياتهم السوية والناجم عن شعورهم الطبيعي بحقيقة وجودهم على الأرض، ومع تشكل الجريمة كسلوك مجتمعي مرفوض من الكافة ،حاول الإنسان الوصول إلى حلول ناجعة لأفعال البعض ممن حادوا عن السوية، لما قد لمسه من خطورة تفشي هذا السلوك المنحرف عن قوامة الطريق ورشد المسلك في الحياة الاجتماعية الهانئة بين بني البشر.

ما بين النظريات والقانون
تعددت نظريات ومناهج التربية وخاصة ما يتجه نحو تقويم السلوك البشري؛ حيث مثلت جوانب علم النفس والاجتماع عند الحديث عن الجريمة جانبا مهما في بحوث علم الإجرام لكنه جانب نظري اعتمد تفسير الظاهرة وركز على رؤية الحدث لا الحلول والعلاجات، واجتهد واضعوها في محاولات عدة لتطبيق تلك النظريات و تحويلها من إطار نظري إلى خطط عمل طمعا في الحصول على نتائج فورية، وهو جهد محمود مشكور كونها مثلت ضوء خفي في طريق مظلم ألا وهو طريق الغواية البشرية وعالم الجريمة، هذا الضوء يخفت في ظل تسارع وتيرة الحياة وضيق ذات اليد ومحدودية فرص الشباب في قضاء أوقاتهم بصورة إيجابية نافعة لهم ولمجتمعاتهم والتي تعتبر من مسببات الجريمة، وفي ظل تعاظم أثر الجرائم وتنوع مصادر الناشئة في تعلمها والسعي لإتقان فنون ممارستها، وهذا ما زادت به البلوى وتعاظم به الخطب حيث لم يشكل ضوء هذه النظريات الخفي إلا قطرة في عالم محاربة الجريمة، لاعتماده تفسير ظواهرها في غالب النظريات مع شح في جوانب العلاج والتطبيق مما أضعف نتائجها عند التنفيذ، كون الجريمة متغيرة بشكل مستمر حيث تتعدد أشكالها وأوصافها؛ لذا ظهرت هذه النظريات بصورة غير كافية للقضاء على الجريمة، وأما دور القانون وأثره في الحد من الجريمة وسد منافذها، فلو نظرنا إليه كحل ناجع يقضي على الجريمة، كونه يمثل الجانب التطبيقي، حيث يكون الردع ونتائج التطبيق فيه ركنان بارزان يمكن أن يُركن إليهما في هذا الشأن إلا أن القانون أيضا قاصر في ذلك كونه لا يتعقب الجرائم نظرا لأن تعامله مع الحدث لاحق له وليس سابقه ،أي أن تعامل القانون بعد وقوع الجريمة لا قبل حدوثها.

من خلال ما عرض نجد أن آليات سد منافذ الجريمة لم تتضمن في النظريات والقانون أي منهج محدد الخطوات مرسوم بعناية لكيفية سد منافذ الجريمة فالبعض قد اتجه وتحدث عنها كظاهرة والآخر اتجه للعقوبة بعد الوقوع، أما المنهج محدد الخطوات باعثا على سد منافذها لم نجد ما يشمل منهجية معتمدة مجربة تربط بين الجريمة كرغبة كامنة لدى مرتكبيها وبين الجريمة كنتيجة للسلوك البشري المعوج مع العلاج الناجع حتى يهدمها في النفوس قبل الإقدام عليها.

المنهج القويم 
إذًا نحن في معالجة وسد منافذ الجريمة أصبحنا بين منهجين: الأول يبحث في تفسير الظاهرة ومسبباتها من خلال سعي النظريات التربوية وعلمي النفس والاجتماع في البحث عن الجريمة وتفسير سلوك الإنسان عند ارتكابها والآخر يمثل قوة وسلطة الردع عند التطبيق كونه لاحقًا غير سابق حيث يمثل زجرًا للمخالفين بعد المخالفة؛ فلم نشهد علاجا قويما قدمه البشر يعالج الجريمة منذ احتمالية وقوعها وسد منافذها، ولم نشهد طرق معالجة الجرائم في نفوس البشر قبل إتيانها أو حتى التخفيف من آثارها على من وقعت في حقه أوعلى المشاهدين والسامعين بها. وفي ظل وجود هذين المنهجين ما زالت الجريمة ترتكب ويزداد أثرها ويعظم بلاؤها ؛ ولقد عالج المنهج القرآني الكريم فكرة الجريمة ونظرية السلوك الانساني أفضل معالجة حيث المنهج الراشد في عودة الإنسان إلى طبيعته السوية وخلقه وسلوكه المعتدلين.

إن المنهج القرآني المعالج للجريمة قد اعتمد على شقين أساسين :
أولهما : الاحتراز” الوقاية” ؛ وثانيهما : العقاب “الزجر”
وإذا أردنا الحديث عن سد منافذ الجريمة كخطة ممنهجة في القرآن الكريم نجد أن الشق الأول هو الذي يعنينا في هذا السياق الآن ، حيث أفردت نظريات القرآن الكريم والشريعة الإسلامية مبدأ إسلامي أصيل وهي مبدأ “سد الذرائع ” ليشكل أصلا من أصول محاربة الجريمة وسد منافذها . إذا فما خطة الاحتراز التي اُنتهجت في آيات القرآن الكريم؟

إن مسار منع الجريمة وسد منافذها هو المسار الأسلم لتنقية الحياة الاجتماعية من مكدرات تلك الجرائم حيث تكون استراتيجية هدم الجريمة في نفوس الناس هى الأنجع قبل ارتكابها؛ والقرآن الكريم قد سُطرت فيه خطوط متوازية في هذا الاتجاه شكلت مبدأ “سد الذرائع” ومن هذه الخطوط :

❖ سد فجوات العلاقات الإنسانية
لاشك أن كل علاقة قائمة بين البشر تمر بفترات شد وجذب نتيجة التعامل البشري المستمر سواء في معاملات مالية أو علاقات اجتماعية مثل الزواج والطلاق أو الميراث والتجارة؛ فكل هذه العلاقات هي مسارات مختلفة قد يحالفها النجاح فتنجح وقد يخالفها فتبدأ كمقدمات فتنة مفضية إلى جريمة؛ لذا فقد رسم القرآن الكريم طرقا عدة لنجاح تلك العلاقات لتمر بسلام وأمان دون أن تكون سببا في الشقاق فتبدأ بعده خطوات العمل الإجرامي ولذا عمل مبدأ سد الذرائع على سد منافذ الشقاق والخلاف في أدق التفاصيل الحياتية ولم يتركها للاجتهاد البشري الخالص والذي قد يكون سببا في الخلاف والتنافر؛ فأتى التشريع كاملا غير منقوص سادا لكل الفجوات عاملا على توضيح طرق الحل قبل الخصومة والانتقام ولنأخذ مثالا على ذلك ففي العلاقات الشخصية وأسس التعامل بين الرجل والمرأة وما قد تسببه حساسية العلاقات الغير شرعية كمسبب للجريمة فقد أغلق الاسلام ومنهجه القويم ” القرآن الكريم ” هذا الباب تماما فقد قال تعالى ﴿قُل لِّلۡمُؤۡمِنِینَ یَغُضُّوا۟ مِنۡ أَبۡصَـٰرِهِمۡ وَیَحۡفَظُوا۟ فُرُوجَهُمۡۚ ذَ ٰ⁠لِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِیرُۢ بِمَا یَصۡنَعُونَ﴾ [النور 30] فهل وصلت نظريات علم النفس والباحثة في الجريمة إلى أدق من هذا التوجيه في سد منافذ الجريمة والتي يمكن أن تبدأ ولو بالنظر الغير مشروع وهل وصلت اجراءات وتدابير القوانين على أن تسد منافذ الجريمة قبل وقوعها ولو من أبسط الأسباب الموصولة إلى ذلك ” النظرة “؟

وأما في مجال العلاقات الاجتماعية وفي الحياة الأسرية فقد أوضح القرآن الكريم الحلول الناجعة عند مخافة بوادر وبواعث الشقاق فيقول تعالى ﴿وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَیۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُوا۟ حَكَمًا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمًا مِّنۡ أَهۡلِهَاۤ إِن یُرِیدَاۤ إِصۡلَـٰحًا یُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَیۡنَهُمَاۤۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِیمًا خَبِیرًࣰا﴾ [النساء 35] آية صريحة يوضح فيها – سبحانه وتعالى – طرق حل الخلاف الزوجي وطرق التحكيم المثلى في احتمالية الشقاق والخلاف بين الزوجين مع التأكيد على أن حسن نوايا المصلحين سيحالفه التوفيق لا محالة ؛ أما في جانب المعاملات التجارية كمثال آخر فقد أتت أية كاملة وهي أطول آيات القرآن الكريم لتتحدث عن الديْن وطرق إدارة الاقتراض ، وأما عن التجارة فيقول تعالى ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأۡكُلُوۤا۟ أَمۡوَ ٰ⁠لَكُم بَیۡنَكُم بِٱلۡبَـٰطِلِ إِلَّاۤ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضࣲ مِّنكُمۡۚ وَلَا تَقۡتُلُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِیمًا﴾ [النساء 29] وهو بذلك يوصد كل أبواب مسببات الخلاف في مبدأ عام واضح في أن التجارة يجب أن تكون عن تراض بين الناس لا عن شقاق وخلاف.

❖ التنفير العام من الجريمة 
عالج القرن الكريم في نفوس البشر قضية الجريمة احترازا منها، وقد أوضح مسارين لمنهج التنفير: الأول: تخويفا، والثاني: بيان درجة البشاعة وتوضيح عظمها على الانسانية جمعاء وهو مسار قرآني حكيم ضامن عدم ارتكابها وكان هذا المسار واضحا منذ نتائج الجريمة الأولى على وجه الارض؛ فقد فرض الله تعالى وأوجب أنه من قتل نفسا واحدة كأنه قاتل للناس جميعا ومن أحيا نفسا واحدة فكأنما أحيا الناس جميعا؛ يقول تعالى ﴿مِنۡ أَجۡلِ ذَ ٰ⁠لِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِیۤ إِسۡرَ ٰ⁠ءِیلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَیۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادࣲ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِیعࣰا وَمَنۡ أَحۡیَاهَا فَكَأَنَّمَاۤ أَحۡیَا ٱلنَّاسَ جَمِیعࣰاۚ وَلَقَدۡ جَاۤءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِیرࣰا مِّنۡهُم بَعۡدَ ذَ ٰ⁠لِكَ فِی ٱلۡأَرۡضِ لَمُسۡرِفُونَ﴾ [المائدة 32] وذكر تعالى أيضا ﴿وَٱلَّذِینَ لَا یَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ وَلَا یَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِی حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا یَزۡنُونَۚ وَمَن یَفۡعَلۡ ذَ ٰ⁠لِكَ یَلۡقَ أَثَامࣰا ۝٦٨ یُضَـٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ وَیَخۡلُدۡ فِیهِۦ مُهَانًا ۝٦٩﴾ [الفرقان 68-69

❖ وأد مقدمات الجريمة 
كما أن لكل عمل مولد؛ فالجريمة شأنها شأن كل سلوك وعمل له مولد وبداية، ونشأتها قد تكون هينة في أولها ثم يتعاظم خطرها ؛ ولذلك فقد أرشد الله تعالى في منهاج صلاح البشر في القرأن الكريم ووفق منهج الاصلاح إلى تلك المقدمات مبينا أن الشيطان هو المسبب الرئيس لتلك المقدمات وأن دوره عظيم في الغواية حتى لا تتعاظم آثارها فيما بعد قال تعالى : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: 91]. فكل عداوة وبغضاء يتبعها حسد وعراك سببه الشيطان وصده لكم عن سبيل الله في الخمر والميسر عليكم أن تفهموه فتتجنبوه.

وقال تعالى أيضا ناهيا عن تتبع تلك المقدمات والخطوات الشيطانية ﴿ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَ ٰ⁠تِ ٱلشَّیۡطَـٰنِۚ وَمَن یَتَّبِعۡ خُطُوَ ٰ⁠تِ ٱلشَّیۡطَـٰنِ فَإِنَّهُۥ یَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَاۤءِ وَٱلۡمُنكَرِۚ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَیۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ أَبَدࣰا وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ یُزَكِّی مَن یَشَاۤءُۗ وَٱللَّهُ سَمِیعٌ عَلِیمࣱ﴾ [النور 21] والسبب في عدم تتبعكم له هو أنه يأمركم بالفحشاء والمنكر مفسرًا لطرق الخلاص وهو أن طريق الله تعالى هو طريق التزكية والنماء والخلق القويم.

❖ التنفير من مسببات الجريمة
إن التركيز على وأد المقدمات والتي مبعثها الشيطان ليحتاج إلى تفسير عملي لخطورة تلك المقدمات فكان التنفير من المسببات الظاهرة للجريمة وعلى رأسها الخمر والمخدرات؛ فتبعا لآخر إحصاء حول أثر المخدرات في ارتكاب الجرائم ذكر مدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان بمصر قضية المخدرات والإدمان وارتباطها بالجرائم، أنه طبقًا لآخر بحث تم إجراؤه في أحد المؤسسات العقابية وجدوا أن 79% من الجرائم تمت تحت تأثير المواد المخدرة.

ولذا فقد عالج القرآن الكريم تلك المسببات في نفوس البشر عامة والمؤمنين خاصة حيث اُعتبرت الخمر من أعظم تلك المسببات كما أوضحت البحوث السابقة. قال تعالى : ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَیۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَـٰمُ رِجۡسࣱ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّیۡطَـٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [المائدة 90] ؛ ولذا تعتبر الخمر أم الخبائث ففي الحديث الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي الدرداء الأنصاري – رضي الله عنه – قال: أوصاني خليلي “- ﷺ -: أن لا تشرك بالله شيئًا، وإن قطعت وحرقت، ولا تترك صلاة مكتوبة متعمدًا؛ فمن تركها متعمِّدًا، فقد برئتْ منه الذِّمَّة، ولا تشربِ الخمْر؛ فإنَّها مفتاح كلِّ شرٍ » ؛ صحيح ابن ماجه 3275، وقال: حديث حسن ”

❖ النهي التدريجي عن الجريمة
لم تكن المعالجة الإلهية للمؤمنين في تعاملهم مع الخمر وتعلقهم بها معالجة فورية بل أتت على سبيل التمرين والتدريب حتى لا يكون ذلك قاسيا على نفوسهم فيقعوا في المحذور ويخالفوا ؛ بل تدرج العلاج والنهي حتى وصل إلى الترك المفروض فبدأت خطة العلاج بالتأثيم يقول تعالى:

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219] .
ثم تلتها مرحلة النهي يقول تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43] ثم في النهاية مرحلة التحريم يقول تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[المائدة: 90]

❖ التخويف العلني من عقوبة الجرائم 
إن التحذير المستمر عند ارتكاب الجرائم وسد منافذها والمقدمات المفضية إليها قد يصلح حاله مع النوس التي تخاف وربما ترجع ولكن هناك نفوس لم يغفلها القرن تلك النفوس المجرمة معتادة الإجرام لذا فقد عالج الشرع القويم هذه النفوس أيضا وجعل لها علاجا ناجعا حتى لا تكون مسببة لتفشي الظاهرة الإجرامية فقد يكون أخر الدواء وهو ” تطبيق الحدود ” إن المعالجة القرآنية في تطبيق الحدود له أثره الناجع في التخويف من الجريمة وارتكابها والإقدام عليها لكل لمن سولت له نفسه وزينت وسهلت له الجريمة ، ولم يكن الشرع المطهر سريعا في التطبيق بل جعل هناك خط رجعة يعرضه القاضي على الجاني قبل تطبيق الحدود حيث لا يطبق الحد إلا بعد الإقرار النهائي والأخير فعن عبدالله بن عباس بإسناد صحيح في مسند الإمام أحمد : أنَّ الأسْلَميَّ أَتى رسولَ اللهِ ﷺ فاعْترفَ بالزِّنا فقال: لعلَّك قَبَّلتَ أو غَمَزْتَ أو نظرتَ وهذا يجعل من هذا الحديث دليل أن الشرع القويم لم يكن سريعا في التنفيذ أو يميل إلى الحدود بل جعل الحد في أخر الحلول فغياب العقوبة الظاهرة يسهل على الفرد أن يقدم على الجريمة لو أنه قد أمن المعاقبة ، فيما ارتكب ؛ فمن أمن العقوبة أساء الأدب ؛ ولذا اختار الله تعالى لبني البشر علانية العقوبة وجعلها مقدرة في القرآن الكريم حيث مشاهدة عقوبة الجاني زجرا له وتخويفا لغيره ؛ لذا فقد أرشد تعالى في قرآنه إلى أن تكون العقوبة في شهادة الحاضرين فقال :﴿ٱلزَّانِیَةُ وَٱلزَّانِی فَٱجۡلِدُوا۟ كُلَّ وَ ٰ⁠حِدࣲ مِّنۡهُمَا مِا۟ئَةَ جَلۡدَةࣲۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةࣱ فِی دِینِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِۖ وَلۡیَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَاۤىِٕفَةࣱ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ [النور 2] واعتبر ذلك فرضا حيث تكون الشهادة والحضور جزءا من التطبيق للمحاكمة العادلة.

إن المطلع على منهج القرآن في تربيته للبشر يعلم أن الخالق جل وعلا قد خلق الانسان وخلق معه ما يسعده لو أنه اتبع هداه وسار على نهجه القويم والذي لا يُخطئه إلا جاحد قد أنكر عظيم المنهج الرباني لهوى في نفسه؛ ولذا ينبغي على دور التربية ومحاضن التأهيل أن تعرف خطة القرآن الكريم في تربية البشر وتهيئتهم لمهام خلقتهم في خلافتهم لله في أرضه؛ ولذا فقد أرشد وعلم الإنسان من أول يوم كيف تكون خلافة الله في الأرض يقول تعالى ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَاۤءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِی بِأَسۡمَاۤءِ هَـٰۤؤُلَاۤءِ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ﴾ [البقرة 31] فما أعظم خطة القرآن وما أجمل خطوات العلاج لو أننا فهمنا دورنا وما خلقنا الله له في تطبيق تعاليم هذا النهج التربوي الأصيل.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

محسن الكومي

كاتب ومستشار تدريب ،خريج كلية تربية93 ، خريج كلية الحقوق2000 - دبلوم صياغة العقود - ماجستير ادارة اعمال - ماجستير ثقافة اسلامية - دكتوراة مهنية في الموارد البشرية
زر الذهاب إلى الأعلى