ثقافة و فنون

«سجين مسقط» وسجون أخرى!

عندما تبدأ في قراءة رواية «سجين مسقط» للكاتب الشربيني عاشور، الصادرة عن دار العربي للنشر والتوزيع في القاهرة هذا العام، ومع توالي صفحاتها، ستدرك على الفور أنها رواية «جميلة»،  مكتوبة بلغة وأسلوب شديدي العذوبة والرّقة والسلاسة، وبالرغم من الاستطرادات والذكريات والمنولوجات الطويلة والمتداخلة نوعاً ما، والتي يطلق الراوي العنان لها بطول صفحات الرواية فإنك لن تمل منها وربما لن تتركها حتى تنتهي منها في جلسة واحدة!

وهذا بالضبط ما حدث معي، مع فارق أنني تمهلت في قراءتها عامداً متعمّداً، حيث كنت أمنح نفسي فترة استراحة عند الانتهاء من قراءة كل فصل من فصولها، ولذلك فقد انتهيت منها بعد أربعة أيام، وهو وقت طويل خاصة وأنها ليست بالطويلة (238 صفحة فقط)، والسبب فيما فعلته هو أنها رواية «جميلة».

لا أدعي أنني ناقد أدبي متخصص، ولكني قارئ نهِم منذ زمن، ولذلك أستطيع -ربما- بحكم تنوع القراءات وبخبرة مكتسبة (لحد ما) منها، معرفة الرواية الجيدة من السيئة، وتقدير الجهد الذي بذله الكاتب/المؤلف منذ أن «لمَعت» فكرة الرواية في ذهنه، وحتى كتابتها على الورق!

ومما لا شك فيه عندي إن الأستاذ الشربيني عاشور لم يأخذ وقتاً طويلاً في كتابة روايته، وهي للعلم روايته الأولى، لأنه -كما شعرت وأنا أقرأها- كان قد كتبها في عقله كاملة قبل أن يخطها بقلمه على الصفحات البيضاء (أو على الكمبيوتر في الأغلب)، فهذه الرواية تنتمي إلى ذلك النوع من الروايات التي تأخذ وقتاً طويلاً في عقل وقلب كاتبها، بينما لا تأخذ وقتاً في كتابتها.

ربما أكون مبالغاً بعض الشيء، أو أن حماسي للرواية هو ما يدفعني للمبالغة، لكن ذلك ما شعرت به وأنا أقرأ من أول صفحة فيها حتى انتهيت منها، وهو شعور -كما قلت- قارئ لا يعرف الكاتب معرفة شخصية، ولا حتى سمعت (وليعذرني الأستاذ الشربيني عاشور على جهلي) باسمه من قبل.

أعترف أنني تلكأت طويلاً لقراءة الرواية، مع أنني كنت بين وقت وآخر أرى تنويهات عنها على صفحة دار النشر، ثم حدث أنني زرت صفحة المؤلف على موقع التواصل الاجتماعي، فيسبوك، من باب الفضول متصفحاً، وعندها قررت شراء الرواية وقراءتها، وها أنا أكتب عنها بحماس أو مبالغة!!

تدور أحداث الرواية في مسقط، عاصمة سلطنة عُمان، حيث يستعد الراوي، وهو صحفي يعمل في جريدة عمانية، لقضاء إجازة في مصر، ولكن يتم توقيفه في المطار بحجة أنه مطلوب في قضية تتعلق بمعاملات بنكية في إمارة قطر، حيث كان يعمل في إحدى جرائدها قبل سنوات، وفي خلال تلك الساعات الطويلة التي قضاها محتجزاً، تمهيداً لتسليمه للإنتربول القطري، يستعيد ذكرياته عن تلك السنوات التي عاش فيها هناك، في الخليج، جرياً وراء لقمة العيش، محاولاً تقييمها، بإيجابياتها وسلبياتها وما تركته في شخصيته ورؤيته لحياته وأحلامه، وللمجتمعات التي عاش فيها، وعلاقاته مع من تعامل منهم بحكم عمله الصحفي.

يبدأ المؤلف أولى صفحات روايته بتنويه صريح أن بعض أحداثها حقيقية، وهو ما نفهم منه أنها تجربة شخصية وواقعية، مع بعض الخيال، وفي رأيي أنه خيراً فعل الأستاذ الشربيني عاشور حين اختار تقديمها في شكل روائي، وليس شكل مذكرات شخصية، فالرواية تتيح للكاتب، إذا امتلك أدوات الكتابة والفكرة الواضحة، أن يكون أكثر تعبيراً وعمقاً، وهو هنا لا يصدر أحكاماً قاطعة على ما شاهده وعاشه، سواء في تجربة الاحتجاز والسجن أو في تجربته بعموم في تلك الدول، بل هو يقوم كما يقولون بوصف الطبيعة وليس إصدار حكم قيمة.

ينطلق الكاتب في تأمل حياته من تلك اللحظة التي بات فيها وحيداً في مطار مسقط، وعملاً بنصيحة قديمة من زميل له أن يكتب، ولما كان همه في ذلك الوقت هو معرفة سبب احتجازه ومنعه من السفر، فلقد عاد لحياته في الدوحة، عاصمة قطر، وما يتصور أنه السبب فيما يتعرض له، ثم تدريجيا يعود بنا لحياته ويتأملها، باعتبار أن فسحة الوقت التي يعيشها حتى يحين ميعاد تسليمه تعطيه مساحة زمنية وفكرية كافية لذلك.

تلك الحياة التي بدأت معه حين أحضر له والده، وهو الأمي، جريدة فيها صورة لـ د.طه حسين وطلبه منه أن يكون مثله، مروراً بوفاة ذلك الأب واضطراره لقبول أي عمل ليساعد أسرته، وذهابه إلى السعودية للعمل كمدرس، وهي المهنة التي لم يحبها أبدا، ثم لحظة تحوله إلى الصحافة بناءاً على نصيحة من زميل له، والعمل في قسم المراجعة والتصحيح، وهو العمل الذي استغرقه وغرق فيه زمناً طويلاً، وهو عمل -كما يعرف كل من له علاقة بالصحافة- رغم أهميته، مرهق ومتعب ويمتص طاقة كل من يقوم به، ناهيك طبعا عن التعامل مع تلك النوعية من البشر، التي تعتبر العمل الصحفي مجرد «محطة ترانزيت» وليس محطة وصول لأحلامها وطموحاتها.

ومع كل هذه التأملات والمراجعات يكتشف الراوي أن هناك سجوناً أخرى، غير السجن العادي، كان محبوساً فيها ولكن بإرادته، تماماً مثل كثير من البشر، حتى تأتي لحظة «الصدمة» ويعي ما هو فيه، ومن ثم يقرر بعدها تغيير كل شيء.

 
الوسوم

طاهر عبد الرحمن

أقرأ التاريخ لأفهم المستقبل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق