ثقافة وفنون

سجال بين أهل العقل والنقل

من تتبع واقع وسائل التواصل الاجتماعي وما يتم نشره من خلال الصفحات المختلفة؛ وما يتبناه البعض من آراء متباينة حيال الأوضاع التي يعيشها العالم خلال هذه الفترة؛ فالبعض منا تبنى خطاب العقل؛ والذي يستلزم بالضرورة التعامل مع الأزمات والمشكلات المختلفة التي تحيط بعالمنا بشكل عقلاني ومنطقي، بمعنى الوقوف على المشكلات ومعرفة أسبابها؛ ثم اقتراح الحلول وانتقاء أفضل هذه الحلول وتحديدًا العملية منها والقابلة للتطبيق؛ والبعض الآخر استعان بخطاب النقل، بمعنى ما حوته الآيات من الكتب السماوية والتي أشارت إلى وقوع البلاء بسبب فعل الإنسان وصنيعه، ولا يرتفع هذا البلاء إلا باللجوء إلى الخالق؛ فهو الأقدر على رفعه حين يعجز أهل الأرض عن ذلك.

وبين خطاب أهل العقل وأهل النقل؛ وقفت ملياً لإمعان النظر، ونظرت إلى العالم بأسره بل إلى الكون الواسع باحثاً عن إجابات للتساؤلات التي تجول برأسي، فهل المشكلة في الإنسان المخير أم في الكون المسير؟

وبادئ ذي بدء؛ لا ينبغي التعارض بين خطاب النقل والعقل، لأن النقل يدعو إلى إعمال العقل، ولكي أوضح أكثر، خطاب النقل هو الكتب السماوية التي أنزلها الله تعالى، ومن تلك الكتب القرآن العظيم، هذه الآيات المشمولة بكتاب الله نزلت على الناس لصالح الناس، وبالتأكيد أنها حتى تكون لصالح الناس، فلا بد أن تكون معقولة المعنى، بمعنى أن يستطيع العقل فهمها وتبيان مضمونها ليطبقها في حياته.

القرآن الكريم يخاطب العقل، ويدعو العقل إلى التدبر والتفكر، والآيات خير دليل على ذلك؛ فمنها ما اختتم بقوله تعالى “إن في ذلك لآيات لأولي النهى”، وقوله “إن في ذلك لآيات لأولي الألباب”، وقوله ” إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون”، وبالتالي لا ينبغي التعارض بين العقل والنقل، وهؤلاء المؤججون للفتنة والساعين إليها ممن يطرحون النقل جانبًا ويدعون أن عقولهم أكبر وأقدر على فهم الأمور وحل المشكلات وتسيير الحياة بصورة أفضل مما جاء بالنقل، فإنهم خاطئون، وهؤلاء ذوي العقول المتحجرة والذين أحياناً يطلقون على أنفسهم القرآنيين، فوقفوا عند النصوص بدون الغوص في معانيها، والبحث في أسباب نزولها واستنباط الأحكام منها بما يتفق مع التطورات الزمنية والمكانية؛ فهم واقفون عند ظاهر النقل دون الإبحار في مضمون الآيات والأدلة الشرعية فهم أيضًا خاطئين.

وإنني وعلى قدر فهمي للأدلة الشرعية، أرى أنه لا يجب حدوث تعارض بين النقل والعقل، والصواب إعمال العقل وفق هدي دلالات النقل، بمعنى أن الأدلة الشرعية وجدت لكي نستخرج منها الأحكام.

والمقصود بالأحكام هي التي تحقق مصلحة الناس في دنياهم وأخراهم، وأن النتائج السيئة التي يواجهها العالم إنما هي صنيع الانحراف في فهم النقل، فكل ما هو مسير لم يخرج عن مساره الطبيعي، فلم يحدث أن سقطت السماء على العالم، ولم يحدث أن طغت البحار فأغرقت العالم بأسره، ولم يحدث أن اجتازت الشمس الحدود المسموح بها فأحرقت الأرض، ولم يتوقف تعاقب الليل والنهار.

وغير ذلك الكثير مما هو مسير، فلا يمكن تصور أو حتى تقبل أن ما يحدث للعالم من أزمات مرجعه حركة الكون، إنما منشأ هذه الأزمات سلوك الإنسان، وذلك عندما انحرف عن المنهج القويم الذي نزل لصالحه، فمنهم من احتفى بعقله وأنكر الدين، بل واعتدى عليه بقوله وفعله، ومنهم من تخاذل عن التعمق في الأدلة الشرعية، بل وادعى أنه من أهل القرآن، فأنكر الأدلة الشرعية الأخرى وعلى رأسها السنة النبوية المطهرة، ثم نتسائل من أين أتت هذه الأزمات، هؤلاء الذين يأكلون ما لا يصلح لأن يؤكل بحكم الدين، ثم يسألون عن أسباب تفشي الأمراض!

وهؤلاء الذين يتعاطون المسكرات ويفسدون أجسادهم بالتدخين، ثم يقولون لماذا ضعفت مناعتنا؟! وهؤلاء الذين يأخذون أموال الناس بغير حق ويعتدون على حقوقهم، ثم يسألون لماذا هذا الضيق وعدم البركة؟! وهؤلاء الذين يمنعون حق الفقراء في أموالهم، ثم يتسائلون لماذا يحقد علينا الفقراء؟! وهؤلاء وهؤلاء وهؤلاء.

إننا ومنذ فترة طويلة وقد بذل العالم بأسره أقصى ما يمكنه لتنحية الدين جانبًا، وبالتالي ما نحن فيه راجع إلى عقل الإنسان فقط، عقله الذي لم يلتزم بحدود النقل، فكم من آيات وأحاديث دعت إلى الاهتمام بالعلم وتعظيم العلماء، وتم التهاون في ذلك، وكانت النتائج كما رأينا ونرى، وغير ذلك من التهاون.

الموضوع شائك وأبعاده كثيرة، ولكن الخلاصة التي أود الإشارة إليها أنه لا تعارض بين النقل والعقل، ولا بد من إعمال العقل فيما يسمح به النقل، ولا بد من إعادة ترتيب الأولويات واستخدام كلًا من النقل والعقل لتحقيق صالح البشرية دنيا وآخرة، فالمشكلات بدأت من الإنسان المخير وليس الكون المسير.

medhatnagiub

باحث قانوني .. ماجستير إدارة أعمال .. دبلومة موارد وتنمية بشرية وأخصائي نفسي

تعليق واحد

  1. تحية طيبة
    لديّ ملاحظة تتعلق بعبارة : إن في ذلك لآيات لأولي الألباب
    هذه ليست آية من القرآن الكريم
    ينبغي التصحيح وتدقيق المقال كاملًا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى