ثقافة وفنون

سالم بن عبد الله بن عمر – حفيد الفاروق – العالم العامل

نحن الآن فى أوائل خلافة الفاروق رضوان الله عليه، وهذه مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم تعج (1) بغنائم الحرب التى أحرزها المسلمون من أسلاب يزدجرد آخر ملوك الفرس. فلقد كان فيها من تيجان الأكاسرة المرصعة بالجوهر ، ومناطقهم(2) المرصوفة باللؤلؤ، وسيوفهم المحلاة بالياقوت والمرجان؛ ما لم تقع عليه عين من قبل. وقد كان مع هذه الكنوز الطائلة حشد كبير من السبايا. وكان من بين الأسيرات بنات يزدجرد الثلاثة، فشراهن على رضي الله عنه وعرض عليهم طائفة من ألمع شباب المسلمين ، فإختارت إحداهن الحسين بن على وانجبت له زين العابدين . واختارت الثانية محمد بن أبى بكر الصديق رضى الله عنه ، وأنجبت له القاسم أحد فقهاء المدينة السبعة. وأختارت الثالثة عبد الله بن عمر خليفة المسلمين وأنجبت له سالما حفيد الفاروق وأشبه الناس سمتا (3) به فتعالوا نقف على صورة من حياة سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهم أجمعين.

ولد سالم فى المدينة المنورة ودرج(4) وشب بها، وكان أبيه يحبه حبًا شديدًا فقد فقهه في الدين وأملاه من كتاب الله. وكان مسجد رسول الله صلي الله عليه وسلم ما زال معمورًا بطائفة كبيرة من الصحابة وبذلك أتيح للفتى أن يأخذ عن هذه الطائفة من الصحابة مثل أبو أيوب الأنصاري، وأبي هريرة، وأبي رافع وأبي لبابة، بالإضافة إلى والده عبد الله بن عمر رضى الله عنهم أجمعين.

وبذلك غدا الغلام علمًا من أعلام المسلمين وسيدا جليلا من التابعين ، وأحد فقهاء المدينة الذين يفزع (5) إليهم المسلمون فى دينهم ويأخذون عنهم شريعة ربهم . وكان الولاه يأمرون قضاتهم إذا عرضت عليهم القضايا أن يدفعوا بها اليه . وكان أسعد الولاة حظا وأقربهم الى قلوب الناس ؛ من يأخذون بمشورة سالم بن عبد الله ، أما الذين يخالفون أمره ، فقد كانت المدينة تنبو(6) بهم، ولا تتحمل ولايتهم.

لم يقبل سالم بن عبد الله على الدنيا كما اقبل عليها غيره  ولم يحفل بعرضها الفاني كما حفل بها غيره، وإنما زهد بما في أيدي الناس رغبة بما عند الله. ولقد جرب بعض خافاء بنى امية أن يغدقوا(7) عليه الخير، فوجدوه زاهدًا بما فى أيديهم، مستصغرا للدنيا وما فيها.

ففى ذات سنة قدم سليمان بن عبد الملك مكة حاجا ، فلما أخذ يطوف طواف القدوم ؛ أبصر سالم بن عبد الله يجلس قبالة الكعبة فى خضوع ، ويحرك لسانه بالقآن فى تبتل وخشوع ، والدموع تسيل علي خده حتى لكأن وراء عينيه بحرا من الدموع. فلما فرغ الخليفة من طوافه توجه الى حيث يجلس سالم ، فأفسح الناس له الطريق حتى أخذ مكانه بجانبه، فلم ينتبه له سالم ولم يلتفت اليه ، لأنه كان مستغرقا بما هو فيه، مشغولًا بذكر الله عن كل شيء.

فأخذ الخليفة يراقب سالمًا ويلتمس فرصة يتوقف فيها عن التلاوة ويكف عن النحيب(8) حتي يكلمه . فلما واتته الفرصة مال عليه ، وقال السلام عليكم أبا عمرو ورحمة الله وبركاته. فرد عليه سالم السلام، ثم قال الخليفة بصوت خفيض: سلنى حاجة أقضيها اليك أبا عمرو . فلم يجبه سالم بشيء، فظن الخليفة أنه لم يسمعه، فمال عليه أكثر من ذى قبل وقال: رغبت بأن تسألني حاجة أقضها إليك.

فقال سالم: والله أني لأستحي أن أكون فى بيت الله؛ ثم أسأل أحدًا غيره. فخجل الخليفة وسكت، لكنه ظل جالسًا في مكانه، فلما قضيت الصلاة أراد سالم العودة إلى بيته. فلحقت به جموع المسلمين، هذا يسأله عن حديث من أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وذاك يستفتيه في أمر من أمور الدين، وآخر يكلب منه النصيحة فى أمر من أمور الدنيا، ورابع يطلب منه الدعاء .

وكان من جملة من لحق به هو خليفة المسلمين سليمان بن عبد الملك، فلما رأوه الناس وسعوا له فمال عليه وهمس فى أذنيه قائلًا: ها نحن خرجنا من المسجد، فسلني حاجة أقضيها اليك، فقال سالم: من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة. فإرتبك الخليفة وقال: بل من حوائج الدنيا.

فقال له سالم: إننى لم أطلب حوائج الدنيا ممن يملكها؛ فكيف أطلبها ممن لا يملكها ؟!

فخجل منه الخليفة وحياه وانصرف.

وكما أشبه سالم بن عبد الله جده الفاروق فى الإعراض عن الدنيا فقد أشبهه أيضًا فى الجهر بكلمة الحق مهما كانت ثقيلة الوطأة وشديدة التبعات، فمن ذلك أنه دخل على الحجاج ذات مرة فى حاجة من حوائج المسلمين.

فرحب به الحجاج وبالغ فى إكرامه وفيما هم كذلك؛ إذ أتى الحجاج بطائفة من الرجال صفر الوجوه مقرنين في الأصفاد. فالتفت الحجاج إلى سالم وقال: هؤلاء بغاة مفسدون في الأرض، ثم أشار إلى أحدهم وأعطى سالم بن عبد الله سيفًا وقال له أقتله، فأخذ سالم السيف وتوجه إلى الرجل وقال له: هل انت مسلم فرد الرجل : نعم والحمد لله فأنا مسلم فسأله سالم مرة أخرى أصليت الصبح فرد الرجل عليه بنعم. فرمى سالم السيف في وجه الحجاج وقال له لقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم “من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله ” وأنا لا اقتل أحدًا في ذمة الله وانطلق وترك الحجاج.

فقد عاش سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عمرًا مديدًا حافلًا بالتقى، عامرًا بالهدى، أعرض فيه عن زينة الدنيا وزخرفها وأقبل خلاله على ما يرضى الله. فرضى الله عنه وأرضاه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تعج: تقوم وتقعد.      (2) جمع منطق وهو ما يشد به الوسط.     (3) السمت: الهيئة.   (4) نشأ وترعرع.     (5) يلجأ.    (6) تنبو بهم : تضيق بهم ولا يجدون فيها قرارا .   (7) أن يغدقوا عليه الخير : أن يغرقوه بالمال.   (8) شدة البكاء.

 

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق