سياسة وتاريخ

زيف كشفته المحنة

تداولت وسائل الإعلام خلال اليومين الماضيين خبراً أصاب من سمعوه بالذهول، فبينما استغاثت إيطاليا بالصين لتساعدها على تجاوز كارثة كورونا أرسلت بكين لروما ستمائة وخمسين ألف كمامة واقية لكن ولعدم وجود خط طيران مباشر بين الصين وإيطاليا حطت الطائرة رحالها في العاصمة التشيكية براغ لعدة ساعات على أن تكمل رحلتها فيما بعد، ولكن ودون سابق إنذار صادر وزير الداخلية التشيكي المساعدات القادمة لإيطاليا ووزعها على مستشفيات بلاده الحكومية رافضاً إعادتها للإيطاليين معللاً ذلك بحاجة بلاده الماسة لها لمقاومة كورونا.

بعد بضعة ساعات من هذا النبأ أعلنت الحكومة الصربية اكتشاف حالات كورونا على أراضيها، وفجر رئيس الوزراء الصربي مفاجأة بإعلانه أن بلاده طلبت من الاتحاد الأوروبي مساعدتها لكن لم تجد من بروكسل آذاناً صاغية لكن سبق هذين الموقفين المخزيين موقف مخز آخر وذلك بعدما رفضت بروكسل مد يد العون لإيطاليا لمساعدتها في مواجهة كورونا الذي انتشر في عاصمة الامبراطورية الرومانية بشكل أكبر حتى مما حدث في الصين، بالرغم من أن روما كانت من مؤسسي الاتحاد الأوروبي وترك رفاق الاتحاد والجغرافيا جيرانهم الإيطاليين يواجهون الموت الجماعي بمفردهم.

وحتى عندما فكر الأوروبيون في البحث عن وسيلة تعالج من الكورونا اليوم وتقي منها غداً، وبدأ الألمان والفرنسيون في اختبار لقاحات وتجريبها لوفف نزيف الإصابات المستشري على أراضي البلدين تصرف كل بلد بمعزل عن الآخر بالرغم من أن الفائدة ستعم البلدين بل والقارة الأوروبية وربما العالم أجمع إذا اكتشف علماء أحد البلدين لقاحاً أو علاجاً يقي من كورونا أو يعالجه، غير أن حسابات المصالح كان لها رأي آخر.

في بداية انتشار كورونا منعت دول أوروبا الصينيين من دخول أراضيها وأغلقت شركاتها العاملة لدي التنين الصيني، كما منعت رعاياها من زيارة الصين وأقامت حجراً صحياً لمن عاد من هناك وبالرغم من ذلك وصل الوباء الصيني للأراضي الأوروبية بدون سابق إنذار من البوابة الإيطالية، وبالرغم من ذلك لم يأخذ الإيطاليون ولا جيرانهم خاصة في غرب أوروبا الأمر على محمل الجد وأعتقدوا أن الأمر لا يعدو زوبعة في فنجان.

زاد الإهمال الأوروبي الطين البلة وسجلت إصابات كورونا ارتفاعاً قياسياً خاصة في إيطاليا وأسبانيا، ونظرت كل دولة أوروبية لوضعها فقط بمعزل عن الوضع في بقية أنحاء القارة وهكذا وبين عشية وضحاها انتشر المرض في غرب أوروبا ومنه إلى شمال أوروبا وسجلت السويد والدنمارك عشرات من حالات الإصابة حتى وصل الأمر بحكومتي البلدين لتعليق الدراسة وإقامة حجر صحي لعشرات الآلاف من الحالات المشتبهة.

أعاد تنصل دول القارة من مساعدة بعضها لذاكراة الأوروبيين والعالم الصراعات السياسية والعسكرية التي دارت أحداثها حتى فترة قريبة على الأراضي الأوروبية، وأظهر للعالم هشاشة ما يسمى بالوحدة الأوروبية بالرغم من احتلال الاتحاد المزعوم بدوله الثماني والعشرين المرتبة الثانية عالمياً من حيث قوة الاقتصاد لكن بذور النزاع بقيت بين أعضائه وطفت على السطح أكثر من مرة.

تارة خلال أزمة اليونان الاقتصادية وثانية خلال أزمة اللاجئين عام 2015 ثم صعود حكومات اليمين في بعضها ومهاجمتها لبعض الحكومات الأوروبية وربما يكون الامتناع عن المساعدة في مكافحة كورونا القشة التي تقصم ظهر الوحدة المزعومة وتعيد القارة العجوز بلداناً متناحرة لا هم لها سوى مصالحها الضيقة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى