ثقافة وفنون

زمن الفن الجميل أم فن الزمن الجميل؟

مازالت الندوات في مصر تنعقد في نفس الأماكن وتحضرها نفس الوجوه ليرددون نفس الكلام: الأخلاق انحدرت، الفن صار هابطًا والمجتمع يتفسخ.

وقد انشغل فلاسفة الإغريق بتفسير العلاقة بين الفن والمجتمع؛ فرأى بعضهم أن الفن للفن ورأى البعض الآخر أن الفن ينبغي أن يقدم رسالة. والفن في الحالتين هو مرآة المجتمع.. وربما يكون فيلم “غزل البنات” خير مثال على ذلك، ولو تأملنا التركيبة الديموغرافية لنجوم الفيلم يمكننا الوصول إلى مكمن البلوى وجذور الآفة التي تأكل شجرة الإبداع في مصر حتى كادت أن تأتي عليها وعلى كل جميل في أرض المحروسة.

يتقاسم الأدوار الرئيسية للفيلم ثلاثة: نجيب الريحاني الذي ولد في القاهرة لأب عراقي مسيحي وأم مصرية، ليلى مراد اليهودية المصرية – التي أسلمت فيما بعد- و أنور وجدي مهاجر سوري. دعونا نتخيل لو أن ثلاثتهم يقيمون حاليًا في مصر، كيف كانت ستصبح حياتهم؟ ما الذي كان سيُكتب عنهم في الصحف؟ يهودية خائنة وسوري عميل وعراقي دخيل وربما أكثر.. نظرات اتهام وشك، إقصاء واحتقار وربما ما هو أكثر وأبشع من ذلك.

ويلتقي الأبطال بعميد المسرح العربي يوسف وهبي، الرجل الذي جاء من الفيوم – تقع حاليًا في منطقة يسميها أهل القاهرة والإسكندرية (الأقاليم)، وعُرف عنه الإيمان بالروحانيات وتصديقه للخوارق. و سعى وهبي لتجسيد دور النبي محمد دون أن يتهمه أحد بالكفر حتى أن شيخ الأزهر حينذاك لما أراد أن يوقف المشروع لجأ إلى البوليس ولكنه لم يصدر فتوى بإهدار دم يوسف وهبي أو بتكفيره. وفي الفيلم يغني محمد عبد الوهاب – ابن باب الشعرية الذي تبناه أحمد شوقي سليل العائلات النبيلة وربيب القصر الخديوي ولم نسمعه يومًا يعايره بأنه انتشله من الشوارع أو جلبه من الحواري أو أشياء من تلك التي نسمعها الآن داخل الوسط الفني وخارجه.

تلك التوليفة الأخلاقية والاجتماعية كان لها الفضل في صنع إبداع بهذا الجمال. كانت الأغلبية في مصر من المسلمين ولكن لم يجرؤ أحد على الجهر بأن مصر إسلامية وليذهب من لا يعجبه ذلك إلى الجحيم. وكان الجميع في مصر مصريين بغض النظر عن العرق والأصل والدين.

تفوقت شعبية الريحاني على شعبية علي الكسار، وصعد نجم ليلى مراد وراقية إبراهيم وبشارة واكيم، وكانت أسرة الأطرش مطاردة ومضطهدة ولكنهم نالوا نجومية وشهرة و ثروة في مصر فأصبحت وطنهم حتى أن فريد الأطرش كان يقبل أرضها كلما عاد من رحلة طويلة بالخارج.

في ذلك العصر كانت مصر وطنًا لمن لا وطن له، وكنت تجد الناس يبشّون في وجوه بعضهم البعض دون تمييز. لم يكن القتل على المشاع ولا التكفير بالمجان ولا التخوين ممكنًا إلا لمن ثبت أنه خان. كان الزمن جميلًا ولذلك كان الفن جميلًا وكانت مصر أجمل.

زر الذهاب إلى الأعلى