مدونات

زمنك المؤقت

افتح إعلان أحد أفلام الأربعينات أو الخمسينات من القرن الماضي، انتقِ أفضل هذه الأفلام تلك التي جمعت جوائز الأوسكار المختلفة وانظر من خلال إعلان الفيلم إلى تمثيل الممثلين. هل يبدو لك هذا التمثيل المتخشب الصاخب المبالِغ جميلًا؟ أو السؤال الأصح هل يبدو لك وكأنه يمت بصلة بالتمثيل الذي تعرفه فعلًا؟

اسأل أحد أجدادك أن يخبرك بنكتة قديمة، استمع إلى نكاتهم وتأمل.. هل تبدو لك هذه النكات قادمة من نفس العالم الذي أتت منه كوميديا جيلنا نحن؟ الميمز والكوميكس والردود اللاذعة على السوشيال ميديا. هل سيفهمها جدك وهل سوف يضحك عليها إن فهمها؟
هل الحب الذي في أفلام (ماجدة) و(فاتن حمامة) هو ذات الحب الذي تراه في أفلام اليوم؟ بل هل هو ذات الحب الذي تراه في الجامعات؟
هل تفحصت رواية الحرب والسلم لتولستوي أو الحب في زمن الكوليرا لماركيز؟ هل تبدو لك أحداث الرواية بالغة البطء والطريقة التي يصف بها الكاتب ذروة حكايته شبيهة بالروايات المعاصرة وهل تبدو هذه وتلك شبيهة بروايات ديكنز أو مسرحيات شكسبير؟
هل نتقمص الأدوار أو نتصنع أم أننا نتحول وتتغير طريقة إثارة مشاعرنا مع الوقت؟ بالجمهور المحيط والوسائل السائدة واعتياد كل ما يطرق ذهنك وسمعك وبصرك من المؤثرات؟
هل تظن أنك عفيّ حقًا وعصيّ عن التأثر بالمؤثرات؟ ماذا عن نسختك التي هجرتها منذ خمس سنين إلى نسختك الحالية، طريقة كلامك التي تشبه بشكل كبير جدًا طريقة كلام صديقك المفضل، لهجتك التي تتشابه مع لهجة كل أهل مدينتك، أو طريقة تفكيرك التي تغيرت تمامًا بعد قراءة بضعة كتب؟

أريدك أن تقوم بشيء آخر.. انظر إلى الكتب التي تتناول الشبهات ضد الإسلام والتي كتبها المتقدمون، عم كانت تتحدث؟ شبهة النسخ، الخلاف في الإمامة، القدر… إلخ.
هل ستجد فيها من يتحدث عن شبهة (الحجاب)، (الجهاد)، (الحدود)، (ملك اليمين) أو تحريم الشذوذ الجنسي؟
هل كانت هذه الشبهات سائدة بينهم فأهملوها أم لم يثرها وسطهم الزنادقة لأن حتى المشككين في الإسلام لم تكن تتعارض قافتهم السائدة مع هذه الأشياء؟

أو افعل شيئًا آخر.. انظر في كتب الفلاسفة الغربيين ما قبل عصر الحداثة وأنسنة الوجود. هل تجد على سبيل المثال أن قيم الحريات الشخصية والتسامح (كما تشرحها لنا الليبرالية الحديثة) تملك زمام الأمور هناك في تلك الكتب القديمة؟ أم هناك أمور أخرى وقيم مغايرة؟ وهل تبدو لك قيم الملكية والسيادة والتفاضل بين الأجناس مقبولة الآن وسط أي مفكر.. هل هذا يعني أن هذه بالضرورة أفضل من تلك؟ لا يشترط أن يعني هذا أي تفاضل، لا يعني إلا أننا باختصار في زمن آخر وعصر مختلف!
أم أنك تفكر أننا في اتجاه ثابت من التخلف للتقدم، ومن النور للظلام، وبالضرورة زمننا أفضل من غيرنا؟ حينها دعني أذكرك أن أكمل الفلسفة كان في يونان القديمة، وأجمل الفن صنعته إيطاليا في القرون الوسطى، وأقوى الإمبراطوريات فنت منذ آلاف السنين..

هل سيثبت الزمان على ما نحن عليه؟ هل وصلنا إلى نهاية التاريخ وذروة البشرية؟
عزيزي، منذ بداية البشرية وهم يظنون أنهم قد وصلوا إلى نهايتها! لسنا مميزين عن من سبقونا ولا من سيتلوننا، سيأتي الجميع ويؤثرون في غيرهم ويتأثرون ثم يرحلون، ليأتي زمان آخر، بفكر آخر، وقيم أخرى، وشبهات مغايرة، وطريقة مختلفة في الفن والتعبير والتمثيل والضحك والبكاء والحب.
وإن كان أحدنا حين ينغمس في كل هذا التأثير الجماهيري والعقل الجمعي التراكمي ينسى أن هذا لا يعني الحقيقة المطلقة،

لا تحكم على الإسلام بمنظور زمنك المؤقت.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى