سياسة وتاريخ

زرع الأمس حصاد اليوم

وقف نتانياهو منتفخاً كالطاووس، منتشياً كقائد انتصر في معركة حاسمة؛ ليعلن أمام أنصاره أن إسرائيل بصدد إقامة علاقات مع جميع الدول العربية باستثناء ثلاث، كما بشر مؤيديه أنه شكل لجنة لوضع تصورات واتخاذ إجراءات ملموسة حول شكل العلاقات الدبلوماسية بين السودان وتل أبيب، على خلفية لقائه منذ أسبوعين برئيس السودان الجبري عبد الفتاح البرهان في أوغندا.

قدم البرهان بادرة حسن نية بالسماح للطائرات الإسرائيلية بعبور أجواء بلاده خلال رحلاتها الأفريقية، في تحدٍ وتبجحٍ غير مسبوقين من نظام عربي لا تربطه علاقات سياسية بإسرائيل؛ معللاً خيانته تلك بأن للسودان مصالح ستتحقق من خلال علاقاته المستقبلية بالكيان الغاصب، مؤكداً أن الشعب يوافقه الرأي بعدما جاءته الإشارة من السماء عقب استخارته بأن يمضي قدماً في علاقته الحرام مع الدولة العبرية.

للسودان أهمية سياسية وجغرافية واقتصادية بالنسبة لإسرائيل منذ قيامها بل وربما قبل ذلك؛ فهو بوابة الدخول لمنابع النيل في أفريقيا، علاوة على موقعه العام على البحر الأحمر المقابل للسعودية واليمن في الشطر الآسيوي من الوطن العربي، علاوة على حاجة السودان لأسلحة متطورة تتفوق إسرائيل على محيطها العربي في إنتاجها، بما يعني أن وجود علاقات بين تل أبيب والخرطوم سيكسر عزلة إسرائيل السياسية، ويوفر لها موطئ قدم قرب مضيق باب المندب الاستراتيجي، ويفتح سوقاً جديداً لبيع السلاح في أفريقيا والعالم.

أما عن تواجد الصهاينة في هذا البلد العربي الهام، فيعود لعهد الحرب المستعرة بين الشمال والجنوب عقب استقلال السودان، فقد كانت حكومة بن جوريون المزود الأهم لجيش جنوب السودان بالسلاح خلال صراعه مع حكومة الخرطوم على الأرض والموارد، واستمرت العلاقات متينة بين الجانبين حتى انفصل جنوب السودان وصار دولة مستقلة، لتسارع إسرائيل بإنشاء سفارة على أراضيه، وتنفذ مشروعات على النيل في مقابل وصول مياه النيل إلى أراضيها.

أما عن علاقة تل أبيب بنظام الخرطوم، فقد بدأت كما باقي الأنظمة العربية سراً في عهد حاكم انقلابي هو جعفر نميري أوائل 1985، عندما التقى الرئيس السوداني بوزير الإسكان وقتها أرئيل شارون في منزل تاجر السلاح السعودي عدنان خاشقجي بكينيا، ووافق النميري من حيث المبدأ على السماح بتهريب عشرين ألف من يهود الفلاشا الإثيوبيين إلى إسرائيل، ووضعت واشنطن اللمسات الأخيرة على الصفقة ومنحت نميري ستين مليون دولار لإتمام الصفقة.

لكن مع وصول عمر البشير للسلطة، أضحى التوتر بل والتدخل العسكري المنتهك لسيادة الخرطوم هو السمة الغالبة على العلاقات السودانية-الإسرائيلية، خاصة مع علاقات نظام البشير القوية بحركة حماس، ما دفع إسرائيل لقصف السودان أكثر من مرة بزعم تهريبه أسلحة لقطاع غزة، ومن ناحية أخرى للعلاقة الودية بين إيران والنظام الحاكم.

لكن الأمور تبدلت على نحو مؤسف مع تولي المجلس العسكري زمام السلطة في وادي النيل الجنوبي، فقد التقى البرهان بأوامر من داعميه في الإمارات والسعودية مسئولين إسرائيليين لحل الخلافات على إدارة الموانئ السودانية مع أبو ظبي، وأخيراً قرر البرهان دفع الثمن مقدماً للمكوث حتى الممات على عرش البلاد وهو قرير العين أنه باق ما بقى الصهاينة راضين عنه.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق