مدونات

رومانسية الشاي!

تصف زوجتي دائما “الشاي” الذي أقوم بإعداده بأنه “ماسخ” ولا طعم له، وعلى حسب ما تقول فإن كوب الشاي، مثله مثل الطعام، لابد وأن يكون فيه “نَفَسْ”، وأن يُصنع بحب (..)، وهو شيء لا أفهمه تماماً، فما الذي يحتاجه المرء في المطلق، لصنع “كوباية شاي”؟ إنها مجرد مقادير معينة ومضبوطة من الماء والسكر والشاي يتم وضعها معا وينتهي الأمر، ولا يختلف عندي “الطعم” سواء شربته في البيت أو في أي مكان آخر، اللهم إلاّ نوع الشاي ودرجة جودته، وكذلك الماء المستَخدم في إعداده!

وينطبق الأمر على القهوة، فصديق عمري مقتنع تمام الاقتناع أنه لا يوجد على ظهر الكرة الأرضية من يستطيع إعداد فنجان منها مثله، لكني لم ألحظ فرقاً كبيراً بين القهوة التي يصنعها وبين أية قهوة أخرى شربتها في أي مكان آخر!

عندما كنت صغيراً كان أكثر وقت أكرهه هو وقت إعداد الشاي بعد تناول الوجبات، كان الأمر يستغرق ما بين 15 و 30 دقيقة، وهو وقت طويل جداً، خصوصاً وأنه لم يكن مسموحاً لنا، كأطفال، شُرب الشاي في “الدور الأول”، بل كان علينا انتظار “الدور الثاني”، فالأول للكبار والثاني للصغار، وهو شيء لم أفهمه أبدا، فما هو الفرق الكبير بين “الدورين”!؟ فضلاً عن الوقت الضائع والثمين بالنسبة لطفل، وهكذا كنت أكره الشاي، حتى سمعت أحد أقاربي يوماً يقول بأن ذلك الوقت الذي يستغرقه إعداد الشاي هو أكثر الأوقات “رومانسية” في حياة أي عائلة مصرية(..) وبقليل من التفكير والتأمل وجدتني أوافقه تماماً، فالنصف ساعة التي يجتمع فيها كل، أو غالبية، أفراد العائلة في انتظار الشاي، تعتبر من أهم اللحظات التي يمكن أن تعيشها أسرة مصرية عادية، ويحلو فيها الكلام سواء استعادة الذكريات أو مناقشة الأمور العائلية فيما هو قادم، مع أن المصريين يشربون الشاي طول الوقت وفي أي مكان، فهو مشروبهم المُفضل والأثير بما يتوافق مع إمكانياتهم المادية، خصوصاً وأن غالبيتهم يحصلون عليه مُدعما عن طريق بطاقات التموين التي تقدمها الحكومة شهرياً، بعكس القهوة التي لا يعرفها، أو لا يحبها، المصريون بصفة عامة، وترتبط في أذهانهم دائماً بمستوى دخل مادي وطرق معيشية معينة، أو هكذا يتصورون!

منذ سنوات قرأت مقالاً عن تاريخ “القهوة”، وهذا الأسبوع قرأت كتاباً عن “الشاي”. بصفة شخصية يستهويني هذا النوع من الكتابة، ليس باعتباره نوعا “خفيفا” أو “مسليا” أو حتى “رومانسيا”؛ وإنما لأنه يعرض التاريخ البشري من زوايا ورؤى أخرى مختلفة، ثم إنه يكشف عن خفايا وخلفيات أشياء اعتدنا على التعامل معها وتناولها كمسلّمات وبديهيات.

المقال كان بعنوان “التفسير القهوجي للتاريخ” للكاتبة “هديل غنيم”، نُشر في عدد فبراير 2003  في مجلة “الكتب: وجهات نظر”، ويعرض تاريخ القهوة من خلال ثلاثة كتب اعتبر مؤلفوها أن القهوة أكبر وأخطر من مجرد مشروب عادي يشربه الناس، وينحصر اهتمامهم به في مجرد فوائده أو أضراره الصحية، وأما الكتاب فهو “الشاي: ثقافات، طقوس، حكايات” للكاتب الألماني “كريستوف بيترز” الصادر عن دار العربي للنشر والتوزيع في مصر 2018، بترجمة د. سمر منير، وفيه نرى الشغف الشخصي للمؤلف الغير طبيعي الذي سيطر عليه، منذ أن كان صبياً، بمشروب الشاي، ودفعه لتجريب أنواع كثيرة ومتنوعة منه، ثم بحثه المستمر عن أفضل الطرق لصناعته، وتجواله بين الثقافات المختلفة ورصده لتاريخ المشروب نفسه.

في أحد الكتب التي يعرضها المقال المذكور، وهو كتاب “القهوة: القوة المحركة في التاريخ”، يقول مؤلفه “ستيوارت لي آلان” أنه قرأ في كتاب للمؤرخ الفرنسي، چون ميشليه، الذي عاش وكتب في القرن التاسع عشر، فقرة تقول بأنه من ضمن “أسباب تفجر الإبداع الباهر في أوروبا، في عصر التنوير، كان سبب مجيء القهوة إليها، التي خلقت عادات جديدة، وغيّرت المزاج البشري”. في البداية اعتبر “آلان” تلك الجملة بالغة الرومانسية تليق بكاتب ومؤرخ فرنسي “يرى أن ميلاد حضارة يرجع إلى فنجان من الاسبرسو”، لكن تلك الجملة -على رومانسيتها- كانت سبباً ودافعاً له أن يبحث بجدية وبعمق في تاريخ القهوة، وكانت النتيجة كتابه المذكور، الذي خلُص إلى نفس ما قاله ذلك الفرنسي “الرومانسي” قبل قرنين!

ومع أن كتاب كريستوف بيترز يعدُ ذاتياً وشخصياً بأكثر من كونه بحثاً تاريخياً، إلاّ أنه، بشكل أو بآخر، يصل إلى نفس النتيجة، فالقهوة والشاي، بأنواعهما المختلفة، لعبا على حد السواء دوراً كبيراً في حياة الإنسان الأوروبي، وكان لهما تأثير ملحوظ في ثقافته وسلوكه اليومي بشكل عام.

لا يوجد تاريخ محدد أو موّثق لظهور واكتشاف القهوة والشاي، بل هناك حكايات شبه أسطورية، تُرجع الأمر إلى المصادفات البحتة، سواء في إثيوبيا حين لاحظ أحد الصوفيين أن نشاطاً غريباً ينتاب “معزته” كلما أكلت نباتاً معيناً فقرر تجربته، واكتشف أن ذلك النبات يساعده على الاستيقاظ طول الليل، وكذلك في شمال الهند حين سقطت بعض أرواق شجرة غريبة في إناء أحد الرهبان البوذيبن صدفة واكتشف، هو أيضا، تأثيرها الكبير على نشاطه العقلي والجسدي.

ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن انتشرت وتوسعت صناعة القهوة والشاي، وتنوعت أنواعهما وطرق إعدادهما بكل الطرق والأساليب، التي تحاول إرضاء أذواق البشر على الكرة الأرضية، وكذلك أصبحا محل دراسات علمية واجتماعية وثقافية وسياسية (بل وحتى دينية في وقت سابق) تحاول أن ترصد مدى تأثيرهما على سلوكيات الناس سواء بالسلب أو بالإيجاب، وربما أن كثيرين لا يهتمون بكل تلك الدراسات بشكلٍ عام ولا يلتفون إليها، لأنهم يفعلون ما يحلو لهم ويحبونه، تماماً كما لا أهتم برأي زوجتي في الشاي الذي أقوم بإعداده!

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

 
الوسوم

طاهر عبد الرحمن

أقرأ التاريخ لأفهم المستقبل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق