أسلوب حياة

كيف تنقذ شخصا مقبلا على الانتحار؟

يستاء البعض من تشدد بعض العلماء في عقوبة المنتحر؛ وقد وقفت كثيرًا أمام هذا التشدد والذي من شأنه أن يقلل حالات الانتحار خوفًا من الحكم الشرعي المبالغ فيه من هؤلاء المتشددين، وربما قد قلل بالفعل وخاف البعض من الإقدام على الانتحار، ولكن العجيب أن كثيرًا من المنتحرين يعلمون كبر معصية وجُرم الانتحار، ولكنهم ينتحرون وهذا بلا شك إذا كانوا مؤمنين بوجود الله وبالشرائع السماوية، فإن الحكم والتخويف لم يردعهم حتمًا لوجود أسباب أقوى منهم دفعتهم للانتحار.

فما هو معنى الانتحار؟ وما أسبابه ودوافعه؟ وهل له بوادر وعلامات؟ وكيف ننقذ المقبل على الانتحار من فعل ذلك؟

1- معنى الانتحار:

من يتأمل معنى الانتحار يرى أنه اسم أو صفة للفعل نحر وفيه إشارة للذبح من الرقبة، وأرى أن الصفة المناسبة للواقع وكما جاءت بها الأديان هي قتل النفس، لأن قتل النفس قد يكون بالسم أو بإلقاء النفس من ارتفاع أو بغير ذلك، وليس شرطًا أن تكون بنحر الرقبة، ولكن هذا المصطلح شاع على من يقوم بالتخلص من حياته، أو بمعنى آخر فالانتحار هو قيام الشخص بإنهاء حياته بنفسه.

2 أسباب الانتحار أو قتل النفس:

من غير المنطقي أن نحصر أسباب ودوافع قتل النفس في سبب واحد وهو مثلًا ضعف التدين؛ فهناك أسباب كثيرة جدًا تدفع الشخص لقتل نفسه منها:

1- تعرض الشخص للتنمر بسبب شيء حدث بإرادته أو خارج عن إرادته من زميل أو مدير أو من أي شخص آخر في البيت أو العمل أو حتى الشارع، وأيضًا على مواقع التواصل الاجتماعي.

2 – الضغوط النفسية من أحد أفراد العائلة بسبب المعاملة السيئة والظلم من الأب أو زوجة الأب أو غيرهما، وليس شرطًا أن تكون الضغوط حقيقية بل قد تكون مجرد تخيلات نتيجة الضغط من أجل المصلحة والمستقبل من وجهة نظر الشخص الضاغط.

3 – الشعور بالوحدة والعزلة والاعتقاد بأن الحياة أصبحت لا قيمة لها، وقد يكون الشعور بالوحدة نتيجة فراق المحبوب.

4 – نتيجة المرض الميؤوس من شفائه، وشعور الشخص المريض بأنه أصبح عالة على غيره والمجتمع؛ فيقوم بالتخلص من حياته.

5 – قد يكون قتل النفس نتيجة الرفاهية الزائدة جدًا والشعور بالملل، وأنه مجرد مستهلك أو أن ليس له قيمة أو دور يؤديه.

6 – قد يُقدم بعض الأشخاص على قتل النفس بسبب ارتكاب خطيئة ينكرها المجتمع كالسرقة أو الزنا؛ فيضطر الشخص المذنب إلى قتل نفسه خوفًا من الفضيحة.

7 – قد يكون الخوف من المستقبل وخاصة على الأولاد نتيجة عدم تأمين مستقبلهم أو نتيجة وجود خلافات أسرية على حضانة ورؤية الأطفال؛ فيحدث قتل جماعي للنفس فتقوم الأم أو الأب بالانتحار ومعه الأولاد حتى يستريحوا من العناء من وجهة نظرهما.

8 – أخيرًا السبب الذي يراه بعض علماء الدين وهو الشك في وجود الله أو التوصل إلى عدم وجود ثواب وعقاب، أو أن يرى الشخص أن الإلحاد هو الحقيقة فيُقدم على قتل نفسه اختصارًا للوقت.

3- علامات وبوادر الإقدام على الانتحار أو قتل النفس:

ليس شرطًا وحصرًا أن تنتاب المُقدم على الانتحار أو قاتل نفسه علامات الإحباط والاكتئاب والحزن والعزلة عن الناس، بل قد يكون المقبل على الانتحار يقظًا ونشطًا بأنه سوف يستريح ويريح غيره؛ فنراه يذهب بهمة ونشاط ليتخلص من حياته ولا تظهر عليه إلا علامات يسيرة من علامات الاكتئاب، وليس شرطًا أن يكون بينه وبين الطبيب النفسي قطيعة، بل قد يكون من زائري الطبيب النفسي لسنوات!

من يتعجب من ذلك عليه فقط متابعة حالات كثيرة من الانتحار أو قتل النفس التي حدثت مؤخرًا؛ فالعلامات والبوادر ليست محددة، بل هناك من يريد قتل نفسه فيعلن ذلك ويتحدث كثيرًا عن الموت وعن ضرورة وأهمية الخلاص من الحياة، وقد لا يتحدث ويلتزم الصمت، فالعلامات ما ذكرناه وقد تكون عكسها، ويمكن ألا تكون علامة الإقدام على قتل النفس ظاهرة، بل مخفية في نفس الشخص؛ وهذا يتوقف على درجة حرصه ودهائه أو على انطوائيته وكتمه لأسراره.

4- كيف ننقذ المقبل على الانتحار أو قاتل نفسه؟

يمكن المساعدة في تقليل قتل الإنسان لنفسه وليس القضاء على الأمر نهائيًا، وهذا من باب الواقعية والصراحة، وهذا يمكن بعدة طرق عملية ومتاحة ومنها:

1 – تحصين الأطفال منذ الصغر على مواجهة الصعاب وعدم الضعف أمام المؤثرات الاجتماعية من ظلم الآخرين وقسوتهم، وكيفية التعلم على مواجهة الوحدة والعزلة إن حدثت.

2 – سن وتفعيل قوانين محاربة التنمر والظلم النفسي وخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي.

3 – تشجيع الطب النفسي وبذل الكثير من الجهد لتغيير النظرة له، وأن الإنسان الذي يعاني من مشاكل واضطرابات نفسية ليس مجنونًا أو منبوذًا، مع دعم العلاج النفسي وتوفيره لغير القادرين.

4 – الاهتمام بالترابط الأسرى والتوعية الجادة بالعدل واحتواء الآخر ورعايته واحترامه وخاصة للصغار بأن يهتموا بذلك مستقبلًا مع أطفالهم.

5 – تشجيع الفضفضة مع المرضى النفسيين، وتخصيص كثير من المواقع والصحف والقنوات (علنًا لمن يريد) متخصصين في التعامل مع المشكلات الاجتماعية.

6 – بث روح الطموح لدى الشباب وإعلامهم بأن المستقبل في انتظارهم مهما كانت إمكانياتهم أو أخطائهم، مع التذكير والتنبيه على مزايا امتداد الأثر بالعمل الصالح والنافع للمجتمع وللبشرية.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

محمد حبيب

باحث درعمي متخصص في تعديل السلوكيات المتطرفة باستخدام مهارات التنمية البشرية وعلم النفس
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق