سياسة وتاريخ

روح الله الخميني بين التقديس والتدنيس.. فمن هو؟

 

يعتبر روح الله الخميني أحد أبرز الشخصيات في التاريخ الإيراني المعاصر إن لم يكن أبرزها سياسياً وإجتماعياً على حداً سواء وهو الذي صنف كأهم رجل في العالم عام 1979 وفقاً لمقالة لمجلة التايم الأمريكية الشهيرة.

ولكن اللافت في الأمر هو ما صادفته أثناء بحثي هذا من تضارب كبير في الأقوال ومبالغات عظيمة في القدح تارة والمدح تارة وتضاربت الأحاديث بين مؤيد يقدس شخصه البشري ومعارض يلعن إنسانيته وينكره عن بني البشر بل وصفه البعض بإبليس العصر الذي بدل على الناس دينهم وطغت بصمة المذهبية على الكتب العلمية وظهر الكره الشديد والحنق على من خالفهم في الأفكار. وامتدت نيران المذهبية تنهش في نسيج وحدة الدول الإسلامية وسيطرة مشروع المد الشيعي على العراق ولبنان وسوريا واليمن وغيرها من الدول المستهدفة في مشروع النهضة الصفوي الجديد.

وفي ظل سخونة الأحداث كان لابد من أن ينعكس جزء منها على الأطر السياسية والاقتصادية، ولكن ما ذهلني أن يصل الصراع إلى أقلام المؤرخين والباحثين وأستاذة الجامعات والتي طغت في معظم الأحيان على الهدف الرئيسي من العمل العلمي والمُنتج الحضاري الذي يساعد على بناء المستقبل ويحث على الفهم العميق لثناية الأحداث التاريخية بل على العكس تماماً أصبح الغرض الأساسي هو كسب أرضية جديدة في هذا الحرب الفكرية بين الأطراف المتنازعة على جثة إمبراطورية هامدة حكمت العالم في إحدى الأيام وأصر الكثير منهم على نقل الصراع إلى ثنايا الكتب وحبر الأقلام وإن كان هذا على حساب أجيال المستقبل وعلى حسب قيمة العلم العلية.

تمحورت حياة روح الله موسوي الخميني على جوانب عدة يمكن حصر معظم هذه الجوانب في ثلاث محاور رئيسية:

النشأة والحياة الأسرية والخلفية العلمية 
يرجع نسب الخميني إلى مدينة ” خُمين” التي ولد بها بعد أن استقرت أسرته فيها بعد ما هاجروا من الهند إلى النجف ومنها إلى إيران فيعود مسقط رأس هذه الأسرة إلى قرية ” كنترو” شمال الهند وكان جده أحمد موسوى الهندي أحد علماء الشيعة المشهورين في عصره فولد روح الله الخميني في 1320 هجرياً بالتحديد يوم 21 سبتمبر 1902 وهو روح الله بن مصطفى بن أحمد موسوى ويعد الخميني أحد أصحاب العمامات السوداء حيث يرجع البعض نسب الخميني إلى الأمام السابع عند الشيعة الجعفرية الاثنى عشرية الإمام موسى الكاظم.

قُتل السيد مصطفى موسوي – على يد جماعة من قطاع الطرق – والد الخميني وهو في أشهر الست الأولى ليتربى بعد ذلك على يد السيدة ( هاجر ) والدته وتحت رعاية السيدة ( صاحبه خانم ) أخت السيد مصطفى موسوي والتي تأثر بها الخميني في صغره تأثراً شديداً حيث لقنته منذ نعومة أظافره الأفكار الشيعية والقضية المظلمية التي تتبناها الأمة الشيعية.

تلقى تعليمه الأول في مسقط رأسه في مدينة خمين تحت رعاية السيدتين حتى بلغ الخامسة عشر من عمره وكان قد فقد كلاهما وظل بعدها أربعة أعوام عاكلفاً على مقدمات العلوم الأساسية فتلقى في هذه الفترة اللغة العربية والمنطق والفقه والأصول حتى وصل إلى عامه التاسع عشر حيث أثر الرحيل عن مسقط رأسه.

وفي مطلع العام 1339 هجري 1921 ميلادي التحق الخميني بالحوزة العلمية في مدينة أراك وظل فيها لعام ثم رحل منها لكي يستفيض في دراسة العلوم الفقهية الشيعية في مدينة قم لما لها من مكانه كبيرة علمياً وعقائدياً بين عموم الشيعة وأهتم الخميني بتلقي العلوم الأساسية والهامة مثل الرياضيات والهيئة والفلسفة وأهتم أيضاً الخميني بتلقي العلوم الشرعية وحرص على المشاركة في دروس الأخلاق والعرفان النظري والعملي على يد ( آية الله ميرزا محمد علي شاه آبادي).
روح الله الخميني
بدأ الخميني في التدريس وهو في السابعة والعشرين من عمره بعد سبع سنوات من سفره إلى قم ودرّس بحوث الفلسفة الإسلامية وأصول الفقه الشيعي والأخلاق ومنذ بداية حياته كأحد رجالات الحوزة العلمية لقم بدأ تحميل الغرب مسؤولية سوء أحوال البلاد وتبنا موقف معادياً للعلمانية وناهض الكثير من الأفكار التي كانت رائجة في عصره وخصيصاً الشيوعية الماركسية التي كانت تعتبر أكبر القوى الفكرية المؤثرة في المنطقة بأسرها والتي استفحلت في البلاد عن طريق الذراع السياسي المتمثل في حزب ” توده ” المدعوم من الاتحاد السوفيتي وصاحب التأثير القوي على الشارع الإيراني.روح الله الخميني

وفي مطلع العام 1929 عقد قران روح الله الخميني على إبنة ” آية الله الحاج ميرزا محمد الثقفي الطهراني ” وهي السيدة خديجة ثقفي وأنجب منها سبعة أبناء ثلاثة ذكور وأربعة إناث وهم (مصطفى – أحمد – علي – صديقة – فريدة – سعيدة – لطيفة). كان لولده آية الله مصطفى الخميني دور بارز في تحريك الأحداث وتمحور هذا الدور في تجميع قوى المعارضة للسياسات الپهلوية التي جعلت الكلمة الأولى في في السياسة الإيرانية تخرج من لندن وواشنطن وتنفذ في طهران، وكان دوره هو التنسيق بين هذه القوى المعارضة على مختلف انتمائها من القوميين والشيوعيين والوطنيين والإسلاميين بتمثلهم الأكبر دخل الحوزة العلمية لقم وتأجيج الشارع ضد الشاه ونقل الأخبار والمساعدة في تنظيم عمليات طباعة الصحف المعارضة والممنوع وطباعة المنشورات فكان حلقة الوصل بين المراجع الشيعية وقادة الأحزاب.

روح الله الخميني

حيث إن هذه الكتلة المعارضة كانت تعمل في تناغم واضح ومثلت خطراً حقيقياً على المصالح الأجنبية في إيران وعلى نظام الشاه محمد رضا پهلوي ولكن هذه الكتلة إفتقرت إلى هذا التناغم عقب الإنقلاب على حكومة مصدق الوطنية على خلفية تنفيذ عملية أجاكس التي كانت ذريعة للفتنة بين أطياف الشعب المتحد وكان ثاني من ألقى خطبة مباركة الإنقلاب هو شريك مصدق الاستراتيجي لسنوات والذي خان حليفه بل وكفره والتكفير هو سلاح رجال الدين في إيران الذي لا ينضب عقب تدخل كيرمت روزفلت في إنجاح هذه العملية وهو ” آيه الله كاشاني “.

 

روح الله الخميني

آيه الله كاشاني برفقة رئيس وزراء إيران محمد مصدق

وفي فترة المنفى برز دور مصطفى الخميني بقوة أكبر حيث كان هو المسؤول عن إرسال وإنتاج الشرائط المسجلة الصوتية الخميني التي كان يلقي فيها خطب تحريضية ضد الشاه ويتحدث فيها عن علاقات مشبوهة بالولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل .

قامت القوات الحكومية بإلقاء القبض على آيه الله مصطفى الخميني وبعد احتجازه والفراغ من التحقيق معه تم إطلاق سراحه ونفيه على نفس طريق والده إلى تركيا ومنها إلى العراق ولكنه لم يصل مثل أبيه إلى عاصمة الأضواء.

في 23 من أكتوبر عام 1977 في مدينة النجف في العراق أُعلن عن وفاة نجل الخميني السيد مصطفى في ظروف غامضة خاصة وأنه كان في ذلك الوقت محتجز في في قسم للشرطة وذكرت بعض المصادر أن جهاز الشرطة السرية وجهاز السافاك كانا حضرين للتحقيق معه وأن السبب الرئيسي لوفاته هو تحت وطأة التعذيب الوحشي لهذه الأجهزة التي كانت تلقي بالناس أحياء في بحيرة ساوه وتولى دفة توجيه المعارضة المذهبية بعد واقعة الوفاة الغامضة لمصطفى الخميني أخوه السيد أحمد الخميني والذي توفى متأثراً بأزمة قلبية في عام 1995، أما علي الخميني توفي وهو إبن الأربعة اعوام كما توفيت سعيدة ولطيفة في طفولتهم.

وتزوجت فريدة بالدكتور البروجردي وصديقه بآية الله اشراقي وبعد هذا الحد لم يكن لأسرة الخميني دور فعال في السياسة الثيوقراطية التي انتهجتها الحكومة الإيرانية بعد الثورة بل وصل وصف البعض إلى حد الإقصاء بعد وفاة أحمد الخميني الذي كان ذراعه اليمنى في سنوات الثورة الأولى في دولة اعتمدت على عقيدة ولاية الفقيه في بناء دستورها والتي أعد الخميني أحياء هذه العقيدة من طيات الكتب المنسية منذ قرون وبلورها وجهزها لتناسب حكم جماعته أثرت الدولة أن لا تخرج الخميني أو أسرته من إطار الرمزية لا أكثر.

روح الله الخميني

فترة الصراع مع النظام الشاهنشاهي قبل وبعد المنفى 

في عام 1943 وأثناء تأليف كتاب ” كشف الأسرار ” للخميني بدأت أولى مراحل الصدام الفعلي مع السلطة حيث انتقد فيه مؤسس الدولة الپهلوية ” رضاه شاه پهلوي ” وصفاً سياساته بالهادمة للقيم الإسلامية واستعرض فيه العنف الذي مارسه ضد الحوزة العلمية ورجال الدين ونشره لمظاهر التغريب حيث كان رضا شاه معجب بالعسكرية الألمانية وكان رضا شاه ذي خلفية عسكرية فلم يكن بطبيعة الحال يعير اهتمام للقوى المدنية بل انصب تركيزه على إخماد القلاقل التي فتكت بعضد الدولة وشوهت النسيج الاجتماعي للمجتمع الإيراني الذي هو هش في الأساس وركز على محاولة بناء دولة من الصفر وإيقاف فكرة الإنفصال التي تبنتها الجماعات العرقية المختلفة كالأكراد والتركمان على سبيل المثال لا الحصر وخصيصاً في المناطق النائية شمال البلاد .

وفي نفس الفترة قدم الخميني نقدا لاذعا للمثقفين وأصحاب الأفكار المختلفة واليساريين ووصفهم بالملاحدة وهاجم الأفكار الغربية التي انتشرت في المجتمع والشيوعية وغيرها من المختلفين.

وأردف في كتابه عن تصوره عن الدولة الإسلامية ووجوب إقامتها ونظرية ولاية الفقيه التي تخالف أساس العقيدة الشيعية. وهنا أقام الخميني فكره على غرار التلمود اليهودي الذي اتخذ منه الحاخامات اليهود أساساً لمخالفة تعاليم اليهودية في قيام دولة لهم في عصر الشتات وقبل ظهور مسيحهم المنتظر بمخالفة واضحة لتعاليم العهد القديم وأن الخميني سار على نهج مشابه لليهود لإقامة دولة للشيعة في عصر الغيبة المشابه لعصر الشتات لينتهج فكر صهيوني شيعي جديد وهو يسير على خطى هيرتزل ليعلن عن قيام دولة إسرائيل الشيعية.

بعد أن وافق الشاه على مشروع لائحة مجالس الأقاليم والمدن في عام 1962 والتي نصت على حذف شرط إسلام المرشحين واستبدال القسم على القرآن الكريم هذا الأمر الذي أثار حفيظة الحوزة العلمية وعلماء الدين لما له من حساسية خاصة في المجتمعات الريفية الذي كان هذا الأمر غريباً عليها، ظهر الخميني مواجهاً لقرار الشاه بل حرض في خطبه الساخطة على هذا القرار مشعلاً لمشاعر المسلمين ومداعباً لعواطفهم وقام بإرسال الخطابات المحركة للشارع الإيراني والتي كانت نتيجتها مظاهرات حاشدة في عدة مدن إيرانية على رأسها قم وطهران وإستمرت لعدة أيام انتهت بممارسة محمد رضا شاه عادته في التراجع عن قرارته وتم إلغاء اللائحة كأول انتصار للمعارضة الدينية في عهد الشاه.

روح الله الخميني

محمد رضا بهلوي شاه ايران

وفي عام 1963 هاجمت قوات الأمن المدرسة الفيضية في قم كأعتداء واضح على السلطة الدينية المقدسة منذ العهد الصفوي في إيران وتحول هذا الهجوم إلى مادة يتناولها الخميني في خطابته كلما أراد أن يحرك مشاعر علماء ومرتادي الحوزات في قم وكافة المدن.

روح الله الخميني

وفي 3 يونيو 1963 الموافق للعاشر من محرم 1383 ألقى الخميني خطبة حماسية واستغل ماله من قدرة عالية على الحديث وإشعال مشاعر الجموع واستغل أيضاً ما لهذا اليوم من قدسية عظيمة لدى الشيعة في ذكرى استشهاد الامام الحسين رضي الله عنه وتحدث فيها عن علاقات مشبوهة تجمع بين إسرائيل ومحمد رضا شاه والمصالح المشتركة بينهم وعقد مقارنة بين الخليفة الأموي يزيد بن معاوية و الشاه الإيراني، فكان لها صدى واسع في كافة البلاد وخرجت تظاهرات حاشدة في كلاً من قم وطهران وغيرها من المدن ضمت كافة أطياف المجتمع وقدرها البعض بمائة ألف وبالغ البعض الآخر بوصفها بعدة مائات من الآلاف لتمر من أمام قصر الشاه في العاصمة الإيرانية طهران تحمل هتافات ” مرگ بر شاه ” الموت للشاه .

قامت قوات الأمن بألقاء القبض على الخميني في الساعات الأولى من فجر اليوم التالي من منزله بقم وتم إرساله إلى طهران تحديا معسكر ” عشرات آباد ” لمباشرة التحقيقات معه بشأن هذه الخطبة ليتسرب بعدها خبر إلقاء القبض على الخميني إلى الشارع الإيراني الذي انتفض في واقعة أثرت في تاريخ إيران في يوم الخامس من يونيو بعد يوم واحد من القبض على الخميني خرجت مظاهرات حاشدة في جميع المدن الإيرانية تطالب بحرية الخميني والتي حدثت بينها وبين قوات الأمن أحداث عنف شديدة.

حدثت مواجهت في مدن طهران، قم، شيراز، مشهد، ووارمين وواجه الجيش المتظاهرين بالدبابات ورجال المظلات واطلقت قوات الأمن النار على المتظاهرين بهدف القتل وفي مدينة وارمين واجه القروين الحكومة واكتسبت هذه المدينة شهرة أثناء هذه الأحداث وفي طهران قامت الجماهير بمهاجمة مراكز الشرطة والوزارات ومكاتب السافاك وكان رد الفعل عنيفاً من كلا الطرفين ولكن الحكومة المركزية تفجأت بردة فعل الجماهير مما دفعها لإعلان الأحكام العرفية وفرض حظر التجوال من العاشرة مساء إلى الخامسة صباحاً وتفواتت أرقام الضحايا بين الآلاف وعشرات الآلاف، والقت قوات الأمن القبض على عدد كبير من ذوي الخلفيات السياسية وصل عددهم قرابة 300 شخصية بارزة وبالرغم من سيطرة قوات الأمن على الوضع إلا أن هذه الواقعة كان لها أثر كبير في الشارع الإيراني واعتبرها بعض المؤرخين أول مسمار يدق في نعش الشاه فتحول النزاع مع القوى الأجنبية وأصبح النزاع مع شخص الشاه نفسه وسميت هذه التظاهرات في الإعلام والكلاسيكيات التاريخية أحداث “15 خرداد ” .

روح الله الخميني

احداث 15 خرداد 

بعد ما لاقته تظاهرات” 15 خرداد ” من صدى واسع في الإعلام العالمي وضع الشاه ونظامه في حرج دولي وبالرغم من السيطرة على الوضع أطلق سراح الخميني وتم نفيه إلى خارج إيران وعدم السماح له بدخول أراضيها فأتجه الخميني إلى تركيا حيث قضى أحد عشر شهراً وفي 24 أكتوبر عام 1965 اتجه إلى العراق وتحديداً إلى النجف حيث يمكنه إستكمال مسيرته في الحوزة العلمية والتي وجد فيها أرضاً خصبة من الشيعة المتدينين الذين يسمعون له ولمنهجه الجديد في الحكومة الإسلامية في عصر غيبة الإمام و نظرية قيادة الأمة الشيعية بالفقيه العالم والمعروفة بنظرية ولاية الفقيه.

وهذا ما تحدث عنه الخميني طوال فترة المنفى عن تأسيس حكومة عقائدية ذات صوت واحد واللعب على وتيرة تسارع الأحداث بين الشاه والأحزاب اليسارية والقومية التي بدأت في سنوات الشاه الأخيرة تنفذ هجمات مسلحة في المناطق النائية والبعيدة عن الإمدادات كفدائين خلق الشيوعية ومجاهدي خلق و فدائيين اسلام الراديكالية الدينية.

واستمر في دعوته لضرورة إقامة حكومة إسلامية في إيران طيلة الثلاثة عشرة عام التي قضاها في النجف محملاً الحكومة الأمريكية وإسرائيل سبب الفساد المستشري في البلاد حتى أنتقل إلى الكويت بصحبة مرافقيه لكن الكويت بطلب من الشاه رفضت دخوله إلى أراضيها فطلب العودة للعراق وحسب رواية المؤيدين للخميني أن العراق رفض لكن يرى البعض الآخر أن العراق وافق على طلبه لكن رفض دخول اليزدي الذي كان يحمل جواز السفر الأمريكي في فترة مقاطعة اميريكية عراقية وفي نفس الوقت الذي كان الخميني يلعن فيه امريكا كان مرافقيه يحملون الجنسية الأمريكية.

وبعد رفض العراق لعودة الخميني تشاور مع ابنه أحمد الخميني وقرر الذهاب إلى فرنسا قبل أشهر قليلة من الإطاحة بنظام الشاه ففي يوم 2 أكتوبر عام 1978 استقر على الذهاب إلى فرنسا في اليوم التالي ونزل في منزل أحد الرعايا الإيرانيين في منطقة ” نوڤل لو شاتو ” في ضواحي العاصمة باريس مصطحبناً معه ابو الحسن بني صدر الذي أصبح أول رئيس لإيران.

قيام الثورة وتغير نظام الحكم 

على أعقاب وفاة نجل الخميني آيه الله مصطفى الخميني في أكتوبر 1977 وهذه الواقعة التي شابها شبها كبيرة حول وفاته متأثراً تحت وطأة التعذيب الأمر الذي حاول الإسلاميين في مدينة قم بلورته وتصدير الغضب للشارع الإيراني الذي كان يغلي في الأساس بسبب الظروف الصعبة التي يمر بها إقتصادياً بالرغم من مختلف مظاهر الترف التي ينعم بها البلاط الپهلوي إضافة إلى واقعة الحفل الذي أقيم احتفالاً بذكرى مرور 2500 عام على الإمبراطورية الإيرانية والتي وجه الشاه خطابه فيها إلى كورش الكبير مؤسس الامبراطورية الفارسية ” نم يا كورش الكبير فها أنا أحرس إيران ” في الوقت الذي كان فيه النظام الشاهنشاهي يلفظ أنفاسه الأخيرة.

في التاسع من يناير عام 1978 ورداً على مقالة نشرت لذم في شخص الخميني الذي أصبح بطلاً شعبياً منذ أحداث 15 خرداد لتنشب ثورة في مدينة قم قتل في أحداثها العشرات من طلاب الحوزات العلمية وتنهض مرة أخرى بعد أيام وتنتشر في وقت قياسي في المدن الإيرانية تحديداً قم، طهران، يزد، تبريز، شيراز، أصفهان، وجهرام.

وبالرغم من إعلان النظام للأحكام العرفية ومحاولة تكرار فرض السيطرة بالعنف والقمع ضد الجماهير الغاضبة إلا أن عوامل المعادلة بدأت تتغير خارجياً وبدأت الدول الغربية في سحب البساط من تحت أقدام الشاه، وصل الخميني والمقربين منه إلى إتفاق واضح مع الولايات المتحدة الأمريكية بعد عدة جلسات جمعت بين الخميني ورمزي كلارك وزير العدل الأسبق للولايات المتحدة اثناء تواجد الخميني في باريس كما تحدث العديد من رموز النظام الايراني الجديد مثل رفسنجاني وبهشتي وبازرگان وغيرهم من أفراد الزمرة الحاكمة علانية للإذاعة والصحف أن محادثات تمت بين الولايات المتحدة وبين رموز الثورة الإسلامية في إيران.

ليترك الحليف الأقوى لأمريكا في المنطقة يعاني السرطان والعزل والطرد والإذلال في خطبته التي ألقاها عقب عزل الحكومة وقادة السافاك على رئسهم الجنرال نصيري ليظهر في آخر أيامه بمظهر الضعيف وتعين شابور بختيار الذي كان له باع طويل في النضال الوطني حيث كان وزيراً في حكومة مصدق وقضى من عمره سنين داخل سجون النظام الايراني السابق والوعد بتحسين الأوضاع لإجتماعية وفرض مساحة واسعة لحرية التعبير و إخراج المعتقلين السياسيين وفي خطاب مهين للشاه الذي كان يصف الخميني – بدون التصريح بإسمه – بالكلب منذ أشهر قليلة تغير الوضع وانقلبت كفة الموازين الخارجية أصبح ضعيفاً بعد خسارة مرشح الحزب الجمهوري و فوز مرشح الحزب الديموقراطي بانتخابات الرئاسة الأمريكية ومعرفة الحزب المسبقة بمائات الملايين التي انفقها الشاه على حملة الحزب الجمهوري الإنتخابية ومع محاولة إثبات مزاعم الحزب الديموقراطي للجماهير الأمريكية حول سيعها للحريات أجبر الشاه على أن يغير جلده ويحاول أن يظهر بمظهر الإصلاحي الوسطي ولكنه فشل وظهر بمظهر الضعيف الخائف.

وفي 16 من يناير 1979 عقب إعلان الخميني مجلس قيادة الثورة ونية تشكيل حكومة جديدة للثورة ترك الشاه الأراضي الإيرانية للمرة الثانية هارباً بحجة المرض والعلاج وترك ثلاثة آمال معلقة للعودة إلى الوطن مرة أخرى وهي الرهان على نجاح شابور بختيار في السيطرة على الوضع والتفاوض مع المعارضة، والثاني هو جنرالات الجيش الأوفياء له أن يتدخلوا ويعيدوه إلى سدة الحكم مرة أخرى كما فعلوا مع حكومة مصدق، الثالث وهو التدخل الخارجي وخصوصاً الأمريكي لحليفها القديم في المنطقة في ظل وجود قرابة الخمسين ألف مستشار أمريكي كانوا يتقاضون مليارات الدولارات سنوياً وجيش قوامه 600 ألف مقاتل وعتاد عسكري يعد من الأقوى في المنطقة بأسرها.

وكان أول من ترك الشاه يسقط هو حليفه الأمريكي لعدة أسباب أهمها أن السرطان كان قد فتك بجسده وقرب أجله أصبح أمر واقع، وأن الشاه في سنواته الأخيرة بدأ يحاول الخروج ولو جزئياً من الوصاية الأمريكية التي فرضها على نفسه بالإضافة إلى وعود أنصار الثورة الإسلامية في إيران ببناء علاقات تعاون مع الولايات المتحدة.

مع فشل الجنرالات في الجيش الإيراني بمواجهة أمواج المعارضة الجارفة وفشل شابور بختيار في تهدئة الأوضاع ورفض الخميني الأصوات التي نادت لإفساح المجال لشابور بخيار من أجل محاولة تغير الأوضاع دون إسقاط أركان الدولة.

وفي أول أيام يناير بعد طلب الجماهير المحتشدة فتح المطارات وافقت الحكومة تحت ضغط الجموع ووصل الخميني إلى طهران بعد 14 عام قضاها في المنفى وهو على مشارف الثمانين من عمره وأعلن عن الحكومة الجديدة وسط الجموع التي استقلبه بكل حفاوة وتكريم كرمز للبطولة والوفاء بالعهد والتي قدرت بمليوني شخص وبالغت بعض المصادر بوصفهم من أربعة إلى ستة ملايين شخص ليعلن قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الخامس من يناير سنة 1979.

روح الله الخميني

وبعد مرور أكثر من أربعين عام على نجاح ثورة الخميني والتي ضحى من أجلها الشعب الإيراني بسنوات طويلة من الكفاح ضد الشاه والنظام الپهلوي ووضع أحلامه وآماله في شخص الخميني ليعيد لإيران مجدها القديم ومواردها المنهوبة فهل نجح في ذلك ؟!

 

 

المصادر العربية والمترجمة للعربية:

1 الإمام الخميني سيرة ومسيرة – اعداد مكتب الإمام الخامنئي سوريا – الطبعة الأولى ربيع ثاني 1427 حزيران 2006

2 كتاب ثورة الخميني الثورة البائسة دكتور موسى الموسوي

3 الثورة الإيرانية الجذور الايدلوجية – دكتور إبراهيم الدسوقي شتا طبعة 1988 القاهرة

4 الهوية الإيرانية – أستاذ دكتور يحيى داوود عباسي 2021 دار كتبنا الطبعة الأولى

5 الثورة الإيرانية في إيران الأسباب والمقدمات – صادق زيبا كلام

المصادر الفارسية:

ساواك – تقي تجاري راد – مكتبة اللغات الشرقية جامعة عين شمس

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

عمر المختار عباس

عمر المختار محمود طالب مصري في كلية الآداب بجامعة عين شمس بقسم اللغات الشرقية شعبة اللغة الفارسية وادبها متخصص في الدراسات الإيرانية المعاصرة
زر الذهاب إلى الأعلى