ثقافة وفنون

رواية يوم سلطانة، تجربة روائية عربية مثيرة

يميل معظم القراء – في هذه الأيام – إلى اقتناء الروايات والقصص أكثر عن غيرها من أشكال الأدب، وكما يقول البعض فإن الرواية ليست خيالًا محضًا ولا واقعًا مكتملًا، بل هي مزيج منهما، ومن الجميل أن يمتزج واقع الإنسان بشيء من الخيال والمتعة اللذين يجعلان نظرة الإنسان للحياة من حوله أبعد أفقا عن الوقوف أمام حواجز الحياة الواقعية ومشكلاتها التي لا تنتهي.
لهذا نجد أن رواية يوم سلطانة رحلة البحث عن الجذور من ضواحي موسكو إلى الكابيتول”، والتي صدرت حديثًا عن مؤسسة لبان للنشر والتوزيع، للكاتب/ معاذ بن خلفان الرقادي، أحد الأعمال الروائية العربية التي تستحق القراءة؛ لما فيها من التشويق والإثارة مما يجعلك لا تتوقف عن الغوص في أحداثها حتى النهاية، وهنا نلخص بعض الأسباب الدافعة لاختيار هذه الرواية:

الإبداع والإثارة

ما إن تبدأ في قراءة الصفحات الأولى  للرواية “يوم سلطانة” تشعر وكأنك تقرأ أحد أعمال غيوم ميسو أو دان براون؛ حيث يقودك الكاتب إلى أحداث تمتزج فيها كل التناقضات التي ستدرك بعد وقت قصير أنها مرتبطة جدا ببعضها، فما علاقة نيويورك بساحل أفريقيا الشرقي؟ وما علاقة بطلة الرواية بالكاتب الروسي “بوشكين”؟ وما علاقة رحلة السفينة سلطانة العربية بفتاة تعيش في ضواحي موسكو؟ كلها تساؤلات محيرة لكنها تتضح شيئا فشيئا حتى تصل إلى ذروة الأحداث التي استطاع فيها الكاتب نقل مشاعر وأحاسيس الشخصيات بشكل رائع.

 استلهام التاريخ

ما يميز رواية يوم سلطانة أنها تمزج بين الماضي والحاضر بانسجام تام ؛ حيث يستحضر فيها الكاتب الحادثة الشهيرة لرحلة السفينة سلطانة، وهي الرحلة التي حملت على متنها أول مبعوث عربي إلى الولايات المتحدة، في عدة مشاهد من الرواية يعيش فيها القارئ خضم الأحداث التي وقعت للبعثة العربية في مدينة نيويورك، إلى جانب ذلك فإنه يشير إلى في عدة مواضع إلى تاريخ الإمبراطورية العمانية التي حكمت أجزاء واسعة من البلدان المطلة على المحيط الهندي في القرن التاسع عشر.

ترابط الأحداث

على الرغم من أن أحداث الرواية تدور في ثلاث مدن تقريبا، تقابل فيها بطلة الرواية “رشيدة” عددا من الشخصيات المختلفة كثيرا عن بعضها في ثقافتها وطباعها وطرق تفكيرها، واسترجاع أحداث من الماضي تعود لأكثر من 170 عاما، إلا أن جميع الأحداث مرتبطة ببعضها بشكل كبير، حيث ينتقل الكاتب من مكان إلى آخر بانسيابية رائعة لا يشعر فيها القارئ بأي فجوة أو انفصال عن الوقائع.

الفروق الزمنية والمكانية

إن أحداث الرواية تدور في مدينتين رئيسيتين في نفس اللحظة بالرغم من فارق التوقيت الكبير بينهما، فمثلا: تدور معظم الأحداث في مدينة “نيويورك” الأمريكية والتي تبدأ أحداث الرواية فيها ؛ حيث تمر فيها بطلة الرواية بأحداث كثيرة بالقرب من معالمها الشهيرة، التي تشكل مخزنا مليئاً بالأسرار، إلى جانب ذلك فإن مدينة موسكو الروسية لها نصيب وافر من هذه الأحداث؛ حيث يأخذنا فيها الكاتب إلى تاريخ وحضارة هذه المدينة ممتزجا بالوقائع المثيرة التي تدور بين الشخصيات المختلفة.

انسجام الشخصيات

قد تجد أن بعض الروايات ومن بينها روايات عالمية شهيرة يتوه فيها القارئ من كثرة الشخوص، إلا أن رواية “يوم سلطانة”  تدور جميع أحداثها في خمس شخصيات أساسية، وهذا يجعل القارئ منغمسا في الأحداث والشخوص التي هي من أعراق ومستويات اجتماعية  مختلفة، فمثلا: “رشيدة” وهي الشخصية الرئيسية في الرواية فتاة روسية الجنسية من أصل عربي، وكذلك أستاذ علم النفس “السيد إيفان” الذي سيعمل على مساعدة “رشيدة” على فك الشيفرات الجسدية للمشتبه فيهم في قضية سرقة العقد المفقود، كما أن هناك شخصية المحامي المخادع، ورجل الأعمال الأمريكي “جون” والعبد “لوكيوس” المزارع في حقول قصب السكر.

حركة الزمن

إن حركة الزمن في الرواية مثيرة للغاية ؛ حيث تدور جميع أحداث الرواية في غضون 24 ساعة تقريبًا، وهي مليئة بالأحداث والمفاجآت الغير متوقعة، ونلاحظ هنا أن الكاتب يجيد بشكل مثير للاهتمام ربط الأحداث بتسلسل زمني واضح، على الرغم من أن أحداث الرواية تدور في أكثر من مدينة ويبلغ فارق التوقيت بينها أكثر من 8 ساعات إلا أن القارئ لا يشعر بالضياع الذي تحدثه بعض الأعمال الروائية.

واقعية الأحداث

على الرغم من أن الرواية غالبا ما يطغى الخيال فيها على سير الأحداث مما يجعل بعضها مبالغا فيها ولا يمكن لذهن القارئ أن يشعر بمدى ارتباطه بالأحداث، إلا أن رواية يوم سلطانة تميل أحداثها إلى الواقعية والمنطقية مع الحفاظ على عنصر الإثارة والتشويق الذي يدفع القارئ إلى تخمين ما ستؤول إليه الأحداث، ولا يشعر بوجود فجوة في ترابط الشخوص والأحداث.

حجم الرواية

إن ما يدفع الكثير من القراء إلى اقتناء بعض الروايات أكثر من غيرها هو حجمها وعدد صفحاتها، ولهذا فإن رواية يوم سلطانة تأتي في 250 صفحة وهذا ما يجعل حجمها أكثر ملائمة لمعظم هواة قراءة الروايات، حيث أن الحجم الكبير جدا للرواية يجعلها في أحيانٍ كثيرة مصدراً لشعور القارئ بالملل من طول الأحداث دون أن تضيف شيئا جديدًا للقارئ.

وفي ختام هذا المقال يمكننا اعتبار هذه الرواية أحد الأعمال العربية التي تضاهي في عمقها المعرفي وحبكتها المثيرة أسلوب روايات عالمية حظيت بشهرة واسعة كأعمال الكاتب الأمريكي دان براون في رواياته شيفرة دافنشي والرمز المفقود، وأعمال الكاتب الفرنسي غيوم ميسو في أعماله المميزة: سنترال بارك، وغدا وفتاة من ورق وغيرها.

تعليق واحد

  1. السلام عليكم
    شكرا للكاتب على هذا التحليل الجميل، كنت محظوظا بقراءة هذه الرواية منذ شهر تقريبا، وبصراحة يمكنني القول بأنها أحد أجمل الأعمال العربية والعمانية بالتحديد، وخاصة أنها تتحدث عن جزء من تاريخ سلطنة عمان العظيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى