ثقافة وفنون

رواية كوما للكاتب الفلسطيني حسام رمضان: الموهبة المميزة والأدوات المعرفية والفنية

بين سطوة الواقع وسعة الخيال… رواية كوما عالم رحب منفتح على احتمالات وتأويلات شتى، تبدعه يد الكاتب من خلال منظوره الخاص ورؤيته الإبداعية ووفق ما يملك من موهبة وأدوات فنية ومعرفية، تؤهله للقيام بذلك وتمكنه من الوصول إلى الهدف المنشود، أو الغاية التي يريد على الوجه الأنسب والأصح.

إذ لم تعد الرواية تلك التي تسرد أحداثا ووقائع، يراد منها التسلية أو المتعة وإشغال الوقت وإنما أضحت واحدة من أهم الأدوات المعرفية، بما تحمل من مضامين وأفكار، منها الفلسفي والتاريخي والأسطوري، إضافة إلى القص وفنونه، التي تشكل عماد الرواية وأساسها.

في هذه الرواية ” كوما ” وتعني “الغيبوبة.. الغيبوبة “التي تشبه ما نحن فيه من حال، أو كما جاء في تعريفها باليونانية “النوم العميق” وربما المشتقة من كلمة ” الكوماسترا”، النص الهندي القديم، الذي يتناول السلوك الجنسي لدى الأنسان.

يأخذنا د. حسام رمضان على جناح الحكاية، في رحلة تمتد لعقدين ونيف من الزمن، يستعرض خلالها السيرة الجمعية للمجتمع، في الفترة الواقعة ما بين أواخر التسعينات تقريبا وحتى ما بعد حرب2014 على غزة ، محمولة على سيرة بطل الرواية : وسام” منذ بداية النضوج وتوالد الأسئلة، مرورا بمرحلة الشباب والمراهقة، إلى ما بعد إنهاء دراسته الجامعية وموت أبيه، الذي كان عماد الأسرة ومورد رزقها الأول، ثم الطعنة الغادرة التي تلقاها على يد حاقدة أدخلته في غيبوبة قاتمة، تاركة النهاية مفتوحة على تأويلات واحتمالات مختلفة.

في هذه الرحلة الممتدة منذ الطفولة وحتى تلك الحادثة، طاف بنا الكاتب على محطات عدة، بلغة شاعرية سلسة، مفعمة بالرمز حينا وبالأسطورة حينا آخر وبالتناص في أحيان كثيرة، بشكل متسق مع النص ودون تكلف أو تصنع، مما أضفى بعدا معرفيا للرواية وغنى إبداعيا زادها جمالا.

الرواية باختصار تتحدث عن شاب من أسرة فقيرة تقطن في إحدى قرى نابلس، يعمل والده في مدينة “ملبس” بالداخل المحتل ويعيل أسرة تعتمد عليه في توفير قوتها وسبل عيشها في الحياة، يعاني هذا الشاب من ضعف في الدراسة و ضيق العيش وكيد المحيطين به، إضافة إلى تسريح والده من العمل، الذي جاء في لحظة مفصلية، كان يهيئ النفس فيها ويعدها، لتخطي تلك الصعاب، متكئا في ذلك على دخل والده، الذي أمسى بين عشية وضحاها سرابا لا أثر له، مما شكل عقبة كأداء في تلك الرحلة المضنية، لكن إصراره السيزيفي على تحقيق الذات وتكرار المحاولة مرة تلو أخرى، دفعه إلى المضي قدما في ذات الطريق والمواصلة، رغم كل الصعاب التي واجهته وكأنه يشير هنا قائلا: إن كنا ملزمين بالمضي في درب الآلام، التي لا تبدو لها نهاية أو تفضي إلى شيء، فلا بد أن نسعى جاهدين لاجتيازها، دون التفات لما يتخللها من صعاب، حتى إذا بدأ بتحقيق شيئا مما يصبو إليه، جاءته تلك الطعنة الغادرة، لتضعه كما نحن على مفترق لا تبدو معالمه أو تبين وكأني بالكاتب يلمح إلى هذا الواقع المسكون بالمرار والصعاب والخيانات ويشير إلى ضرورة المضي قدما في ذات الطريق، دون اعتبار لأي من عقباتها، فإذا كان ذلك قدرنا فلا يعني أن نستسلم له أو نستكين.

في محطات الرواية المتعددة، يمر بنا الكاتب على القرية، التي احتضنته وعاشها بكل تفاصيلها، مبرزا جمال طبيعتها، عاداتها، تقاليدها وتفاصيل عيشها، موروثها، بكل ما لها وما عليها، كذلك جاء حديثه عن المدينة “نابلس” بحاراتها القديمة.. أزقتها وأسواقها، طيبة أهلها وكرم طبعهم، بالآثار التي تركها المحتل في عدوانه الغاشم عام 2003 ومازالت شاهدة على جرائمه وبشاعتها، ثم يأخذنا عبر سرد جميل إلى محطة عمله، كمترجم في إحدى المؤسسات المحلية والتي شكلت فرصة لكي يلتقي بعدد من ضحايا العدوان في غزة وسرد قصصهم وبالتالي استحضار غزة في ثنايا العمل، بكل ما عانت وعايشت من مرار.

كل ذلك جاء عبر لغة شاعرية تنبض بالحس والحياة، وظف فيها الصورة والأسطورة والخيال، مثل قوله في ص4 : كان جوابي حيلة لأتملص بها من إيقاع أبي في شرك الإحراج. وفي وصفه ليوم لاهب حار: كانت الحمم تثور من فوهة الشمس، فشعرت أن البحار والمحيطات ستعرج إلى السماء. ص6.

أما الأسطورة فجاءت في أكثر من موضع، مثلا في ص8 يحدثنا عن أسطورة الكذب والصدق وكيف أن الصدق غرق خجلا من عريه، فيما الكذب ارتدى ملابسه وراح يجوب بها الأمكنة، كنوع من الرد على المزاعم الصهيونية التي لا تخرج عن هذا الإطار فيقول:…..من ذلك الحين والكذب يتجول في أصقاع البلاد مرتديا لباس الصدق والعالم بأسره يرفض أن يرى الصدق عاريا. ص8.

كذلك كان استحضاره لشخصيات أسطورية في ثنايا النص، أسطورة إكاروس وتانتالوس وباريس وهي شخصيات من المثيولوجيا اليونانية والإغريقية، الأول كان محتجزا مع أبيه في جزيرة يقال إنها كريت، كعقاب لهما من الملك “مينوس” وسعيهما إلى الخلاص من السجن، عبر صناعة أجنحة ولصقها إلى ظهريهما…الخ، كرمز للتحدي وقهر المستحيل والثاني “تانتالوس” من الأساطير الإغريقية كرمز للمعاناة والألم، حيث كان محكوما عليه بالوقوف في بركة أبدية وكلما حاول الشرب منها، غار الماء بعيدا عن فمه، أما الثالث “باريس” فجاء عنوانا للتحدي والإصرار على بلوغ الهدف، مهما كانت التضحيات والثمن الذي سيدفعه، فمن أجل هيلين التي أحب وغامر بخطفها، أشعل حربا امتدت لسنوات طويلة وأهلكت الكثير من البشر والحجر.

وكأنه يقول هنا أيضا: أن بلوغ الهدف حري بالتضحية، مهما كانت العواقب والتبعات المترتبة عليه.

فيما جاء التناص بأشكاله المتعددةـ، كالتاريخي والديني والشعبي..الخ، مضفيا بعدا جماليا آخر على النص الروائي
كذلك جاء التكنيك الكتابي، متكئا على ضمير المتكلم، الذي هو أقرب إلى نفس المتلقي وذائقته وأقدر على البوح بمكنونات النفس وما يعتريها من مشاعر وأحاسيس، بصدق فني يقارب الحقيقة إلى حد كبير، إضافة إلى استخدامه تكنيك القطع الزماني والمكاني، مما سهل عليه التنقل عبر محطاته بيسر أكثر واستدعاء ما شاء من شواهد تاريخية وأحداثا لها علاقة بالنص بأريحية ويسر.

باختصار شديد، يمكنني القول أن بين أيدينا عملا روائيا متكاملا، يبشر بمولد روائي يملك الموهبة المميزة والأدوات المعرفية والفنية القيمة، التي تمكنه من الخوض في هذا العالم الرحب باقتدار وحنكة، يشهد له على ذلك عمله الماثل بين أيدينا الآن.

Hussam Ramadan

حسام رمضان، فلسطيني الجنسية. مقيم في ألمانيا. يحمل شهادة الدكتوراة في الدراسات الإنجليزية من جامعة توبنغن في ألمانيا. كاتب ومترجم وروائي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى