ثقافة وفنون

رواية النباتية: هواجس التغيير وحصار المجتمع

“لم أكن أرى أي شيء مميز في زوجتي إلى أن أصبحت نباتية، كانت ربة منزل عادية، إنسانةً طبيعية مثل آلاف الناس التي نلتقيها صدفةً في الشارع، لكنها أصبحت فجأة ترى أحلامًا غريبة بشكل متكرر، إلى أن قالت لي يوماً: لقد أصبحت نباتية، لماذا؟ لقد رأيت حلماً، كان هذا هو تبريرها الوحيد”. هذا هو ملخص رواية النباتية للكاتب الكوري الجنوبي هانغ كانغ، رواية النباتية لا تتحدث عن النباتيين ولا تقدم سرداً لنمط حياتهم أو لمبرراتهم العلمية أو العقدية، فالبطلة لا تقدم حتى مبررات مقنعة لقرراها بأن تصبح نباتية، السبب الوحيد الذي تقوله أنها رأت حلماً”.

فالرواية ترمز للاختلاف عن السائد عبر تحول البطلة إلى نباتية، وتسرد الأحداث على لسان ثلاث أشخاص؛ وهم زوجها وزوج أختها لفنان المثقف) وأختها.

شخص لا يشبه أحدًا ممن حوله، كيف سيتم التعامل معه؟ وخاصةً في مجتمع شديد الالتزام بالعادات والتقاليد ومحافظ اجتماعياً إلى الحد الأقصى، فمثلاً في اللغة الكورية نفسها هناك صيغ مختلفة لمخاطبة الأشخاص تبعاً لمكانتهم الاجتماعية وعمرهم، كما أنه من الطبيعي مناداة الأشخاص بألقابهم بدلاً من أسماءهم.

في البداية كان الجميع مستغرباً ولم يأخذوا كلامها على محمل الجد، خاصةً أنها أصرت على عدم إعطاءهم مبرراً لهذا التحول سوى أنها رأت حلماً، يبدأ أبوها بتعنيفها لفظياً ثم جسدياً لشعوره بأنها تحتقره وتستخف بعادات طعامه وشرابه.

أما علاقتها مع زوجها فتتدهور كثيراً، ترفض النوم معه لأنه يأكل اللحم، إلى أن تصل العلاقة لدرجة من السوء تودي بهما إلى الطلاق.

يطرح كاتب رواية النباتية هنا معضلة عمليات التحول في المجتمع، خاصةً عندما تُدْفَعُ بطلة القصة عبر شغفها بالفكرة وانعدام مبرراتها المنطقية لها إلى التطرف ورفض كل أكلة اللحوم، وتخيلهم كتلةً واحدةً من البشر تحكمهم نفس الدوافع والمبررات، هذا التطرف تغذى بشكل أساسي من رفض المجتمع لها وتمسكه بما هو سائد كمعيار لتحديد الانتماء لهم من عدمه.

يزداد الأمر سوءً في الأيام القادمة، تتخيل الفتاة نفسها أنها هي أيضاً شجرة وتبدأ بمارسة رياضة اليوغا وتأخذ أوضاعاً غريبةً بجسدها، كأن رأسها هو الجذر وساقاها ويداها هم الفروع، وترسم وشوماً على جسدها لتصبح أقرب إلى النباتات منها إلى البشر، معتقدةً أن السمو يكمل في عملية التحول هذه.

هنا يأتي دور زوج أختها الذي يبدو أنه متقبل لها بل معجب بهذا التفكير، وهو رسام له ورشة فنية صغيرة، يدعوها إلى تلك الورشة ليرسمها، ومع الوقت يسحر بجمالها ويتورط بعلاقة غرامية معها.

لم يشعر هو أيضاً بالتعاطف الحقيقي غير المشروط معها، كما أنه لم يفهم الألم والعذاب الذي تمر به، كل ما أثار اهتمامه أنه رأى خياله الجامح متجسداً بلحم و دم، لم يجد فيها أكثر من موضوع مثير للوحاته.

وهو بهذا يشبه الكثير من النخب العربية التي لا ترى في مآسي وأحلام شعوبها غير موضوعات شيقة ومواقف مناسبة لتستعرض عضلاتها الفكرية، تستغل تلك الآلام لترسم لوحة جميلة ممهورةً بتوقيعهم في أسفلها، وربما يظنون حقاً كما فناننا العظيم هنا أن البشر وحدات موضوعية منفصلة عن كل شيء، وجدت لكي يدرسوها بمعزل عن سياقاتها النفسية والثقافية، باختصار بمعزل عن واقعها المعاش.

ينتهي الأمر ببطلتنا في النهاية في مستشفى للأمراض العقلية وحيدةً وفاقدةً لكل شيء، ولكن ما هو الـ كل شيءالذي فقدته؟ وهل كانت تمتلك منذ البداية شيئاً؟

رواية رائعة عن التغيير والشغف والرغبات التي تكبت، وتلك التي يفصح عنها، عن ذاك الحد الوهمي الذي يفصل بين الجلاد وبين الضحية.

كل ذلك مسبوك بأسلوبٍ سردي مميز، ولغة ساحرة، رواية ينصح بها لمن هم فوق سن الثامنة عشر، فلهانغ كانغ نفس ولمسة تشبه لمسات ميلان كونديرا في رواياته من ناحية تعاطيه مع الجنس والجسد.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

فؤاد تكريتي

طالب في ألمانيا, مهتم بالقضايا السياسية و الاقتصادية و الأدب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق