ثقافة وفنون

رواية «المغفلة»: مذلة الاستسلام لمصيرك فقط لأنك بدون أنياب

أنطون تشيخوف هو كاتبي الروسي المفضل، يمتاز بسخريته المرة من المستضعفين؛ ليؤكد أن ضعفهم هذا وحالهم الذي يُرثى له ما هو إلا نتاج سكوتهم على المذلة التي يتعرضون لها، كما يتناول النفس البشرية من الناحية الفلسفية، على عكس الكاتب الروسي فيدور دوستوفسكي، ونادراً ما يتكلم في بعض القضايا ويُضيق فيها رأيه الفلسفي الذي يُمثل نظرته للأمر، فأنا أعتقد أن “تشيخوف” ما كان ليكون بهذه العبقرية لولا نظرته الفسلفية البحتة، وتفلسفه تجاه الأمور والقضايا، ومن قرأ له بالتأكيد ذاب فيه عشقاً، فمن هذا القارئ الذي لا يعشق”تشيخوف”؟.

أحببت قبل بدء هذا المقال أن أذكر واقعتين من حياته جعلوني أنبهر به أكثر، وازداد قلبي له عشقاً:

أولًا: حين طلب من أنطون تشيخوف أن يكتب سيرة ذاتية عن نفسه في خلال الفترة من 1884 إلى 1894، رد الكاتب: أنه :لعذاب حقيقي أن أقرأ أي تفاصيل عني.. فضلاً عن كتابتها بنفسي للنشر”.

ثانيًا: في عام 1890، قرر “تشيخوف” القيام برحلة شاقة محفوفة بالمخاطر من موسكو في الغرب إلى جزيرة “سخالين” في أقصى شرق روسيا عبر سيبيريا كلها، قاطعاً عشرة آلاف كيلو متر بالقطار والسفينة والقوارب وخيول البريد والعربات الصغيرة، متعرضاً لمخاطر الغرق والبرد والضياع؛ لكي يصل إلى جزيرة سخالين (أرض المعاناة التي لا تُطاق) -كما قال عنها- ليستقصي أحوال السجناء والمنفيين هناك؛ ليقدم بعد ذلك دراسة سوسيولوجية أدبية مذهلة بعنوان “جزيرة سخالين” (1893-1894).

وخلال هذه الرحلة أُصيب أنطون تشيخوف بمرض الدرن الرئوي الذي كان السبب في رحيله عن عالمنا مبكراً، ويمكن القول إن الرحلة الطويلة الممتدة 9 أشهر والبؤس والفظاعة التي رآها “تشيخوف” ولمسها بنفسه في سجون ومنافي تلك الجزيرة التعيسة، أثمرت عن روايته القصيرة “عنبر رقم 6” (1892) قد هزت كيان الكاتب وغيرت مجرى حياته.

فعندما عاد أنطون إلى موسكو قرر الانتقال إلى الريف، واشترى عام 1892 ضيعة “ميليخوفو” على بُعد 70 كيلو متراً من موسكو، وشرع في غرس البستان وترتيب البيت وبناء المرافق، وأمضى هناك سبع سنوات قام خلالها بعلاج الفلاحين ومكافحة الكوليرا وبناء المدارس على حسابه الخاص، وجمع التبرعات لمنكوبي المجاعة من الأطفال، وبالطبع زاول الكتابة.

وعن رواية “المغفلة” يروي الكاتب أنطون تشيخوف حوارًا في سياق تصاعد أحداث الرواية قائلًا: “منذ أيام دعوت إلى غرفة مكتبي مربية أولادي يوليا فاسيليفنا لكي أدفع لها حسابها، قلت لها:

اجلسي يا يوليا فاسيليفلنا، هيا نتحاسب، أنت في الغالب بحاجة إلى النقود، ولكنك خجولة إلى درجة أنك لن تطلبيها بنفسك.. حسناً.. لقد اتفقنا على أن أدفع لك ثلاثين روبلاً في الشهر.

  • أربعين.

  • كلا، ثلاثين، هذا مسجل عندي.. كنت دائماً أدفع للمربيات ثلاثين روبلاً.. حسناً، لقد عملت لدينا شهرين.

  • شهرين وخمسة أيام.

  • شهرين بالضبط.. هكذا مسجل عندي، إذن تستحقين ستين روبلاً، نخصم منها أيام الآحاد، فأنت لم تعلمي كوليا بل كنت تتنزهين معه فقط، ثم ثلاثة أيام أعياد.

تضرج وجه يوليا فاسيليفنا، وعبثت أصابعها بأهداب الفستان ولكن، لم تنبس بكلمة!

  • نخصم ثلاثة أيام أعياد، إذن المجموع اثنا عشر روبلاً، وكان كوليا مريضاً أربعة أيام ولم تكن لديه دروس، كنت تدرسين لفاريا فقط، وثلاثة أيام كانت أسنانك تؤلمك فسمحت لك زوجتي بعدم التدريس بعد الغداء. إذن اثنا عشر زائد سبعة تساوي تسعة عشر.. نخصم، الباقي، هم واحد وأربعون روبلاً.. مضبوط؟

احمرت عين يوليا اليسرى وامتلئت بالدمع، وارتعش ذقنها، أغلى من ذلك، فهو موروث، ولكن فليسامحك الله! علينا العوض.. نعم، وبسبب تقصيرك أيضاً تسلق كوليا الشجرة ومزق سترته.. نخصم عشرة، وبسبب تقصيرك أيضاً سرقت الخادمة من فاريا حذاء، ومن واجبك أن ترعي كل شيء، فأنت تتقاضين مرتباً. وهكذا نخصم أيضاً خمسة، وفي 10 يناير أخذت مني عشرة روبلات، فهمست يوليا:

  • لم آخذ!

  • ولكن ذلك مسجل عندي!

  • طيب، ليكن..

  • من واحد وأربعين نخصم سبعة وعشرين، الباقي أربعة عشر.
    امتلأت عيناها الاثنتان بالدموع، وطفرت حبات العرق على أنفها الطويل الجميل. يا للفتاة المسكينة!

  • وقالت بصوت متهدج: أخذت مرة واحدة، أخذت من حرمكم ثلاث روبلات، لم آخذ غيرها.

  • حقًا؟ انظري، وأنا لم أسجل ذلك! نخضم من الأربعة عشر ثلاثة، الباقي أحد عشر، ها هي ذي نقودك يا عزيزتي! ثلاثة.. ثلاثة..ثلاثة.. واحد، واحد.. تفضلي!

ومددت لها أحد عشر روبلاً، فتناولتها ووضعتها في جيبها بأصابع مرتعشة. وهمست:

  • merci (شكراً).

فانتفضت واقفاً وأخذت أروح وأجيء في الغرفة، واستولي علي الغضب.

سألتها:

-merci على ماذا؟!

  • على النقود.

  • يا للشيطان، ولكني نهبتك، سلبتك! لقد سرقت منك! فعلام تقولين merci؟!

  • في أماكن أخرى لم يعطوني شيئاً.

  • لم يعطوكِ؟! ليس هذا غريباً! لقد مزحت معك، لقنتك درساً قاسياً سأعطيكِ نقودك، الثمانين روبلاً كلها! ها هي ذي في المظروف جهزتها لكِ! ولكن هل يُمكن أن تكوني عاجزة إلى هذه الدرجة؟!، لماذا لا تحتجين؟!، لماذا تسكتين؟!، هل يُمكن في هذه الدنيا أن تكوني حادة الأنياب؟!، هل يُمكن أن تكوني مغفلة إلى هذه الدرجة؟!.

ابتسمت بعجز، فقرأت على وجهها: “يمكن”.

سألتها الصفح عن هذا الدرس القاسي وسلمتها، لدهشتها البالغة، الثمانين روبلاً كلها. فشكرتني بخجل وخرجت.. وتطلعت في إثرها وفكرت:ما أسهل أن تكون قوياً في هذه الدنيا!.

المصدر: المجموعة القصصية للكاتب أنطون تشيخوف – ترجمة وتعريب: أبو بكر يوسف.

اقرأ أيضًا: القلم يهزم الطغيان: رحلة نضال المثقف الروسي ضد بطش السلطات

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Zeyad Elnagar

الثورة في كل شئ هي الحل(كن خارجاً عن المألوف).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق