ثقافة وفنون

رواية “الديوان الإسبرطي” تفوز بجائزة البوكر العالمية

أعلنت لجنة تحكيم جائزة البوكر العالمية في دورتها الثالثة عشر للعام 2020، عن فوز رواية “الديوان الإسبرطي” للكاتب الجزائري المتميز عبد الوهاب عيساوي، والصادرة خلال السنة الحالية 2020 عن دار ميم الجزائرية، بعدما تم اختيارها من بين العديد من الأعمال العربية الرصينة التي نافستها طيلة المسابقة، وبذلك يتربع الأدب الجزائري على عرش الرواية العربية، ومع تعاد الهيبة للرواية المغاربية التي بدأت تكسر هيمنة المشارقة، وتفرض نفسها بشكل كبير في الساحة العالمية.

الكاتب الجزائري عيساوي سيحصل على 50 الف دولار أمريكي قيمة الجائزة التي تمنحها إدارة المسابقة، كما سيتم ترجمة هذا العمل التاريخي القيم إلى اللغة الإنجليزية.

وتعتبر رواية “الديوان الإسبرطي” ذات البعد التاريخي الذي يكشف عن أسرار تاريخ محروسة الجزائر (الجزائر العاصمة حالياً) منذ زمن الحكم العثماني وحتى الاستعمار الفرنسي، من أفضل الأعمال الجزائرية التي نجحت في تقريب تاريخ الجزائر إلى الجيل الحالي، بطريقة سردية متناهية، مثخنة بالأحداث والوقائع التي عرفها تاريخ هذا البلد، وتم تقديمها من خلال نص سردي برع الكاتب في التفصل في تفاصيله، عبر بناء سردي محكم، متقن البناء ومتكامل الأركان، اعتمد صاحبها على مجموعة من المصادر التاريخية الرصينة والمعروفة التي تناولت تاريخ الجزائر العاصمة خلال القرن العشرين، والظروف السياسية المضطربة ما بين الاحتلالين العثماني والفرنسي للجزائر.

الرواية تدور أحداثها التاريخية في 388 صفحة، ويمتد زمن السرد التاريخي لأحداثها ما بين العام 1815 و1833 ميلادي، أي خلال مرحلتين هامتين من تاريخ الجزائر، إبان الغزو العثماني والاستعمار الفرنسي، وقد اتخذ الكاتب عيساوي العديد من الشخصيات التي كانت شاهدة على الأحداث، ترويها وتشارك فيها وتكشف عن أوجه الاختلاف ما بين العثمانيين والفرنسيين في احتلالهم للجزائر، وهي بذلك شبيهة إلى أبعد الحدود برواية “سفر برلك” للكاتب السعودي مقبول العلوي؛ التي كانت قد وصلت إلى القائمة الطويلة من هذه المسابقة لكنها لم تصمد طويلًا.

تسرد لنا المعاناة التي لحقت الجزائريين، وما عاشه الإنسان الجزائري داخل المحروسة في العهد العثماني، ثم بعدما سلمت هذه البلاد إلى المستعمر الفرنسي وبداية الضعف العثماني، حيث اختلف الاحتلال وظلت أشكال المعاناة واحدة، وهي بهذا الوصف تكون عبارة عن معزوفة تاريخية إنسانية يعزف ألحانها أهل المحروسة بمختلف أطيافهم وتلويناتهم، ليكتبوا تاريخ بلادهم بطريقتهم الخاصة، ويعبرون عن مشاعرهم وعواطفهم وما عاشوه خلال هذه الفترة، وبذلك يكون الكاتب قد ابتعد عن توريط نفسه في عرض وجهة نظره التاريخية لهذه الأحداث التي ظلت دوماً على ألسنة أبناء المحروسة.

وقيل عن رواية ” الديوان الإسبرطي” بعد تتويجها بجائزة “البوكر” على أنها متكاملة الأوصاف وبجودة عالية، تتعد فيها الأوصاف وتقدم الأحداث بعيداً عن الذاتية، حيث يقول محسن الموسوي: “تتميز رواية الديوان الإسبرطي بجودة أسلوبية عالية وتعددية صوتية، تتيح للقارئ أن يتمعن في تاريخ احتلال الجزائر روائياً، ومن خلاله تاريخ صراعات منطقة المتوسط كاملة، كل ذلك برؤى متقاطعة ومصالح متباينة تجسدها الشخصيات الروائية، إن الرواية دعوة القارئ إلى فهم ملابسات الاحتلال وكيف تتشكل المقاومة بأشكال مختلفة ومتنامية لمواجهته، هذه الرواية بنظامها السردي التاريخي العميق لا تسكن الماضي، بل تجعل القارئ يطل على الراهن القائم ويسائله”.

ويؤكد ياسر سليمان، رئيس مجلس أمناء الجائزة العالمية للرواية العربية: “تسحرك رواية الديوان الإسبرطي باستنهاضها للتاريخ بأبعاده السياسية والاجتماعية؛ لخدمة العمل الروائي الذي يتجاوز هذا التاريخ برمزيته، وبتداخل رؤى القص وأصواتها من وجهات نظر متقاطعة تدعو إلى التأمل والتفكر والمراجعة، وتتابع شخوصها الخمسة بمساراتها المتضاربة، وتسير في شوارع الجزائر المحروسة ومرسيليا وباريس وكأنك تعاينها بنفسك في زمن مضى ولم تنقطع مآلاته، وتحتك بالتركي والأوروبي والعربي وغيرهم من الأقوام متعاطفًا وساخطًا في آن واحد، كل ذلك في انسياب روائي أخاذ، لا يدعك تترك الرواية حتى تصل إلى نهايتها بشغف يطلب المزيد، لقد أبدع عبد الوهاب عيساوي في هذا كله، ويكفي هذا القارئ أنه التقى السلاوي ودوجة في ثنايا الديوان، ولهث في أثرهما في ثنايا تاريخ ينبض بالمعاني”.

اقرأ أيضًا : حوار خاص: رواية “كثير من الوجع” تجربة تستنطق كنه المجتمع المغربي

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق