ثقافة وفنون

رواية أنتخريستوس.. الرواية التي خدعتنا

رواية أنتخريستوس.. الرواية التي خدعتنا

كثيراً ما نتحدث عن جنس الرواية دون أن نعطيه أبعاده الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، الدينية الأيديولوجية، ثم لا نستطيع أن نحدد وظيفة هذا الجنس الواسع الذي يحوي باقي الأجناس الأدبية والشعرية والتاريخية الأخرى، فنصبح مجرد قراء عاديين نتصفح الصفحات، نتوقف عند كلمات وأسطر تعجبنا، فننغمس في الجانب الجمالي دون النظر إلى عمق الأشياء، أو نسرح بعقولنا عبر رحلة خيالية نروح بها عن مرآة الحياة التي نعيشها.

فأي رواية لا تستطيع أن تكون مستقلة بذاتها بعيدة عن المجتمع الذي تعيش فيه، الذي تنتمي إليه وتتحدث عنه، تقدم تصورات حول مستقبله، تعرفنا بماضيه وتقربنا من حاضره، وهنا نستطيع أن نتحدث عن “رواية” بمفهومها الشامل للحياة، إلا إذا حدد الهدف من وراء كتابتها وما قدمته للمجتمع من رؤى واقعية تخلصه من عتمة المشاكل والمعوقات التي يتخبط فيها.

معظم المحاولات الروائية التي ظهرت مؤخرًا بالعالم العربي وغيره، وخاصة تلك التي تناولت الجانب الخيالي العجائبي، سقطت في أخطاء فنية كثيرة ولم تحترم شروط كتابة الرواية، بالرغم من كثرة مبيعاتها في السوق، وشهرتها الواسعة الانتشار بين جيل القراء، وهذه الأخطاء الفنية في الروايات عادة ما تنسب إلى كاتبها الذي يبحث عن الشهرة والربح، أكثر ما يصبوا إلى الإضافة التي سيقدمها للمجتمع الذي ينتمي إليه، فيسقط القراء ضحايا لمفاهيم عامة خاطئة، فيتذوقون الرواية دون الغوص في مضمونها وأبعادها، الأمر الذي أنتج لنا قراء آليين، لا قدرة لهم على مناقشة القضايا الراهنة وربطها بما هو تاريخي، قدرتهم فقط انحصرت في مواضيع لروايات الحب والخيال.

ولو تمعنا “رواية أنتخريستوس” التي حققت مبيعات قياسية وانتشار كبير، بالرغم من عدم احترامنا لقواعد الرواية المتعارف عليها، والموضوع المستهلك الذي تناوله الكاتب في قالب خيالي ملون، معتمدًا في ذلك على الأحداث التي ذكرت في القرآن الكريم وبعض القصص التي نعرفها جميعًا.

لقد اعتمد صاحبها على تبسيط الأحداث والخلط بينهما، كما أشرك المتلقي أيضًا في هذه الأحداث منذ البداية، ما جعل القراء ينخدعون منذ البداية، ويسقطون ضحايا لهذه الخدعة التي أعدت لهم من قبل، فتنتهي الرواية والقارئ مجرد متخيل فقط لا قدرة له على إسقاط هذه الأحداث التي قرأها على الواقع الذي يعيشه أو التاريخ الذي درسه، فيعيش المتعة فقط ويخرج خاوي الوفاض، يعيش عبر صفحات الرواية متعة الخيال دون أن يتلمسه في واقعه.

الكاتب الشاب أحمد خالد مصطفى يعلنها صراحة، بعد النقد الذي وجه لهذا العمل فكان رده: “من الذي وضع قواعد فن الرواية؟ لماذا يزعج الناس أنفسهم دائماً بتصنيف الشيء الذي يقرأونه، هذه رواية وتلك مسرحية وهاته مجموعة قصصية؟ ثم ما الذي يجبرنا على الانقياد لهذه القواعد لما نكتب؟ لماذا يضع لي شخص ما قواعد أكتب عليها؟ لم أرتح لهذا أبداً، لذا كل ما فعلته ببساطة هو أنني تحررت من هذه القواعد كلها، اخترت أن أكتب بالقواعد التي أحددها أنا، وبالطريقة التي أحددها أنا، المهم في النهاية أن يستمتع القارئ، ويفكر ويبحث، وأوصل له الرسالة التي أريد أن أوصلها له”.

هذا التصريح من صاحب الرواية يؤكد بالملموس أن
حبكة الرواية التي طبعت في أكثر من نسخة ضعيفة للغاية، وما هي إلا مجرد وسيلة لنقل هذه الآراء أو الرسالة التي يريد الكاتب الشاب أن يوصلها إلى القراء، دون أن يكون له مغزى محدد ينظر به لقضية ما وينظر به للحياة والمجتمع، وهذا الأمر بكل تأكيد لا يقارن بأعمال أخرى عرفها الإنسان على مر العصور.

هنالك فرق شاسع ما بين هذه الرواية الخيالية من جهة، والبحوث التاريخية التي تهتم بقضايا الإنسان وتناقش هويته وتاريخه وإنسانية الإنسان اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا ودينيًا وثقافيًا، فالروايات التاريخية مثلًا هي تجسيد حي لوقائع تاريخية معينة، عاشتها البشرية من قبل، تتناولها بالاعتماد على مصادر معينة، وترجح فكرة أحدها على الآخر بالدليل، لأن التاريخ عادة ما يحمل أكثر من رواية، ومن خلال المعرفة التاريخية يمكن أن نستشف باقي المكونات الأخرى لحقبة زمنية معينة.

فالرواية القادرة على الصمود على الساحة الأدبية العالمية، هي التي تلجأ إلى عرض مصادرها ومراجعها بكل وضوح وشفافية، قد تبدأ الرواية شخصية بسيطة دون تعقيدات خيالية أو عبارات فضفاضة، وتشق طريقها إلى قلب القراء فتضمن لنفسها مكانة كبير، كما تحدث عن ذلك الكاتب البيروفي الكبير، والحاصل على جائزة نوبل في العام 2010 ماريو بارغاس.

البداية أيضاً قد تكون حدثاً تاريخياً معيناً كالذي حملته رواية “الحرب والسلام” مع تولستوي والحملة الفرنسية على روسيا، حيث كان السرد الذي عرضه لنا تولستوي عن حكاية العائلات الروسية الخمس في هذه الرواية الفريدة، والمشكلة هنا أن صاحب رواية أنتخريستوس استخدم الرواية كأداة عرض من خلالها ما يراه “الحقيقة” المطلقة دون أن يخضع موضوعه إلى تمحيص، كما فعل يوسف زيدان في روايته الشهيرة “ظل الأفعى” التي استغلت في عرض بحث أكاديمي عن الآلهة الأنثى القديمة بالعديد من الجامعات.

إن رفض صاحب رواية أنتخريستوس التقيد بقواعد الرواية، يحيلنا إلى الشخص الذي يريد التحدث بالعربية الفصحى، أو الإنجليزية أو أي لغة أخرى معقدة دون أن يتعلم القواعد الأولى لها، فتكون النتيجة أن المتحدث يبدأ بخلط الألفاظ والعبارات مع بعضها، ويتحول كلامه بدون قواعد إلى الركاكة يفهمه البسطاء من الناس ويميل عنه الكثيرون من المثقفين.

وحتى وإن حقق النجاح بفضل هذه الشريحة من المجتمع، فإن إنجازه هذا معرض للزوال بسرعة، ولن يستطيع منافسة باقي الروايات والكتاب، الشريحة الأولى من المجتمع تقرأ دون تمعن فتنسى وتلهث وراء جديد آخر، أما الثانية فثلة من النقاد والمفكرين وجمع من الأساتذة والأدباء، حيث يحكمون على العمل الأدبي ويعطونه القيمة التي يستحقها، كما يقال: “إن الأدب يميل للفوضى، بينما وظيفة النقد هي التنظيم”.

من خلال قراءاتي للرواية ومراجعتي لها، يتضح أن المواضيع التي تطرق لها فيها الكثير من المغالطات التاريخية بخصوص الحرب العالمية الأولى، وبعض التفاصيل التاريخية الأخرى، فالكاتب يقدم لنا الرواية بصورة معينة، من زاوية التاريخ الذي يريد لنا رؤيته، بعيداً عن تقديم الحقائق.

الجهل ببعض الروايات والحقائق ليس بالشيء العيب، ولا يعتبر نقصًا أو تنقيصًا من صاحب الفكرة إذا ما حاول أن يجتهد في تقديمها، فكلنا بشكل أو بآخر جهلة في أمر واحد على الأقل، وقد يكون الجهل مفيداً في أحايين كثيرة، لكن عندما يقدم إلى القراء عن قصد لترسيخ فكرة معينة يؤمن بها صاحبها، فهنا تكمن المشكلة ويصعب التكهن بالنتائج التي ستولدها بعد أن تتخمر في عقول متلقيها من القراء وعامة الناس.

الكاتب لا يكتب لنفسه وإنما يحمل هم أمة وتاريخها، ثقافة جيل ومستقبله، وأي خطوة ستكون لها عواقب وخيمة إيجابًا أو عكس ذلك، فليس ثمة كاتب ملم بالأدب والشعر، التاريخ والفنون، النقد والقواعد، وليس من المطلوب أن يكون الكاتب دارساً للأدب أو ناقداً عظيمًا ملماً في كل فروع الأدب، أو أن يكون أستاذ اللغة العربية، لكن الكتابة الروائية تتطلب على أقل تقدير أن يتميز هذا الكاتب بما يؤهل نص عمله ليكون رواية أو مسرحية أو مجموعة قصصية، دون تنصله من تحديد جنس كتابه، والثورة على قواعده دون سبب، مع جعله مثخناً بالعبارات الفضفاضة التي تذهل المتلقي فينكب على قراءتها كالأعمى، أو الشخص السكير الذي يقتاد إلى الموت دون أن يدري مصيره.

خلاصة القول بغض النظر عن الشهرة التي حققتها رواية أنتخريستوس ا والموضوع المستهلك الذي ناقشته، فإن صاحبها كان داهية في التعامل مع القراء وجهلهم، وجعلهم يشاركونه هذه الأحداث دون إخضاعها للتمحيص، فالبرغم من الهالة التي أحدثتها الرواية، إلا أن الكثير من النقاد لا يعتبرونها عملًا احترافياً، بالرغم أنه من الممكن له أن يكون كذلك عند كثير من الشباب ممن يحبون العيش في عوالم الخيال، وما الشرح الذي قدم في الرواية والأحداث التاريخية وغيرها، لا تكاد تمثل تبريراً للحبكة الضعيفة في طريقة سرد الأحداث عبر فصول الرواية، ويقول أحد النقاد: “إنما هو تدليل تاريخي على ما تم توظيفه في السرد كحكايات منفصلة، وهذا لا يفيد في جعل الرواية ككل أكثر إقناعاً، وإن كان يجيب على تساؤلات الكثيرين ممن قرأوها بالفعل”.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق