مدونات

رمضان الذي كان

تجر خطاك مهرولاً إلى المسجد، تسعى للحاق بخطبة الجمعة من أولها، فهذه الخطبة مميزة ليست كباقي الجمع التي تذهب إليها متأخراً وأنت على يقين إنك لن تجد لك مكاناً في المسجد، فتأخذ سجادتك تحت إبطك وتنطلق فتجدهم بالكاد أوشكوا أن ينتهوا من الصلاة.

ولم لا واليوم هو الجمعة الأخيرة قبل شهر رمضان المبارك فلعل الله يفتح على الخطيب اليوم، وكما يقولون الخطيب يتكلم برزق محدثيه، فتعود وقد امتلأ قلبك بنور الإيمان وتستقبل الشهر الفضيل بقلب خاشع وروح طاهرة.

وها هو الخطيب قد بدأ الحديث، يحدثنا عن الفائدة التي شُرع من أجلها الصيام في الشهر المبارك ألا وهي الجوع، كي نشعر بآلام الفقراء، فتسرح قليلا لتتذكر إنك تدخر من أول العام مثل غيرك من أجل الموائد التي ستفرش والولائم التي ستلتهم في هذا الشهر.
وتذكر المشاجرة التي أحدثتها زوجتك أمس مع صديقاتها حتى تحصل على الجمعية قبل أوانها لتلبي احتياجات الفرائس التي ستلتهم طوال الشهر.

وتذكر أنك كنت تستمع إلى التقرير إلاخباري قبل نزولك من المنزل و الذي يخبرك أن الإحصائيات تقرر أن معدلات الإنفاق على الطعام تتضاعف أضعافا مضاعفة في البلاد العربية والإسلامية خلال شهر رمضان!!

أي جوع يا رجل الذي جئت لتخبرنا عنه؟ ثم إذا كان صيام رمضان من أجل الإحساس  بجوع الفقراء فلماذا يصوم الفقراء أيضاً وهم جائعون طوال العام؟!
يخرجك من بحر أفكارك صوت همهمة في المسجد (صلى الله عليه وسلم ) فالخطيب ذكر  لتوه حديث عن النبي الكريم، ويحدثنا عن أن رمضان شهر مبارك، ففيه تفتح أبواب الجنة، وتغلق أبواب النار، وتسلسل الشياطين، فتبتسم ابتسامة بلهاء لتقول لنفسك لابد أن هذه الشياطين ماكرة وذكية جداً فعندما علمت أنها ستسلسل في رمضان علمت أتباعها من الأنس الذين لن يُسلسلوا كيف يسلسلون الناس بالمسلسلات.

تذكرالميزانيات الباهظة التي أعدت لمسلسلات رمضان، وتذكر كم الخلاعة والعهر في هذه المسلسلات التي وضعت خصيصاً للشهر الكريم المبارك!!
هؤلاء القوم مصرون على أن يمتصوا إيمانك حتى آخر قطرة ليجعلوك في النهاية أحط من كفار قريش، وأخس من يهود بني قريظة.

تذكر أنه منذ عشرة أعوام أو يزيد كان هناك ما يسمى بهيئة الرقابة على الأعمال الفنية، والتي كانت تقتطع أي مشهد لا يليق بالمشاهدة، طبعا كما تعلم كانت هذه المشاهد تسرب بعد ذلك لتنشر على المواقع إياها، ولكن ما كانت لتخرج للنور بتلك البجاحة.

لابد أنهم أنهوا عمل هيئة الرقابة تلك لأنها لو كانت موجودة لن يجد الناس ما يتسلسلون به في رمضان!!
تنتبه من غفوتك على صوت هاتف جارك يرن على الرغم من كثرة التحذيرات بإغلاق الهاتف قبل الدخول إلى المسجد، ولكن ليست تلك المشكلة، وإنما المشكلة الحقيقة أن نغمة الهاتف عبارة عن أغنية شعبية تحوي كلمات نابية بذيئة كتلك الاغاني التي انتشرت مؤخراً، فيتبادر إلى ذهنك فورا كيف أن هذا الرجل كما كل الشعب تقريباً خلال يومين على الأكثر وتحديداً ليلة رمضان ستتحول رنات هواتفهم إلى أدعية رمضانية وأناشيد دينية.

تجد فجأة أن المصلين قاموا إلى الصلاة وأنك لم تستمع إلى كلمة من الخطبة التي جئت مبكراً من أجلها، ولكنك لن تندم على أي حال فقد فهمت منذ البداية أن الخطيب لم يجهد عقله الصغير ليأتي بجديد مثل كل الأعوام السابقة، ثم تتذكر أن الرجل اليوم ليس له ذنب بعدما عممت وزارة الأوقاف الخطبة على جميع المساجد، فالرجل يقرأ ما أُرسل إليه ليس إلا!

تباً لوزارة الأوقاف  تلك!! ألا يوجد فيها رجل يستطيع أن يكتب خطبة تعالج أوضاع العصر وتلتفت لمعايش الناس بدلاً من نقلهم الخطب من كتاب رديئ غالبا دارت رحى الحياة على صاحبه فأراد أن يتكسب ببضعة أحاديث عن رسول الله وبعض أقوال الفقهاء في غابر الزمان؟!

وبينما تسير ترى أمامك بائع زينة رمضان، عم بطرس، لتتذكر أنك لن تستطيع الذهاب إلى المنزل دون زينة رمضان، وإلا تعاركت معك أم العيال ومعها العيال أيضاً!!

وتستمع إلى الموشح إياه لسنا أقل من أم فلان ولا أم فلان التي أتت بألوان الزينة، فتأثر السلامة وتنطلق إلى عم بطرس.

حتى عم بطرس سعيد، ويحتفل بالشهر الكريم، ومذياعه ينطلق بالأغاني الرمضانية المباركة، فتشتري زينة رمضان من عم بطرس وترحل.

تقول لنفسك تباً لهؤلاء القوم، هل صار رمضان احتفالا فلكوريا ما، أم صار طقسا شعبيا كرنفاليا؟

كنا قديماً نذكر أنه شهر للعبادة وللإحسان والقيام بالمعروف، ليس شهراً للعهر والخلاعة والمجون. لم تكن طقوسه سوى التعبد والتهجد وقراءة القرآن وليس مشاهدة وتعليق الزينة التي نشتريها من عم بطرس ويعلقها هو بدوره!!

ماذا حدث لهؤلاء القوم وبينما أنت غارق في تفكيرك تجد نفسك انحرفت عن الطريق دون أن تتنبه ليعيدك إلى وعيك راكب دراجة كاد أن يصدمك فيطلق عليك سبة بذيئة ذات تلميح جنسي ويقول لك بعدها (ركز يا أستاذ ده إحنا حتى داخلين على أيام كريمة مفترجة!!).

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

 
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق