مدونات

رقيمة من الأبدية

عقب قراءتي لرواية “مي: ليالي إزيس كوبيا، ثلاثمائة ليلة وليلة في جحيم العصفورية” للكاتب الجميل واسيني الأعرج، راودتني رغبة عارمة في الكتابة عنها، هي العمل الذي جعلني أعيد اكتشاف مي زيادة من جديد، بيد أن مدخل الكتابة ظل يؤرقني ويقض مضجعي كثيرا، إلى أن خلدت ليلة إلى النوم وفي نفسي شيء من وجع الكتابة ونارها الحرى، فإذا بي أحلم أن الآنسة تكتب رسالة إلى واسيني تبثها مشاعرها حول هذه الرواية الآسرة، أفقت حينها لا تسعني فرحة بهذه الإشارة التي ألهمتني سبيل الكتابة، فكانت الكلمات التالية، التي جاءت بعد قراءة مستفيضة لنصوص ورسائل مي زيادة، عساني أقترب ولو قليلا من طريقتها في التحبير.

الأبدية في 07 شباط (فبراير) 2019:
إليك واسيني؛
اسمح لي أن أخاطبك دون حجب الألقاب أيها الكاتب الكبير، ومبعث ذلك أني أحسك قريبا من نفسي أنت ذو الفكر النبيل الذي سبر دواخلي بالحكمة اللوذعية للأستاذ المنصف والنظرة الثاقبة للكاتب المرهف.

قرأت روايتك البديعة التي كانت بلسما لجروحي وأفرحتني كثيرا في عالم البقاء، والحقيقة لقد التبس علي الامر هل هي نفس مذكراتي عن العصفورية ام لا، بيد أن لا ضير، فلو كنت كاتبتها ما زدت عليها حرفا، ولو لم اكن فلقد وفيت وكفيت، وحق علي خط كتاب الحمد إذ جعلتني أعرف نفسي أكثر، أنا التي تحررت الآن في الأبدية بفضل كتابك الذي مكن روحي القلقة الحبيسة من التحليق مجددا مثل فراشة جذلى أوان الربيع.

لقد أزاح كتابك عن كاهلي نكال ثلاثة أعوام، ظلت ترزح بأثقالها على روحي وجسدي، وحفرت أخاديد من الألم واليأس ما كانت لتمحي لولاك أيها النبيل، وهذا ليس غريبا على أهل الجزائر الذين غمروني بجليل أفعالهم وجميل صنائعهم في حياتي ومماتي، حيث أسبح في بحر الأبدية بعيدا عن ضوضاء العالم.

أراني طروبا طيارة بفيض كرمك الدافق، إذ فعلت كلماتك بي فعل السحر الجميل، فكلما قرأت فصلا تدب الحياة في أوصالي شيئا فشيئا؛ فإذا أنا طائر فرح يحلق ويملأ السماوات أغاريد جذلى؛ لقد كنت ألوذ بصمت عبقري مبين، حتى طالعت كتابك الذي كان مجلى لما عانيته من شقاء مرير، وأحمد الرب الرحيم حين أتاح لي بفضلك منية الاجتماع من جديد بإلفي الورقة والقلم لأحبر هذه الرسالة إليك.

أكتب إليك لأضع بين يديك عواطف الحمد والامتنان، حيث كان اختيارك لاسم ازيس كوبيا موفقا، هذا الاسم الذي يحظى بمكانة خاصة لدي لأنه يذكرني بخطواتي الأولى في عالم الكتابة الرحب؛ لقد أخرجتني سطورك الجليلة من وطأة “المونولوج” الصامت لأعانق مجددا حرية الأحلام وطلاقة التأمل، أنا المعجبة بعلو أفكارك وشرف تعبيرك، فشكرا لك فبقدر ما أسال كتابك الكثير من دموعي فقد آنس وحشتي وأدخل الفرحة على روحي الحزينة الشريدة.

لست أفشي سرا بأني أحظى في هذا الملكوت بمكتبة عظيمة تتيح لي مطالعة مكنوناتها من ذخائر القديم والجديد، وكنت حريصة كلما نشرتَ رواية أن أقرأها بلهفة كبيرة لأفهم أكثر قضايا عصركم ومشكلاته بشكل أفضل.
أن تتيح لي الابتسام في الأبدية فتلك منية لم أكن أطمع في معانقتها، ولو قيض لي أن أعيد فتح الصالون واختار شخصيات من أزمنة مختلفة، لاخترتك ضمنهم بكل المحبة والتقدير الذي أكنه لشخصك المحترم.

وآخر وصاياي لمن يبتغي إزالة الغشاوة والالتباس عما عانيته في حياتي ويفهم أكثر تقلباتي النفسية وفواجعي في من أحببت، أن يقرأ “ليالي إزيس كوبيا”، ففي قراءتها تكريم لذكراي وتخليد لآنسة كان مناها أن ترى الناس يعيشون بسلام.
أردت الإعراب عن شعوري في تسطير هذه الرقيمة المتواضعة إليك، علها تبوح ببعض المكنون، أنا التي أدرك حق الإدراك أنني مهما كتبت من كلمات وحبرت من رسائل لن أوفيك قدرك، راجية قبول ما تكنه روحي لك من شعائر الامتنان والإجلال.
بارك الله في روحك الفياضة وسلامي إلى الدكتورة زينب.

الآن يمكن أن ارقد بسلام.
“ميّ”.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

تعليق واحد

  1. راااااائع، منذ زمن لم أقرأ شيئا بهذه الروعة والدفء، حتى أنه ألهمني خاصة أني كثيرا ما أكتب من وحي أحلامي، وإني لأغبطك إن كنت قد حلمت بهذه الرسالة حقا كما وردت حرفيا، لأني كثيرا ما أحلم أني أقرأ مخطوطات وأصحو والسطور تتراقص أمام عيني لكني أعجز عن قراءتها مجددا، وسأغبطك أكثر إن كنت مزجت الحلم بموهبتك الجلية في الكتابة، لأنك ببساطة أبدعت!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى