سياسة وتاريخ

رفعاً للحرج ليس إلا

بعدما دخلت الثورة السورية عامها العاشر، ودخلت معها معدلات قتل وتهجير واعتقال الثوار السوريين أعلى مستوياتها على يد السفاح بشار، أصدرت منظمة حظر الأسلحة الكيماوية في الحادي عشر من الشهر الجاري تقريراً أفاد باستخدام نظام السفاح العلوي القاصر السلاح الكيماوي ضد الفصائل الثورية في قرية اللطامنة بريف حماة في مارس 2017.

لكن التقرير شأنه شأن كل التقارير الغربية مسيس ولا يبتغي وجه العدالة بالمرة، وبالنظر إلى موعد صدور التقرير، لا يمكننا فصله عن الترتيبات الدولية التي يتم الإعداد لها لتصفية الثورة السورية التي تتعثر خطاها منذ 2016، فقد نشر التقرير في وقت كثر فيه الكلام عن تقاسم النفوذ الدولي والإقليمي في سوريا، خاصة بعد الضمانات الروسية الأخيرة التي قدمت لتركيا حول إدلب آخر معاقل الثورة السورية، بعدما تصادم الجيش التركي والفصائل الطائفية الموالية للطاغية فاقد الشرعية مطلع مارس الماضي، قبل أن تتدخل روسيا لإبقاء ما بقي من نظام الأسد على قيد الحياة.

إصدار التقرير هدف في المقام الأول للضغط على جزار الشام، بعدما صعد من هجماته ضد إدلب مستغلاً الانشغال الدولي بمكافحة وباء كورونا، وقد دفع ذلك موسكو لإرسال وزير دفاعها سيرجي شويجو الذي أحضر إليه بشار صاغراً في مقر القوات الروسية بحميميم؛ ليبلغه قرار سيده بوتين بوجوب وقف الهجمات على إدلب، وهو يعلم بكل تأكيد قسوة العصا الروسية إذا قرر القيصر تأديبه بها.

وفي غمرة الأحداث الدولية المتسارعة، نشر إيدي كوهين أستاذ العلوم السياسية الصهيوني المقرب من حكومة بنيامين نتانياهو تغريدة على موقع تويتر، أوضح فيها أن بشار سيغادر السلطة في يوليو المقبل أي في نفس الموعد الذي تولى فيه الحكم قبل عقدين من الزمن، وهو تصريح لوضع لا يعني سوى أن الأسد سيصبح عما قريب جزءً من ماضي سوريا ولن يحكمها حتى لو انتهت الحرب.

من هنا ندرك مغزى تقرير الأسلحة الكيماوية، فهو يرسل رسالة مبطنة للطاغية ابن الطاغية يحذره فيها بأن جرائمه القديمة لا زالت موجودة في أدراج مكاتب المخابرات الغربية، وفي القلب منها المخابرات الأمريكية، بما يعني أن المجرم الصغير إذا استمر في عناده وحاول حكم سوريا على ما بقي من أنقاضها، فالمحكمة الجنائية الدولية في انتظاره.

لا يهدف التقرير بحال من الأحوال لإنصاف ما يزيد على مليون شهيد سوري قتلوا ببراميل النظام المتفجرة أو دباباته، أو قضوا نحبهم في أقبية مخابراته أو سجونه الوحشيتين، أو إعادة ثمانية مليون سوري هربوا من الحرب المستعرة في بلادهم لديارهم الخربة، فهذا آخر هم الغرب، فالغرب يريد من هذا التقرير وضع بشار في حجمه الطبيعي بعدما ظن أنه حاكم سوريا الشرعي، كما يردد أفراد نظامه بأنه لا يزيد عن كلب حراسة يسهل استبداله في أي وقت ما لم ينفذ تعليمات الدول الكبرى بحذافيرها.

سيترك الغرب هامش مناورة لبشار ليجد لنفسه مخرجاً آمناً، أو بالتحديد منفى اختيارياً، ويسلم عرشه المتداعي لمن ترضى عنه عواصم القرار الدولي ومن قبلها إسرائيل، وإلا سيفاجئ في التقرير القادم لنفس المنظمة بتفاصيل مروعة عن استخدام السارين في حمص 2012، أو كيماوي خان العسل في خلب أو مجزرة الكيماوي في غوطة دمشق 2013، وربما صدر قرار عن مجلس الأمن باقتياده إلى لاهاي ليدفع ضريبة باهظة لعناده وخروجه عن النص.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى