سياسة وتاريخ

رغم وعود إسطنبول.. لماذا تأخر إعلان آيا صوفيا مسجدًا كل هذا الوقت؟

مثّل مسجد آيا صوفيا فاتحة صراع جديد بين المسلمين والمسيحيين، كان قائمًا بالضرورة منذ سطوع شمس الإسلام، الذي احتوى المسيحية ووضح قصورها ومواطن خللها، وفتح الباب للدخول إليه، والإنابة إلى الحق الذي سطع نوره؛ وسط ظلمة الجهل، ثم إن الإسلام فرض فرائض وسن سننًا؛ وكل ذلك من أجل غاية سامية تهدف إلى “إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد”، بغية إسعاد البشرية سعادة دنيوية وأخروية “بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا”، صحيح أبي داود.

حمل المشعل الصحابة الكرام وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون، وانتهجوا نهج الفتوحات الإسلامية العظيمة؛ ليس ابتغاء دنيًا يصيبونها؛ أو احتلالا يقيمونه، بل الغاية الكبرى تمثلت في السعي لهداية البشرية، وإعمار الأرض، ورفع جور الأديان وظلم الطغاة.

توالت الفتوحات واستمرت، وقامت دول وسقطت أخرى، منها من ظلمت وحادت عن الحق في فترات ليست بالطويلة؛ حتى تركت جروحًا ظنها البعض من تعاليم الإسلام؛ وما هي من الإسلام في شيء، وإنما هي نزوات لأفراد وجدوا أنفسهم مسلمين بالفطرة.

ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم وأمرهم إلى الله، إلا أن جل الدول التي قامت في ديار الإسلام نصرته، وعدلت بين الرعية؛ واستمرت في الفتوحات، ليتوقف هذا النهج الإسلامي في التوسع مع آخر خلافة إسلامية؛ ألا وهي “الإمبراطورية العثمانية” التي أسسها عثمان الأول بن أرطغرل، لتستمر ما يقرب من 600 سنة.

الفتح العظيم ووثيقة شراء مسجد آيا صوفيا

وتعاقب على تدبير شؤون الإمبراطورية ما عدده 36 خليفة من آل عثمان، ليشكل فتح القسطنطينية على يد محمد الفاتح سنة 1453م الموافق 857 هـ أكبر إنجاز عثماني، والذي قيل إنه المقصود بحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- “لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش”. وقد تكلم بعض أهل العلم في سند الحديث الذي رواه الإمام أحمد في المسند وغيره، وعلى فرض صحته، فلا نستطيع الجزم بأن هذا الفتح هو الفتح الذي حصل بقيادة الأمير محمد الفاتح.

تم الفتح بعد حصار ليس بالقصير وفي فترة ضعف وانشقاق البيزنطيين، وفي لحظة قوة وتوحد العثمانيين؛ وهي سنة الحياة “وتلك الأيام نداولها بين الناس” (آل عمران، 140). لتتحول من مدينة “القسطنطينية” ذلك الاسم الذي استوحته من اسم الإمبراطور قسطنطين، إلى مدينة “إسلام بول” أي مدينة الإسلام، والتي كانت مدينة حضارية بامتياز، وفيها من العمران ما يعجب به المرء عند سماعه قبل رؤيته.

ومما تميزت به المدينة كنيسة “آيا صوفيا” – أي الحكمة المقدسة بالمعنى اليوناني، والتي أمر ببنائها الإمبراطور البيزنطي جستينيان سنة 532م، وافتتحت رسميًا بعد خمس سنوات أي في سنة 537م، وهي التي شيدت على أنقاض كنيسة تعرضت للاحتراق مرتين؛ والتي سبق إلى الأمر ببنائها الإمبراطور قسطنطين.

916 عامًا وآيا صوفيا كاتدرائية للأرثوذكس، إلى يوم قدوم الفتح العثماني؛ حيث تعذر على المسلمين إيجاد مسجد لإقامة شعيرة الصلاة؛ فتوجه الخليفة العثماني محمد الفاتح إلى أهل الكنيسة آيا صوفيا وابتاعها منهم، بأموال أبى إلا أن يدفعها من حر ماله دون أموال الخلافة، وعمل بعد ذلك على تحويلها إلى مسجد أوقفه للمسلمين كما تحدثنا مصادر التاريخ، ووثيقة الملكية التي تتوفر عليها الدولة التركية اليوم.

إذن هي مقايضة بمال وليس احتلال أو استيلاء كما يشاع، وحتى إذا فرضنا جدلًا أن الكنيسة تقرر تحويلها إلى مسجد بقرار عثماني دون مقايضة فإن ذلك مشروع، إذ أن زمام تدبير شؤون البلد آلت إلى المسلمين، ورضي بحكمهم أهل الديار أولًا، ثم إن الكنيسة ليست الوحيدة القائمة في البلد؛ بل هناك كنائس لم تهدم ولم تمس بأي سوء اتباعًا للمنهج الإسلامي القاضي بالمحافظة على أماكن عبادة أهل الكتاب ثانيًا.

وبالتالي لم يتم الحجر على مقدسات المسيحيين المتواجدين في تلك الفترة، وإلى يومنا هذا، حتى إنه لم يتم طمس الرسوم والزخارف والنقوش التي تخالف بعضها التشريع الإسلامي، لما لها من دلالات شرك داخل المكان؛ بل اهتدى السلطان محمد الفاتح إلى الأمر بحجبها فقط، وإخفاء معالمهما بشكل لا يزيل أثرها؛ احترامًا لمشاعر المسيحيين، وحفاظًا على التأريخ الحضاري.

كما أضيف إلى مسجد آيا صوفيا تحسينات ومعالم عمرانية متقدمة، مشكلة تلاقي للفن المعماري الروماني – الإسلامي. صارت آيا صوفيا مسجدًا ونظمت فيها أشعار نقتبس منها ما قاله عنها أمير الشعراء أحمد شوقي (1868م-1932م) من أبيات:

كنيسة صارت إلى مسجد *** هدية السيد للسيد
كانت لعيسى حرمًا فانتهت *** بنصرة الروح إلى أحمد

أبيات لم يزد عليها الشاعر بيت حزن يرثي حالها، إذ وافته المنية قبل التاريخ الذي أصدر فيه المجلس الوزاري التركي قرارًا يقضي بتحويل مسجد آيا صوفيا إلى متحف سنة 1934م، “ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزيٌ ولهم في الآخرة عذاب عظيم” (البقرة، 114).

بعد 4 قرون: الحكم الأتاتوركي يجهز على مسجد آيا صوفيا

بقى مسجد آيا صوفيا دارًا للعبادة ما يقارب 481 سنة لم يمسسه سوء، إلا أنه وفي فترة ضعف للمسلمين، وفي فترة تسلط حكم ديكتاتوري عسكري؛ أجهز على آخر أنفاس الخلافة العثمانية، مستمدًا الدعم من البريطانيين بشكل خاص، ومستحضرًا حقدًا دفينًا في نفوس الصليبيين على كل ما له علاقة بالإسلام والمسلمين.

اتخذ مصطفى كمال أتاتورك قرارات تهدف إلى إقبار المعالم، والمعابد، والمآثر الإسلامية، من لغة ودين ووحدة إسلامية بين العرب والأتراك والقوميات الأخرى؛ فهدم مساجد، وغير لغة الكتابة من العربية إلى اللاتينية، ومنع الحجاب، طالبًا ود أوروبا. ومن جملة قراراته في حق الإسلام والمسلمين تجميد أداء العبادات في مسجد آيا صوفيا سنة 1931م، ما دفع بشاعر النيل حافظ إبراهيم (1872-1932) إلى نظم أبيات يعبر فيها عن حزنه على المسجد، وعن خوفه من تحويله إلى معبد صليبي يشرك فيه بالله قائلًا:

آيا صوفيا حان التفرق فاذكري *** عهود كرام فيك صلوا وسلموا
إذا عدت يومًا للصليب وأهله *** وحلى نواحيك المسيح ومريم
ودقت نواقيس وقام مزمر *** من الروم في محرابه يترنم
فلا تنكري عهد المآذن إنه *** على الله من عهد النواقيس أكرم

وليس ببعيد من زمن حسرة شاعر النيل، يأتي القرار الجائر بتحويل جامع إسلامي إلى متحف سنة 1934، مسجد آيا صوفيا الذي أوقفه محمد الفاتح للمسلمين؛ وقد اشتراه بِحُر ماله؛ وأوقفه للمسلمين.

لم يقف من اتبعوا درب أتاتورك عند هذا الحد؛ بل وبضغط لوبي يوناني بالولايات المتحدة قامت منظمة الأمم المتحدة للتربية ولعلوم والثقافة (اليونسكو) بإدراج المسجد متحفًا ضمن التراث العالمي سنة 1985.

86 سنة والمسلمون في حسرة على مسجد آيا صوفيا وعملت بعض الهيئات المدنية للضغط على السلطة التركية لتحقيق الهدف المنشود ألا وهو إلغاء القرار الأتاتوركي، ومن ضمنها “جمعية شباب الأناضول” التي نظمت فعالية لصلاة الفجر في ساحة المسجد سنة 2014 تحت شعار “أحضر سجادتك وتعال”.

وزعمت الجمعية معلنةً أنها جمعت 15 مليون توقيع للمطالبة بإعادة فتح الجامع، إلا أنها لقيت رفضًا صريحًا من السلطة التركية؛ حيث جاء على لسان مستشار رئيس الوزراء آنذاك “أنه لا نية هناك بتغيير الوضع الحالي لآيا صوفيا”، وهي دلالة واضحة على وجود هدف باطني مستقبلي لإعادة فتح مسجد آيا صوفيا لإقامة الشعائر الدينية.

ويعزز هذا الطرح، حديث محمد العباسي الصحافي المختص في الشأن التركي، والذي صرح له الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، سنة 1994 عندما أصبح رئيسًا لبلدية إسطنبول، أنه “سيعمل على إعادة آيا صوفيا مسجدًا من جديد” ما يُفهم معه أن الحرقة التي لقي المسلمون من تحويل المسجد لمتحف لم تنطفئ إلى يومنا هذا.

بعد طول انتظار وترقب لمآل حال آيا صوفيا “الأيقونة المذللة” يأتي قرار المحكمة الإدارية العليا في تركيا؛ بعدم صواب تحويل الجامع إلى متحف، وصدّرت قرارًا يومه العاشر من يوليو، يفيد بموافقتها على إرجاعه مسجدًا من جديد. اتخذ القرار وصدر مرسوم بإعادة فتح مسجد آيا صوفيا بشكل رسمي يوم 24 يوليو 2020.

اقرأ أيضًا: آيا صوفيا: تحفة إسطنبول تسقط أقنعة الحاقدين

انتقادات عودة آيا صوفيا لسابق عهدها

استبشر المسلمون خيرًا بهذا القرار الروحي والرمزي؛ إلا أنه لم يمر مرور الكرام، ولا نسيمًا عليلًا على الغرب، ولا على الشرق بدوره، ولا على الطائفة المسيحية من أرثوذكس وبروتستانت وكاثوليك. ليواجه القرار التركي بوابل من الانتقادات نقف على بعضها وندلي بدلونا في متنها:

منظمة اليونسكو

من ضمن المنتقدين لقرار تحويل آيا صوفيا لجامع، منظمة اليونسكو التي أعربت عن “أسفها من قرار تركيا القاضي بتحويل آيا صوفيا إلى مسجد”، مضيفةً أنه مسجل ضمن التراث العالمي كمتحف.

استعملت المنظمة في نقدها مفرد “تحويل” بدل “إعادة” وهي بهذا الشكل لا تعترف بالوضع الاعتباري السابق لما كان عليه مسجد آيا صوفيا ولا بمكانته عند المسلمين، ولا حتى بملكيته للدولة التركية كوقف إسلامي خصه السلطان محمد الفاتح.

وخلاصة الرد على رأي المنظمة المسيرة، يمكن القول إن القرار أولًا وآخرًا هو قرار سيادي لا يحق لأي جهة كانت أن تتدخل فيه، والجامع يندرج ضمن ممتلكات الدولة التركية التي لو كان في قرارها مخالفة للقانون الدولي؛ لتم اتخاذ إجراءات التحول دون تنفيذه، ثم إن تغيير حال الجامع من مسجد إلى متحف أتى بناء على قرار للسلطة التركية؛ وبالتالي يحق لهذه السلطة القائمة اليوم إلغاء القرار بقرار مماثل؛ بل وتطبعه المساندة الشعبية في ظل نظام ديمقراطي.

الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا

لم تصمت الكنيسة الأرثوذكسية بروسيا، وجاء في وكالة الأنباء الروسية “تاس”، نقلاً عن المتحدث باسم الكنيسة فلاديمير ليغويدا، قوله “إن الكنيسة تتأسف لأن المحكمة التركية لم تأخذ مواطن قلقها في الاعتبار حين قضت في مسألة وضع آيا صوفيا، إذ أن هذا القرار قد يفضي إلى انقسامات أعمق”.

الحكومة اليونانية

من جانبها، اعتبرت حكومة اليونان الخصم التقليدي لتركيا أن قرار القضاء التركي بفتح الطريق أمام تحويل كنيسة آيا صوفيا في إسطنبول إلى مسجد “استفزاز للعالم المتحضر”.

بدوره نقل موقع “فرانس 24” الفرنسي، تنديد رئيس وزراء اليونان “كيرياكوس ميسوتاكيس”، بأشد العبارات قرار تركيا تحويل آيا صوفيا في إسطنبول إلى مسجد.

ونفس الموقع نقل أن وزيرة الثقافة اليونانية، لينا مندوني، ذكرت في بيان أن “النزعة القومية التي يبديها الرئيس التركي تعيد بلاده ستة قرون إلى الوراء”.

ولابد لنا من وقفة عند الانتقادات اليونانية الرسمية بالأساس، والتي تعتبر في استنكارها أن القرار هو تحويل من متحف إلى جامع، ناسيةً أو متناسيةً أن مسجد آيا صوفيا هو دار عبادة للمسلمين بكل ما للشرعية من تعريفات، وهو إرث عثماني سليم الملكية غير مغتصب، ولا مسلوب، وأشرنا إلى ذلك أعلاه؛ بحيث لا سلطة لغير المسلمين على هذا الجامع.

ثم إن الجانب اليوناني الذي لم ينتفع بحكمة بعض فلاسفته سليمي المنطق والمنظور، وبدلًا من الإدلاء بما يفيد خطأ القرار التركي -إن وجد- وبما يفيد التطاول على ملك في نظرهم لا زال روماني، وهو ما لن يستطيعوه أصلًا وهم يعلمون ويتغاضون عن ذلك، ذهبوا إلى دغدغة عاطفة الطائفة الأرثوذكسية، وتأجيج مشاعرها خاصة ومشاعر المسيحيين عامة، بغية إثارة الصراعات الدينية، وإيقاظًا لفتنة التنافر بين الأطياف الإسلامية والمسيحية بتركيا.

شرعية تحويل المتحف لمسجد

ويضرب المسؤولون اليونانيون عرض الحائط النسبة التي يشكلها المسلمون في هذا البلد، والتي تصل على أقل تقدير وأدنى نسبة يمكن اعتمادها إلى 89%، وهذا ما نستخلصه من دراسة أجرتها شركة OPTIMAR للأبحاث – في الفترة 7 و 14 مايو من سنة 2019 – شارك فيها 3500 شخص في 26 مدينة (دراسة منشورة على موقع زمان ZAMAN التركية) وكانت نتائج استطلاع الرأي بخلاصة كالتالي:

  • 89% يؤمنون بوجود الله ووحدانيته.
  • 4.5% يعتقدون بوجود الله لكن لا يؤمنون بالأديان.
  • 2.7% غير متأكدون من وجود خالق من عدمه.
  • 1.7% لا يعتقدون أن هناك خالقًا.
  • 1.7% بدون إجابة.

لا يهمنا من هذه الدراسة إلا النسبة التي يشكلها المسلمون في تركيا، والتي تخالفها دراسات أخرى يضيق المقام بذكرها، يزيد فيها نسبة المسلمين عن النسبة التي خلصت إليها هذه الدراسة، بل هناك بعض استطلاعات الرأي تفيد عن وجود نسبة 99% من المسلمين، إلا أننا ارتأينا اختيار الدراسة التي توثق لأضعف نسبة، قصد إبراز حجم المسلمين بأرض العثمانيين، وتفنيد دفوعات الجانب اليوناني ومن على نهجهم.

وبالتالي الأغلبية الساحقة للمسلمين تعطي المشروعية لصناع القرار باتخاذ كل قرار يخدم مصلحتهم، ومن طبيعة الحال دون الإضرار بمصالح الأقليات الأخرى، ولم نقف على دفع منطقي فيما يخص مسجد آيا صوفيا من أي جهة، ولا برهان على أن أي أقلية تضررت من قرار إعادة الجامع إلى ما كان عليه قبل تحويله إلى متحف بشطط في استعمال السلطة.

ولا شك أن الوفود التي قدمت إلى ساحة “آيا صوفيا” ابتهاجًا وسرورًا بإعادة فتحه جامعًا؛ لهي خير دليل على التعطش الذي عانى منه المسلمون مدة 86 سنة من الحجر على المسجد، ولهو برهان قوي على التأييد الشعبي لهذه الخطوة.

ولا ننتهي عند هذا الحد، بل نتعداه إلى الوقوف على معنى “العالم المتحضر” الذي صدر من الجانب اليوناني، ويفهم منه أن المقصود بالمعنى هم “المسيحيون”، وبالقراءة العكسية لهذا المفهوم والمحتمل من خلال السياق الذي جاء في التنديد، واستحضارًا للسيرورة التاريخية التي طبعت علاقة المسلمين بالصليبيين، يتبين أن المجتمع غير المتحضر والذي يقصده المنتقد (الحكومة اليونانية) هو “المجتمع الإسلامي” وهذه إساءة بعينها للمسلمين من جانب لطالما عبر صراحة عن حقده وعداوته للإسلام والمسلمين على مر التاريخ.

هي انتقادات وهناك أخرى سقنا بعضها فقط على سبيل التوضيح والتعقيب، اعترضت على القرار التركي المتعلق بفتح صرح آيا صوفيا مسجدًا من جديد، وفي خطاب رسمي وجهه الرئيس التركي عقب توقيعه على مرسوم إعادة فتح مسجد آيا صوفيا لاستقبال المصلين، بلّغ رسائل مفتوحة إلى جهات بعينها ضمن خطابه قائلًا: “لن أقبل بالتدخل الخارجي في الشأن التركي، كما أننا لا نتدخل في شؤون الدول الأخرى، وأن آيا صوفيا تتعلق بسيادة تركيا”.

وأضاف “أردوغان”: “إنه لم يتكلم أحد عندما تم الإجهاز على مقدسات إسلامية في دول أخرى”، في إشارة إلى المساجد التي كانت بالأندلس على سبيل المثال وتم تحويلها لكنائس.

ولنا في قصر الحمراء بالأندلس خير نموذج لمسجد حوله الصليبيون اغتصابًا واستيلاءً لكنيسة تحت اسم “سانتا ماريا”، ويعتبر اليوم ضمن قائمة كنوز إسبانيا الاثنا عشر، هذا المسجد الذي شيده الملك أبو عبدالله محمد الأول بن الأحمر، في مملكة غرناطة خلال النصف الثاني من القرن العاشر ميلادي.

وأيضًا مسجد قرطبة الكبير الذي بدأت عمليات تشييده زمن أمير قرطبة عبد الرحمان الأول، سنة 784م، واستغرق تطويره ما يقرب من قرنين ونصف، واعتبر في فترة حكم الأمير عبد الرحمن الثالث، أفخم وأكبر مساجد قرطبة، إلا أنه بسقوط الحكم الأندلسي على يد ملك قشتالة فرديناند الثالث تم طمس هويته، وحوله الصليبيون إلى كاتدرائية باسم “مريم العذراء” مع مجموعة من المساجد التي لم تسلم بدورها من الدمار والتغيير.

ولو أن المسلمين انتهجوا نهج الصليبيين في تدمير المعابد والكنائس لما بقي في بلاد المسلمين معبدًا لغير المسلمين، وهذا من طبيعة الحال لا ينسجم مع التعاليم الإسلامية الآمرة بالتعايش السلمي بين الأديان وحفظ حقوق الأقليات.

لماذا تأخر القرار التركي كل هذا الوقت؟

ودون الخوض في النوايا، وحسبنا الوقوف عند السمات الظاهرة، وفي قراءة للسياق الزمكاني، نتساءل عن دوافع أو إكراهات تأخير القرار التركي هذه المدة الطويلة من الزمن التي حكم فيها حزب العدالة والتنمية برئاسة أردوغان؟

ويكفينا أن ندرج احتمالين يقبلان الثالث والرابع؛ يبقى للقارئ استخلاصهم مما سبق عن جدوى هذا التأخير:

احتمال أول: نراه في ضعف الحكومة التركية خلال الفترة التي ارتفعت فيها أصوات المطالبة بإعادة مسجد أيا صوفيا إلى سابق عهده كجامع من جديد؛ وهي التي تلت الربيع العربي؛ أي بعد سنة 2011 والتي انشغل فيها المسلمون بمشاكلهم الداخلية، واستغنوا إلى حد ما عن التحديات التي يواجهها الإسلام دوليًا؛ وبالتالي لن يكون للسلطات التركية دعم شعبي إسلامي عربي.

وفي تعليلها لعدم الفتح، قالت السلطات التركية على لسان رجب طيب أردوغان سنة 2013 “أنه لا يفكر في تغيير وضع آيا صوفيا؛ ما دام هناك صرح إسلامي عظيم آخر في إسطنبول شبه خاو من المصلين”، وهو مسجد “السلطان أحمد” الذي يرجع بناؤه إلى القرن 17م، لافتًا أن في المدينة أكثر من 3000 مسجد.

فهل اليوم امتلأ المسجد الأحمدي واحتاج المسلمون لمكان آخر يملؤونه؟ من طبيعة الحال كلا، وهذا ما يزكي قولنا أن الضعف كان سائدًا إلى فترة ليست بالبعيدة، ولا نقول إن القوة التركية بلغت ذروتها اليوم لتقوم بهذه الخطوة؛ بل هناك عوامل نفضل إدراجها في الكواليس، والتي تحتاج لمقال خاص مفصل مرتبط بعوامل داخلية وخارجية للسياسة التركية، وبتنازلات منها الهينة ومنها العصية.

احتمال ثاني: وهو الأقرب، أن الرئيس التركي ومن على نهجه جعلوا من مسجد آيا صوفيا ورقة احتياط يمكن إشهارها عند الحاجة إلى الضغط على أوروبا، وعند الحاجة من جهة أخرى إلى المساندة الداخلية (مسلمو التركي) والمساندة الخارجية (مسلمو العرب).

وكما هو معلوم في الساحة الدولية، فإن الحكومة التركية تخوض في ملفات معقدة الحلول، ومن أعقدها الملف السوري والملف الليبي، وتتصارع مع أطراف إقليمية ودولية قصد إثبات الذات، وفرض نفسها كلاعب مؤثر في المنطقة، كما أنها تعرف بعض التراجعات في اقتصادها؛ ناتج عن تراكمات الضغوط الدولية بسبب الملفين السوري والليبي، وتواجَه بتحالفات متعددة الأطراف.

كلها عوامل عجلت بالإسراع لإخراج هذه الورقة الاحتياطية، لتعيد توهج النظام الحاكم من جديد، وتعيد لأردوغان بريق نجمه الذي بدأ بالأفول منذ فترة ليست بالقصيرة.

والسؤال الذي يبقى للزمن الإجابة عليه هو؛ كم من الأوراق بعد يخفيها الرئيس التركي وحاشيته (اللغة، العلمانية…) والتي قد تكون حاليًا مواضيع لمفاوضات بينه كرئيس، وبين خصومه من معارضة داخلية ومن روس وأوروبيين، إلخ.

والأيام دول.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق