سياسة وتاريخ

رغم حيادها.. هكذا تخطط واشنطن لإغراق تركيا في المستنقع الليبي

يتمثل نهج الدول الكبرى بالعالم في التدخلات الدولية لكنها لا تقبل بظهور قوى دولية أو إقليمية جديدة، وعندما تحاول بعض الدول النامية أن تبرز نفسها كقوة صاعدة على المسرح الدولي وتنافس الدول الكبرى في بعض الملفات المهمة الأمنية والاستراتيجية، يبدأ مسلسل استدراج هذه الدول إلى صراعات وحروب خارج أرضها ليتم القضاء عليها عبر حروب وعقوبات طويلة الأمد، والشواهد على ذلك كثيرة.

هذا السيناريو من التدخلات الدولية حدث مع العراق بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية في أغسطس من عام 1988، التي دامت ثمان سنوات، وأعلن العراق -وقتها- خروجه منتصرًا، وكانت بغداد في ذلك الوقت قوة إقليمية لا يستهان بها في الشرق الأوسط.

ويعتبر اللقاء الشهير بين الرئيس العراقي السابق صدام حسين والسفيرة الأمريكية غلاسبي، في يوليو من عام 1990، حيث علقت على حشود صدام العسكرية على حدود الكويت، قائلةً: “ليس لدينا أي رأي حول الصراعات العربية-العربية مثل نزاعك مع الكويت”. وكان هذا التعليق بمثابة ضوء أخضر اعتمد عليه الرئيس العراقي -حينها- صدام حسين، في غزو الكويت، ثم كانت الكارثة باستدراج العراق إلى حرب ثم عقوبات طويلة الأمد أضعفت البلاد وأنهت دوره العربي والإقليمي.

كما يرى الكثيرون أن هذا السيناريو تكرر مع مصر أيام الرئيس السابق جمال عبدالناصر، عندما استدرج إلى الحرب في اليمن عام 1962 حيث بدد احتياطي مصر من الذهب في اليمن ودمر الاقتصاد المصري وضحى بأرواح عشرات الألوف من الجيش المصري كما أن وجود أكثر من 50 ألف جندي مصري في اليمن هو السبب الرئيسي في وقوع كارثة 1967 عندما نجحت إسرائيل في استدراج مصر إلى حرب توقفت بعد إصدار مجلس الأمن قرارًا بوقف إطلاق النار بعد أن سقطت الكثير من الأراضي العربية. وهكذا نجحت إسرائيل في التوسع على حساب العرب.

لعل الموقف الأمريكي الغامض من التدخلات الدولية في طرابلس يُعقّد القضية الليبية أكثر؛ فاتصال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بالجنرال خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي، في أبريل 2019، لمباركة الحملة التي كان يقودها للسيطرة على العاصمة الليبية طرابلس.

أعقب ذلك الاتصال الذي جرى بين الرئيسين ترامب ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، وجرى خلاله التأكيد على أهمية الدور التركي في المنطقة، مما يجعل من الموقف الأمريكي مريبًا وغير واضح.

وفي الواقع، لا يوجد ارتباك أو تردد في الموقف الأمريكي من التدخلات الدولية في ليبيا، بل هو مدروس ومحسوب وهو إغراق كافة الأطراف المتنازعة في المستنقع الليبي وخصوصًا تركيا بعد أن شكل تهديدًا للأوروبيين عبر المهاجرين غير الشرعيين، واستنزاف الاتحاد الأوروبي بمليارات الدولارات كمساعدات إنسانية للاجئين، ووقف الهجرة إلى أوروبا. ومن جهة أخرى إضعاف تركيا في الداخل؛ عبر ضرب العملة الوطنية، وانهيار الاقتصاد، ثم إخراجها من سوريا، وإقامة دولة كردية ممتدة من شمال العراق شرقًا إلى شمال سوريا غرباً مرورًا بالمناطق التركية ذات الأغلبية الكردية.

لاشك أن التاريخ هو الذي يشهد على الماضي والحاضر وما يمكن أن يكون عليه المستقبل وأن أخذ العبرة والاستفادة من الماضي تجنب الدول الوقوع في ذات الأخطاء.

اقرأ أيضًا: صراع مصر ضد تركيا بحلبة ليبيا المفعول بها

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق