سياسة وتاريخ

رعاة الغنم أصبحوا حكامًا.. تاريخ تأسيس إمبراطورية أرطغل

يرجع أصل الأتراك العثمانيين إلى أقدم ظهور لهم في القرن السادس الميلادي، عند قيام إمبراطورية قوية في آسيا الوسطى تمتد عبر الهضاب من حدود الصين إلى البحر الأسود، أساسها شعب يُدعى “توكيو”، والذي حُرّف الاسم بعد ذلك إلى “ترك”.

ولم يكن الأتراك العثمانيين القدامى متوحشين؛ وإنما حظوا بقدر غير قليل من الحضارة، فكانت لهم لغة مكتوبة، واعتنقت بعض طوائفهم الديانات المعروفة آنذاك كالبوذية والمانوية والميسيحية والنسطورية، لكنها كانت قصيرة العمر، وتفككت إلى طوائف متحاربة وقع بعضهم تحت نفوذ الصين.

وبدأ الأتراك العثمانيين في ظل الإسلام في الظهور على الساحة، وخاصة بعد سقوط الدولة الساسانية في بلاد فارس، مما أزال أمامهم العائق الذي كان يقف في وجه حركة الهجرة التركية من أوسط آسيا نحو الغرب.

وقد كانت دولة الخلافة الأموية تضم عناصر تركية لكن نفوذهم بدا واضحًا في عهد الدولة العباسية، بعدما كان الاعتماد عليهم في سير دفة الأمور والحكم لموازنة النفوذ الفارسي الذي كان له اليد العليا. فبرز القادة ورجال الدولة ورجال الإدارة والحكام الأتراك، ونشأت الدويلات التركية شبه مستقلّة تدين من الناحيه الاسمية لدولة الخلافة ومن أهمهم الدولة السلجوقية.

وأغلب الروايات التي قيلت في حق الدولة العثمانية غير معروفة على وجه التحديد، فليس لهم تاريخ مكتوب بأيديهم قبل سقوط القسطنطينية، والكتابات التاريخية العثمانية لم تنشر إلا قليل عن الدولة العثمانية قبل استقرارهم في الأناضول.

وعلى الرغم من اختلاف الرويات الخاصة بأصل الأتراك العثمانيين إلا أنها تلتقي جميعاً عند إرجاع أصلهم إلى قبيلة “فابي خان”، وهي فرع من الأتراك التركمان، الذين هم بدورهم طبقًا للأسطورة من نسل يافث بن نوح، وتعرض في تكرار ملح لقصة هجرتهم الغريبة تحت ضغوط المغول من موطنهم في آسيا إلى الأناضول. وذلك حتى دخول أرطغرل أبو عثمان المؤسس في خدمة علاء الدين الأول سلطان دولة المسلمين السلاجقة، وترد تفاصيل هذه القصة على النحو التالي:

هاجر سليمان شاه مع قبيلته ومعه ألف فارس إلى بلاد الأناضول فاستقر في بلدة في شرقي تركيا الحالية قرب بحيرة أرمينيا ثم أراد العودة إلى بلاده، وأثناء عبوره مع عشيرته نهر الفرات سقط في النهر وغرق.

وترك سليمان شاه من بعده أربعة أبناء، رجع اثنان منهم إلى حيث جاءوا، بينما تابع الأخوان المسير إلى الشمال الشرقي ومعهما أربعمائة أسرة.

وبينما تسير القافلة تحت قيادة أرطغرل لمحوا جيشين يتقاتلان بالأناضول دون أن يعلموا شيئًا عن هويتهما، فسارعوا إلى نجدة الفريق الأقل عددًا بدافعٍ من النخوة ونصرة الضعيف، وبفضل مساعدتهم انتصر الجيش الذي ساعدوه على الجيش الآخر، وكان المنتصرون هم من المسلمين السلاجقة والآخر كان من المغول، فما كان من السلطان علاء الدين إلا أن كافأ أرطغرل على ما قام به وأقطعه بقعة من الأرض بجانب بلاد الروم في الغرب من دولة السلاجقة.

وأغلب الظن أن أسلاف الأتراك العثمانيين كانوا مجرد رعاة متجولين يبيعون خدمتهم لمن يبذل العطاء، ثم أتيح لهم الاتصال في ظروف غير معروفة على وجه الدقة بالسلطان علاء الدين الذي كافأهم على إخلاصهم بمنحهم قطعة أرض.

لم يقنع أرطغل بتلك الأرض المهداه، فشرع في توسيع دائرة أملاكه على حساب أراضي الدولة البيزنطية بالأناضول، ونجح في سياسة التوسيع فضم إلى منطقة مدينة “أسكي شهر”.

ومات أرطغرل عن عمر يناهز ثلاثة وتسعين عامًا، ثم تولى بعده الحكم ابنه عثمان الذي انتسبت الدولة إليه؛ لكونه أكد استقلال الدولة التام إثر انهيار دولة سلاجقة الروم، فاستحق أن يكون اسمه شعارًا للدولة باعتباره زعيم لشعب محارب.

وسرعان ما نمت هذه الإمارة لتصبح دولة مترامية الأطراف حكمت شعوبًا وقبائلًا ومللًا ونحلًا غير متجانسة وامتد عمر الدولة العثمانية 623 عامًا، واختلف عليها ما يناهز أربعون حاكماً.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عبدالله احمد علي الدالي

متخصص في التاريخ والاثار المصرية والاسلامية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق