سياسة و تاريخ

رصاصة عبد الناصر الأولى والأخيرة!

في مساء يوم 22 مايو 1967، أعلن الرئيس جمال عبد الناصر، من قاعدة أبوصوير الجوية، قرار الجمهورية العربية المتحدة بغلق خليج العقبة أمام الملاحة الإسرائيلية،وكذلك أمام ناقلات البترول الإيراني، على أن يتم تنفيذ القرار من صباح الغد، وكان عبد الناصر قد وقع أمرا عسكريا، صباح ذلك اليوم، بأن تقوم سفينتان حربيتان بمراقبة الملاحة ليلا ونهارا من وإلى الخليج.

كان ذلك القرار متوقعا ومنتظرا، خاصة مع وصول بعض وحدات الجيش المصري إلى شرم الشيخ، بعد انسحاب قوات الطوارئ الدولية، بناءا على الطلب المصري قبلها بأسبوع، وكان معلوما لدى القيادة المصرية أن تلك الخطوة، إذا أقدمت عليها، لا تعني سوى الحرب، لكن بشكل من الأشكال كان هناك “تصور”، حتى تلك اللحظة، أن الأزمة ستنتهي دون حرب، رغم تقارير ومعلومات شبه مؤكدة أن إسرائيل هذه المرة مصممة على إشعال النار في المنطقة!

حتى ذلك اليوم، كانت الفعل المصري، أو بالأحرى رد الفعل المصري، على تطورات أزمة الشرق الأوسط، تدور كلها حول هدف درء المخاطر عن سوريا (وربما الأردن) فسبب الأزمة من الأصل هو الحشود العسكرية الكبيرة التي دفعت بها إسرائيل ناحية خط الهدنة في الشمال، واستمرار انتهاكها للمنطقة المنزوعة السلاح هناك، وكذلك الهجمات المتكررة لعناصر المقاومة الفلسطينية بين كل فترة وأخرى، ولم يكن القرار بسحب قوات الطوارئ الدولية من سيناء سوى استجابة لضغوط مارستها الإذاعات العربية المعارضة، ثم إنه كان ممارسة للسيادة المصرية على أراضيها، وأما مسألة غلق الخليج فكانت تمثل تحديا لنظرية الأمن الإسرائيلي، فإسرائيل لا تقبل أبدا أن يتم فرض أي أمر واقع عليها، أو حرمانها من ميزة تحصلّت عليها سابقا، وكلا الأمرين متحقق فيما أقدم عليه عبد الناصر مساء ذلك اليوم.

حتى قبل القرار، الذي اتخذه عبد الناصر، لم يكن معروفا على نطاق واسع أن سفن  إسرائيل لها حق المرور من وإلى خليج العقبة، وهو حق لم تستخدمه كثيرا نظرا لحالة الحرب بينها وبين مصر منذ عام 1948، وبعد فشل العدوان الثلاثي، 1956، وبسبب ضغوط هائلة وضمانات أمريكية واضحة وصريحة، ويتدخل شخصي من الرئيس الأمريكي، دوايت أيزنهاور، وافقت مصر على السماح للدولة العبرية باستخدام المضيق، من وإلى ميناء إيلات، ونتيجة لوجود قوات الطوارئ الدولية في سيناء، وفي شرم الشيخ تحديدا، لم يكن من الوارد حدوث أية احتكاكات، ومما طمأن مصر كثيرا، أن إسرائيل لم تكن تعتمد في وارداتها على ذلك الميناء، بل كانت موانئها على البحر المتوسط تكفيها وزيادة، لكن في نفس الوقت كانت إسرائيل تعتبر، برغم كل شيء، أن خليج العقبة مفتوح أمامها، ودائما كان قادتها يعتبرون إغلاقه في وجه سفنها، سببا كافيا للحرب، ومن ذلك كله فليس مستغربا أن ليفي أشكول، رئيس الوزراء وقتها، لم يعلن عن دعوة احتياطي جيشه للخدمة العاملة إلاّ بعد قرار مصر بغلق الخليج.

لا شك أن مجرى وطبيعة الأزمة، بين إسرائيل وباقي دول ما كانت تعرف بدول المواجهة في ذلك الوقت، تغير كثيرا، فبعد أن كانت مجرد تهديدات ومناوشات هنا وهناك، أصبحت مواجهة صريحة بين مصر، بكل ما تمثله، وبين إسرائيل، بكل ما تعنيه، مع اختلاف تصورات وتقديرات ومعلومات وقدرات وأهداف كل دولة منهما.

وكما هو واضح ومعلوم، بعد مرور كل تلك السنوات، فإن مصر بكل مؤسساتها لم يكن لديها تصور أو معرفة لما يُخطط لها، رغم كل التحذيرات والمعلومات التي حصلت عليها من هنا وهناك، وفي نفس الوقت كانت إسرائيل تعرف تماما ماذا تريد، وكلها ثقة في قدراتها العسكرية والسياسية للحصول عليه، ومن هنا يمكن اعتبار أن قرار عبد الناصر في ذلك المساء كان آخر قرار “حقيقي” سياسي وعسكري صدر عن مصر قبيل اندلاع الحرب في صباح يوم الإثنين 5 يونيو 1967.

 
الوسوم

طاهر عبد الرحمن

أقرأ التاريخ لأفهم المستقبل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق