مدونات
أحدث المقالات

رسالة من الأستاذ هيكل

يوم 17 فبراير 2016 اتصل بي أخي الصغير ليخبرني بوفاة محمد حسنين هيكل، فهو يعرف، كما يعرف المقربون مني، أنه خبر مهم، وربما حزين، جدا لي، لما أكنّه من تقدير واهتمام لا حدود له بكل ما يتعلق بالأستاذ. كانت الساعة في حدود العاشرة والنصف صباحا، وكنت نائما كعادتي بعد تناول الإفطار، تلقيت الاتصال وأنا مغمض العينين، وقدم لي أخي «عزائه»(!)، ولم أقل له شيئا سوى «ماشي»، وأغلقت الخط وأكملت النوم!

ومع أنه لم يقل لي أي شيء من وقتها وحتى الأن، إلا أن دهشته  من ردة فعلي كانت واضحة جدا، فهو -وغيره- لم يصدّقوا أنني، بعد سنوات طويلة قضيتها في قراءة كل حرف كتبه هيكل، وتتبع حواراته ولقاءاته وتصريحاته، سأكون بهذا «البرود» واللامبالاة تجاه خبر وفاته!

في الحقيقة لم يكن برودا أو لامبالاة، وإنما كان موقفا «واقعيا»، فهكذا الحياة، وكلنا سنرحل في مواعيد محددة سلفا. نعم كنت حزينا لرحيل واحد من أهم الصحفيين والكتاب في مصر والعالم، لكن مهما كان فإن حزني عليه ليس «شخصيا» ولا علاقة له بأي «عاطفة». نعم هو كاتبي المفضل، وكنت ولازلت أبحث عن رأيه ورؤيته في كثير من الأحداث، وخسارة مصر برحيله كبيرة، مهما كان الموقف السياسي والفكري منه وعليه وحوله، ولذلك لم أكن في حاجة إلى إظهار الحزن على وفاته لأي أحد.

ومن ناحية أخرى كانت الأخبار عنه وعن اعتلال صحته تملأ الفضائيات والصحف قبل الوفاة بأيام، وكان ذلك متوقعا، خصوصا مع سنه المتقدمة (93 عاما)، وفي الليلة السابقة على رحيله كانت هناك أنباء مؤكدة على أن الرجل يحتضر، ولذلك ربما كنت مهيئا نفسيا لتلقي خبر الوفاة، وبالتالي أكملت نومي بشكل طبيعي حتى الظهر يومها!!

في ذلك اليوم، وفي الأيام التي تلته، وبينما أتابع احتفاء الصحف والقنوات الفضائية بالكاتب والمفكر والإنسان، تذكرت موقفه يوم جنازة صديقه الكبير، جمال عبد الناصر، حيث ظل كما قال هو فيما بعد، يردد بينه وبين نفسه وهو يرى بحر الدموع التي سكبها الشعب المصري على قائده وزعيمه: “غدا سأبكي”، وهو عنوان فيلم شهير في الستينات.

وفي الحقيقة أنني لم أبك، لا “غدا” ولا بعد غد، ليس عن تحجر للمشاعر أو لعدم وجود رابطة إنسانية بينه وبيني، بل من حقيقة أن ما يبقى من أي كاتب ومفكر هو تراثه وقدر إسهاماته في المجال العام، ومن هنا فإن محمد حسنين هيكل باقٍ ولم يغب، بكتبه وأحاديثه وأيضا بما لم يُنشر من أوراقه حتى الأن.

ومع أن أحدا لم يدعني للمشاركة في وداعه أو فيما بعد في ذكراه، إلا أنني دائما أحب أن أقدم “تحية” خاصة له كلما مرت ذكرى ميلاده أو وفاته، وفاءا من قاريء ظل سنين طويلة يلهث خلف كاتبه المفضل ويحرص على معرفة رأيه ورؤيته للأحداث وللتاريخ وللرجال.

بدأت علاقتي بالرجل من موقع الكراهية التامة له ولفكره، وكان ذلك تأثرا بقراءات لآخرين كانوا كما يقولون يكرهون العمى ولا يطيقونه، لكني مع أول كتاب قرأته له وقعت في غرام قلمه، الذي كان بالنسبة لطالب صغير السن والعقل، قلما مختلفا، يملك عبارات ومفردات شبه سحرية، ومن هنا لم تكن متابعتي لما يكتبه من موقف فكري أو سياسي متحيز، بل كانت من أجل المتعة اللغوية والإنشائية التي يقدمها في مقالاته وكتبه.

وربما لا أكون مبالغا إن قلت إن الأستاذ هيكل كان من أهم عوامل قراري بدراسة الصحافة، وليس ذلك موقفي وحده بل هو موقف، أو لنقل حلم، الكثيرين، الذين حلموا بمكانة وموقع هيكل، ليس فقط على المستوى المحلي أو الإقليمي، بل و العالمي فلقد كان واحدا من أهم وأغلى عشرة كتاب على مستوى العالم، حتى أن أكبر صحيفة يابانية اختارته ليشارك هنري كيسنجر ومارجريت تاتشر وجورباتشوف في كتابة مقال لها.

ذلك الحب الجارف لقلمه لا يمنعني القول أنني، كمواطن وإنسان حر يختار ويقرر ما يشاء، كنت أختلف كثير مما يطرحه هيكل، وعلى مر السنين تراكمت عندي مجموعة كبيرة من الأسئلة والاستفسارات كنت أود مناقشتها معه، وكان ذلك دافعي لكتابة رسائل له أطلب منه اللقاء.

حتى جاء يوم من أيام صيف عام 2001 تلقيت منه خطابا رقيقا وفيه وعد صريح بتحديد موعد للقاء، لكن ذلك اللقاء لم يتم، رغم إلحاحي المتواصل، ربما لانشغاله أو لأي سبب آخر، حتى كان موعد الرحيل في شتاء 2016.

لا مجال هنا لعرض ما كنت أريد مناقشته فيه، ربما يحين ذلك فيما بعد، لكن ما لا أمل منه كل عام هو دعوتي لأسرته وأصدقائه ومحبيه بسرعة في نشر أوراق الرجل غير المنشورة في حياته، فقيمة هذه الأوراق تتخطى أي تصور، وبالتأكيد ستلقي أضواءا على العصر الذي عاشه، وما مر بمصر والعالم العربي من أحداث منذ منتصف القرن العشرين وحتى العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين.

إن محمد حسنين هيكل لم يكن مجرد صحفي عادي، ولا كاتب متميز، بل كان شاهدا على كثير حدث، وهناك شهود كثّر بطبيعة الحال، لكنه كان قادرا على تسجيل الحدث، وموهبته في الكتابة لا تضاهى، ومن هنا فإن أوراقه ليست مجرد تسجيل للحدث بقدر ما هي رؤية له، ومن كافة جوانبه.

وأما على المستوى الشخصي فإنني وإن لم أبكيه بالدموع، إلاّ أنه سيظل يلازمني نوع من “الندم” أو الأسف لأنني لم ألح في طلب لقائه أكثر وأكثر حتى يقبل، وسيظل خطابه لي، رغم كل شيء، واحدا من مصادر “فخري” حتى وإن لم يتحقق الوعد الذي جاء فيه!

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

طاهر عبد الرحمن

أقرأ التاريخ لأفهم المستقبل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق