علوم وصحة

رسائل مفقودة من آلاف السنين: الكشف عن DNA للإنسان القديم

عام 1984، نجح علماء الوراثة في استخلاص 229 زوجًا قاعديًا من الشفرة الجينية لحيوان الكواغة المنقرض، وهو عضو من عائلة الحصان. أثبت هذا الإنجاز أن المادة الوراثية يمكن أن تحفظ في المواد الميتة، وأدى ذلك إلى ولادة حقل دراسي جديد في علم الوراثة يعنى بدراسة DNA القديم.

يسمح التقدم التكنولوجي اليوم للعلماء بقراءة بلايين الرسائل المشفرة من المادة الوراثية في جينومات أسلاف الإنسان والكائنات الأخرى، مما يغير نظرتنا لتطور وتاريخ هذه الكائنات.

تلك الرسائل الجينية أشبه بـ”كتب في مكتبة مفقودة، بدأنا للتو تعلم قراءتها” كما عبر يوهانس كراوس (معهد ماكس بلانك لعلم الإنسان التطوري، ألمانيا).

وبالنسبة لعلماء الأنثروبولوجيا، يوفر DNA القديم تبصرات لا يمكن للأحافير والمصنوعات الأثرية تقديمها. وبناءً عليه، فقد تم حسم كثير من المسائل، منها علاقة الإنسان العاقل بإنسان نياندرتال، فقد أظهرت تحاليل الجينومات القديمة أن النوعين لم يلتقيا فحسب، بل حدثت زيجات مختلطة فيما بينهم عدة مرات، وذلك ما بين 40000 و100000 سنة مضت.

في عام 2010، كشف تحليل لجينوم استخلص من عظام خنصر في سيبيريا عن نوع بشري جديد عاصر إنسان نياندرتال، وسمي Denisovans. وأظهرت المادة الوراثية للدينيسوفان عن أنهم تزاوجوا مع بعض أسلاف البشر المعاصرين، مما منحهم جينات مفيدة في البيئات الباردة والمرتفعة.

في بداية الألفية، لم تكن هذه الاكتشافات ممكنة، فقد كان بإمكان العلماء قراءة امتدادات قصيرة من الجينومات القديمة، فركزت الدراسات على جينات بعينها، أو الكروموسوم الذكري Y، أو الدنا الكوندري وهو المناظر الأنثوي للصبغي Y. والتسلسلات القصيرة لا تعكس الأصول الكاملة للأفراد، لذلك فإن الباحثين يحتاجون DNA من كامل الجينوم.

والحصول على حمض نووي كامل من البشر الأحياء غير صعب، لكن عندما يتعلق الأمر بالمواد العضوية القديمة يصبح تحد هائل، إذ تتحلل المادة الوراثية مع الزمن إلى شدف، وتخضع لتفاعلات كيميائية تغير من ترميزها، كما أنها تتلوث بالحمض النووي الحديث.

ومؤخرًا، تم تطوير أساليب متخصصة لتحليل DNA القديم على مستوى الجينوم. يمكن لدراسات الحمض النووي القديم أن تعمق فهمنا لأصول الزراعة وانتشارها، تتبع تطور الأمراض ومقاومة الإنسان لها بمرور الوقت، بالتالي تكون مفيدة في المجال الطبي.

ويعمل الباحثون كذلك على تحديد الجينات التي يتفرد بها الإنسان على المستوى الأساسي، مما سيوحد ويعرف الجنس البشري. والآن سوف نتحدث عن مراحل وإجراءات استخلاص DNA من المواد العضوية القديمة:

  1. الاستخلاص: يتم تنظيف العظام والأنسجة الباقية في مختبر معقم، ويتم تفتيتها إلى مسحوق وتذويبها بمواد كيميائية لعزل شرائط DNA القصيرة.كل ما تود معرفته عن الدي إن إيه القديم aDNA
  2. حساء الحمض النووي: رغم عملية التنظيف، فإن المستخلص من العينات هو حساء من الحمض النووي (الدنا) والمواد الملوثة، ومعظمها من ميكروبات التربة التي كانت العظام مدفونة فيها. يضيف الباحثون العلامات الجزيئية التي ستعمل لاحقًا كشفرة تعرّف وتربط بشكل انتقائي المادة الوراثية للعثور على تسلسلات معينة.المادة الوراثية
  3. النُسخ: لقراءة الحمض النووي بسرعة ودقة، ينبغي على أجهزة الكومبيوتر تحليل ملايين النسخ في وقت واحد. يقوم العلماء بعمل هذه النسخ من خلال تسخين DNA المزدوج الشرائط، ما يجعله ينفصل. ثم تقوم الأنزيمات ببناء شرائط مزدوجة جديدة من كل نصف. يؤدي تكرار هذا الإجراء إلى تحويل الشريطين إلى أربعة، الأربعة إلى ثمانية، وهكذا إلى أن يصبح لدينا ملايين الشرائط المتطابقة في التشفير والعلامات. ونظرًا لأن الجينومات البشرية تتطابق بنسبة تزيد عن 99%، يقوم الباحثون غالبًا بنسخ الأجزاء المختلفة فقط من المادة الوراثية بشكل انتقائي.كل ما تود معرفته عن الدي إن إيه القديم aDNA
  4. التسلسل: في المرحلة الأخيرة من النسخ، يقوم العلماء بتلوين قواعد النيكليوتيدات المختلفة كيميائيًا، المعروفة بالأحرف A T C G. تقرأ أجهزة الكومبيوتر شفرة المادة الوراثية بناء على الترتيب الذي تظهر به الألوان، وتحليل الشرائط المتطابقة مع العلامات الملائمة في آن واحد بغية التخلص من الأخطاء.
  5. المصادقة على النتائج: يستخدم الباحثون عددًا من الأدلة للتخلص من التلوث في الشفرة القديمة.

المادة الوراثية

  1. ترتيب الشرائط: يجب ترتيب الشرائط القصيرة التي تمت قراءة المادة الوراثية بها في مواضعها المناسبة في الجينوم الكامل. يقوم البرنامج الحاسوبي بترتيبها استنادًا على امتدادات متداخلة من الشفرة، والمقارنة مع جينومات مرجعية متسلسلة سابقًا.

لا ينبغي أن نعلق آمالا كبيرة على الحمض النووي القديم. لقد تم رفض دراسات أجريت في التسعينات لحمض نووي مستخرج من حفريات تعود إلى أكثر من 50 مليون سنة، على اعتبار أنها ملوثة. معظم عينات DNA جاءت من عينات يقل عمرها عن 50 ألف سنة، ومن بيئات باردة.

فرغم تقدم التقانات الحيوية، إلا أن عملية استخلاص المادة الوراثية ستظل مقيدة بعوامل الحفظ. عندما تموت الكائنات الحية يتحلل حمضها النووي، ويعتمد الوقت الذي يستغرقه ذلك على عوامل مثل درجة الحرارة وظروف الدفن، وعدد الميكروبات التي تساعد على تحلله.

تشير التوقعات إلى أنه في ظروف الحفظ المثلي (شديدة البرودة) يمكن للحمض النووي البقاء لمليون سنة. أقدم جينوم كامل تم استخلاصه يعود إلى 780.000-560.000 سنة، وهو لحصان من أرض متجمدة في كندا.

وأقدم جينوم بشري استخلص من أحد أسلاف النيندرتال يعود إلى 430.000 سنة، وقد حفظ بدرجة حرارة باردة تبلغ 50 فهرنهايت. بدأ علماء الوراثة بتحقيق النجاح في بيئات أكثر دفئًا، وهذا مهم كون معظم مراحل التطور البشري حصلت في إفريقيا.

وقد اكتُشف مؤخرًا أن المادة الوراثية تحفظ بشكل أفضل في العظم الصخري (جزء من العظم الصدغي) بما يزيد عن مئة مرة عن بقية العظام. وقد استخلص DNA من هذا العظم الكثيف في إحدى العينات من الشرق الأوسط وترجع إلى 12.000 سنة.

هنا سرد لبعض المسائل التي ساهم علم دراسة المادة الوراثية الأثرية DNA في حلها:

  • في عام 2014، استعاد الباحثون جينوم Anzick-1، وهو رضيع دفن برفقة أدوات من ثقافة كلوفيس، وهي ثقافة واسعة الانتشار في الأمريكتين. تؤكد النتائج أن الأمريكيين الأصليين ينحدرون في الغالب من السيبيريين الذين هاجروا منذ عدة آلاف من السنين قبل أن يعيش Anzick-1.
  • يُعتقد أن مرض السل في الأمريكتين وصل مع المستعمرين الأوروبيين، على الرغم من أن بعض الهياكل العظمية الأصلية العائدة لمراحل سابقة تظهر علامات المرض.
  • قام الباحثون في عام 2016 باستعادة حوالي 50،000 زوج أساسي من الشفرة الوراثية من الأحافير التي اكتشفت في كهف سيما دي لوس هويسوس بإسبانيا. وقد أكد الدنا القديم ما كان يعتقده العديد من علماء الآثار منذ فترة طويلة: إن أشباه البشر هؤلاء كانوا أسلاف إنسان نياندرتال.
  • يكشف الحمض النووي من 51 فردًا من الإنسان العاقل الأوروبي، من أولئك الذين وصلوا في موجات هجرة لاحقة قبل 37000 سنة مضت، أنهم تركوا أحفادًا باقين حتى يومنا هذا. ربما كان هناك أيضًا هجرة من الشرق الأدنى إلى أوروبا منذ 14000 عام تقريبًا، وقد تم اكتشاف ذلك لأول مرة بواسطة تحليل الحمض النووي في عام 2016.

المصدر: مجلة ديسكفر

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق