ثقافة وفنون

رحلة “ياسين” إلى صناعة الزجاج ضد الكسر

كنا قد تحدثنا في مقالنا السابق عن المراحل الهامة من حياة محمد سيد ياسين قبل دخوله إلى مجال صناعة الزجاج وكنا قد توقنا عند قيامه بتحويل سيارة نقل “لوري” لأتوبيس لنقل الناس بدلاً من الترام والحنطور، وكيف كان رد فعل الناس الرافض لهذا الأتوبيس، ثم ما لبسوا إلا وألفوا وجوده؛ حتى حقق مكاسب كبيرة جعلت أنظار الحكومة تتجه نحوه.

يذكر الكاتب عمر طاهر في كتابه “صنايعية مصر” بأن هذا “أثار شهية الفاسدين، حيث قالت الحكومة أن استغلال شوارعها يحتاج إلى نقطة نظام، ثم منحت حق النقل العام لشركة إنجليزية”.

وقام ياسين برفع دعوة قضائية ضد الحكومة لتعويضه عن الأضرار التي لحقت به، حتى جاءه مندوب الحكومة ليخبره بأن قضيته ستستغرق سنوات عديدة حتى يحصل على حكم يرضيه، وأن الحصول على حكم بالتعويض لن يقل عن عشر سنوات؛ فقام بتقديم عرض له مقابل تنازله عن القضية المرفوعة من قبله ضد الحكومة، وقام بمساومته بمبلغ ستة عشر ألفٍ يحصل عليها نقداً بمجرد تنازله عن القضية بدلاً من الانتظار لعشرة سنوات حتى يحصل على مبلغ مائة وخمسين ألف جنيه، وعملاً بقول “خسارة قريبة ولا مكسب بعيد” رضخ لهذا العرض وتنازل عن القضية.

بدأ ياسين يفكر في الخروج من الأزمة التي لحقت به من خلال البحث عن مشروع جديد يقوم بتنفيذه ولكن دون العودة مجدداً لمجال المقاولات، وأثناء جلوسه في غرفة خفير منزله وقعت عينه على لمبة الجاز، وظلت عينيه متوقفة عندها ردحًا من الوقت متأملاً فيها وباحثًا طريقة صنعها وبلد منشأها، فوجد أنها تصنع في بلجيكا، بدأت الأسئلة تدور في ذهنه “ماذا سيحدث إذا قمت بافتتاح مصنع في مصر؟ إنها صناعة حيوية ومتواجدة في جميع بيوت مصر”.

بدأ ياسين يصوب قبلته تجاه هذه الصناعة، وأخذ يبحث عنها فاكتشف أن هذه الصناعة كانت مستوطنة في مصر، وكانت هي من اخترعتها وقامت بتصديرها إلى جميع أنحاء العالم، ثم جار عليها الزمن و تحولت لمستورد بدلاً من مصدر لها.

تحرك ياسين تجاه هذه الصناعة، وبدأ يجمع معلوماته حول صناعة الزجاج التي لم يكن يعرف عنها إلا النذر اليسير؛ فقرر الذهاب إلى أوروبا لجمع المعلومات والبدء في تجهيز مصنع للزجاج بمصر، فذهب إلى ألمانيا وبلجيكا وعدة دول أوروبية أخرى، وقام بزيارة مصانع الزجاج الكبرى بأوروبا للوقوف على مراحل الإنتاج والجودة، ثم قرر العودة واستقدام خبراء أوروبيين ليكونوا عوناً له في هذا المجال.

بمجرد عودته من أوروبا، قرر افتتاح مصنعه على أن يقوم بصناعة لمبات الجاز، لكن ياسين لم تكن البداية معه جيدة؛ فالمستوردين وضعوا أمامه الصعاب وقرروا محاربته لأن مصنعه هذا سيجلب عليهم الخراب، وعلى مدار ثلاث سنوات لحقت به الخسارة، ويمكن الوقوف على هذه الخسارة لعدة أسباب منها؛ عدم اقتناع المستهلك بالمنتج، وكان هذا راجعًا لعدم إتقان العمال المصريين لهذه الصناعة.

لم يستسلم ياسين لهذا وحاول إيجاد مكانة له وسط سوق الزجاج، فقرر شراء أرض بمنطقة شبرا الخيمة لإقامة مصنعه الكبير، لكن كانت هناك عقبة تقف أمامه؛ وهي ابتعاد البنوك عن إقراضه بمبلغ ثمانين ألف جنيه، وكان تعليلهم لهذا بأن المصنع لن يقوم بتحقيق المكاسب كالمصنع السابق؛ حتى وجد ضالته عند طلعت حرب الذي قام بإقراضه بعد أن اقتنع بفكرته.

استطاع ياسين أن يحفر اسمه في وجدان المصريين في سنوات قليلة ليتحول مصنع صناعة الزجاج خاصته إلى مؤسسة كبرى لها دورها الاجتماعي والصناعي، فأقام ملاعب وحمامات سباحة للعمال؛ ثم سمح بتصوير الأفلام السينمائية داخل مؤسسته، وعمل على تدريب المصريين على هذه الصناعة حتى استغنى عن الخبراء الألمان، واستطاعت مصانعه الدخول في أشكال جديدة من صناعة الزجاج؛ فصنع طفايات السجائر، وأطقم العرائس، وزجاج البيوت، والمرآة، وزجاج السيارات، فحفر اسمه في وجدان كل أسرة مصرية.

مع ثورة 52 يوليو وفي إطار ثورة التأميم، تم ضم مصنع ياسين إلى الحكومة ليتحول اسمه من مصنع ياسين إلى شركة النصر لصناعة الزجاج والبلور .

 

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق