مدونات

رحلة الإنسان في الحياة ما بين الميلاد والرحيل

نمر في حياتنا بمراحل هلامية لا نعرف عنها شيئًا، ثم يتطور إدراكنا رويدًا رويدًا حتى نصبح قادرين على إدراك جميع الأمور بالعقل والشعور بها بالقلب، ونصبح في وسط الأحداث التي صنعناها نحن أو صنعها الآخرون، ونتفاعل بقوة مع الأحداث ونتأثر ونؤثر، حتى نظن أن حالنا سيبقي علي ماهو عليه. ثم يتطور الأمر مرة أخري رويدًا رويدًا. ولكن عكسيًا كما بدأنا، فنفقد الاهتمام والإدراك بأمور الحياة، حتى تأتي اللحظة الفاصلة التي نخرج فيها تمامًا عن الأحداث، وننتقل إلي عالم أخر برذخي لا نعلم عنه شيئًا سوى ما سمعنا وقرأنا وآمنا به. وهكذا تسري رحلة الإنسان علي ظهر الأرض.

المراحل الأولى من حياة الإنسان

حيث تبدأ رحلتنا في رحم أمهاتنا، لنبقى هناك تسعة أشهر لا نعرف عن هذه الحياة شيئًا ولا نتذكر منها شيئًا على الإطلاق حتى أن هذه التسعة أشهر  لا تحسب من ضمن عمرنا. ثم يتطور الأمر شيئًا فشيئًا. حتى تأتي اللحظة الفاصلة في رحلة الإنسان التي نخرج منها من أرحام أمهاتنا إلى عالم جديد تمامًا ومختلف نبدأ فيه التفاعل رويدًا رويدًا خلال الطفولة إلي الصبا ثم الشباب ثم الكهولة ثم الشيخوخة ثم الرحيل. ويتطور إدراكنا من لحظة الميلاد ولكن لا نعلم شيئًا ولا نتذكر منها شيئًا حتى عمر الثلاث أو الأربع سنوات، فلا أحد منا يتذكر الأحداث في السنوات الأولى من حياته، حتى ولو شاهد ألف صورة وصورة وألف فيلم وفيلم تم تصويرهم لنا في هذه المرحلة فلا نتذكر منها شيئًا رغم جمالها ونقائها وعذوبتها.

ثم يتطور إدراكنا بما حولنا فينعي الناس والأشياء رويدًا رويدًا, ونصبح قادرين على تذكر واسترجاع الأحداث في المرحلة الثانية من رحلة الإنسان أثناء الطفولة، ثم يزداد الإدراك في الصبا حتى يصل ذروته في الشباب والكهولة، فنصبح نحن الأحداث والأحداث نحن، وحتى نظن أننا مركز هذا العالم بحلوه ومره، وعذوبته وملحه، وأناسه وأشيائه، وحبه وكرهه.

ويستمر الحال هكذا حتى تصل النفس إلي مرحلة الشيخوخة فتكون قد أدركت كل شيء وتأثرت له وأثرت فيه، ولكن تفقد شهية التأثير والتأثر رويدًا رويدًا رغم رغبتها وتمسكها بالحياة، ولكن الشيخوخة لا تأبه بالرغبات والأمنيات.

ثم يسير العمر في مرحلة الشيخوخة بطيئًا أو سريعًا حسب خطوات صاحبه، ولكن يقل إدراكه بالحياة وذكرياته فيها رويدًا رويدًا حتى يصبح في استرجاع الذكريات ألم ووجع، ويقل إدراك النفس بالحياة حتى يصل إلي مستوى الطفولة الثانية، ثم يقل أكثر وأكثر حتى يصبح الإدراك شاحبًا وواهنًا وعاجزًا عن التذكر كما كان في المرحلة الأولي من الطفولة بعد الميلاد.

ثم تأتي اللحظة العكسية الفاصلة في رحلة الإنسان في الحياة والتي تشبه خروجنا من رحم أمهاتنا إلي العالم الجديد علينا في أناسه وأشيائه المتباينة، تأتي لحظة الرحيل الفاصلة هذه لنخرج من عنق رحم الدنيا إلي عالم آخر جديد لا نعرف عنه شيئًا.

عالم ليس لنا أو لغيرنا تجارب مسبقة فيه، عالم ليس في الأرض ولكنه في السماء، عالم الأرواح عندما تنسلخ من الأجساد وتسافر إلي السماء عند خالقها فتبقى هناك حتى تعود الروح إلى جسدها وترتد فيه قبل البعث. ماذا يحدث لنا في هذه المرحلة من رحلة الإنسان منذ خروجنا من رحم الحياة حتى عودتها إلي أجسادنا، لا أحد يعلم الحقيقة سوى ما سمعناه وقرأناه في الكتب المقدسة ونؤمن بحدوثه إيمانًا قاطعًا.

هل تستمر رحلة الإنسان بعد الرحيل؟

وتشبه مرحلة ما بعد الرحيل هذه، مرحلة وجودنا في رحم أمهاتنا وهي المرحلة التي لا نعرف عنها شيئا سوي ما أخبرنا به آبائنا وأمهاتنا من معلومات بسيطة، ولكن الجميع يجهل ماذا كان هناك في داخل الأرحام، فلم نسمع عن طفل نزل من بطن أمه يحكي لنا حكاية التسعة أشهر في بطن أمه. وكذلك تمامًا فلم يعد أحد من موته ليحكي لنا ماذا وجد هناك، ويقص علينا قصته في العالم الآخر. فإذا كان هناك عالم أول في حياتنا مجهول قبل ميلادنا، فهناك أيضًا عالم آخر مجهول بعد مماتنا.

رحلة الإنسان في الحياة رحلة طويلة وشائكة يمر بها كل من كتبت له الحياة علي هذه الأرض قصرت أم طالت .وقد استطيع القول إن رحلة الإنسان في الحياة من المهد إلي اللحد هي مجموع: [التسعة أشهر لحياتنا الأولي في رحم أمهاتنا + حياتنا بعد الميلاد (المرحلة الأولي من الطفولة + المرحلة الثانية من الطفولة + مرحلة الصبا + مرحلة الشباب + مرحلة الكهولة + مرحلة الشيخوخة) + المرحلة ما بعد الرحيل عن الدنيا حتى البعث]. أما الآخرة نفسها فتبدأ بعد البعث والحساب ثم الفوز بالجنة أو العذاب في النار والعياذ بالله من غضب الله. وهكذا نجد أنفسنا نبدأ حياتنا بمرحلة ما قبل الميلاد وبعد الميلاد ثم ننهيها بمرحلة ما بعد الموت وقبل البعث. وبعد انتهاء مجموع الحياة بمراحلها في الدنيا وخارج الدنيا، تبدأ مرحلة أخري لنا وهي مرحلة الخلود وليس الحياة، الخلود في النعيم المقيم أو العذاب المهين.

ورغم جهلنا بإدراك أحداث العالم الأول في رحم أمهاتنا والعالم الآخر في رحلة الإنسان ما بين الموت والبعث، إلا أن هناك بعض الفروقات بينهما. فكلنا نعلم بالتقريب طول الفترة التي عشناها في رحم أمهاتنا وكلنا يعلم، من خلال أبويه، زمان ولحظة وتوقيت ويوم ميلادنا وخروجنا من رحم أمهاتنا، وكلنا نعلم المكان الذي خرجنا فيه من رحم أمهاتنا سواء مستوصف أو مستشفي أو المنزل أو حتى الغيط أو الشارع. وعلى النقيض من ذلك، لا أحد منا يعلم زمان ولحظة رحيله عن الدنيا، ولا مكان رحيله عن الدنيا، ولا من سيكون بجواره أثناء رحيله، وما إذا كان مريضًا أو معافى، ولا عدد السنوات التي قضاها في الدنيا قبل رحيله، فالرحيل قد يأتي في أي وقت من رحلة الإنسان الطفولة أو الصبا أو الشباب أو الكهولة أو الشيخوخة.

وفي الحياة الأولي التي نجهلها، تكون صفحتنا فيها بيضاء تمامًا وخالية من كل سوء وشوائب بل يرفع عنها القلم حتي بعد الميلاد، فلا تحسب لها ذنوب أو معاصي حتى سن التكليف، وهي فترة إعداد كريمة للتعلم والتدريب واكتساب المهارات قبل أن يُحَط القلم ويبدأ في تسجيل الأحداث بعد سن التكليف. أما المرحلة ما بعد الرحيل والمجهولة أيضًا لنا فالعكس تمامًا، السجل مملوء عن آخره، ولا يغادر صغيرة أو كبيرة إلا أحصاها، أي يرحل الإنسان وسجله محفوظ وقد تم قفله تمامًا من أي إضافة، إلا من صدقة جارية، أو ولد صالح يدعوا له، حتي يحين وقت الحساب.

نهاية رحلة الإنسان

وبهذا نري أن نهاية رحلة الإنسان ورحيله عن الدنيا هي صورة معكوسة تمامًا لبداية مجيئه إلي الدنيا. وعلينا أن نتعظ من قانون الانعكاس هذا حتى يكون رحيلنا عن هذه الدنيا بأقل الخسائر الممكنة والمسطرة والمحفوظة في السجل من ذنوب ومعاصي صغيرها وكبيرها. صحيح أن الإنسان لن يدخل الجنة إلا برحمة الله وشفاعة سيد المرسلين وليس بأعماله، إلا أن الأعمال الطيبة وبنية ارضاء الله هي برهان عملي من العبد لربه أنه يحاول ويحاول بأقصي ما يمكن أن يكون عبدًا فاهمًا ومؤمنًا ومطيعًا ومستغفرًا وتائبًا إلي الله حتي يقبله الله ويرضي عنه ويغفر له ويدخله في معيته وجناته. وبالطبع لا بد من توفر حسن الظن بالله لتتحقق الأمنية الكبري في الزحزحة عن نار جهنم ودخول الجنة لنعيش الحياة الأبدية التي ليس بعدها جهل أو حساب.

جئنا إلي هذه الحياة بأمر من الله ولسبب يعلمه الله، وسنترك هذه الدنيا في وقت محدد يعلمه الله ولسبب يعلمه الله. وما بين المجيء والرحيل، ما علينا إلا أن نقوم بواجبنا نحو الله، ونحو الناس، ونحو الأشياء حيها وجمادها بقدر ما نستطيع حتي يأذن الله بالرحيل، وانتهاء رحلة الإنسان في الحياة، ونترك الدنيا بلا رجعة وكأنها لم تكن، وكأننا لم نكن فيها يومًا واحدًا.

اقرأ أيضًا :

هل يمكن أن يشعر الإنسان باقتراب أجله أم أنها مجرد تهيؤات؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

د. محمد لبيب سالم

نبذة عن الكاتب ولد د. محمد لبيب سالم في 28 ديسمبر 1962 في قرية دهتورة مركز زفتي محافظة الغربية. ويشغل د. لبيب حاليا أستاذ علم المناعة بكلية العلوم جامعة طنطا ومدير مركز التميز لأبحاث السرطان والمدير السابق لمركز المشروعات والابتكارات ونقل التكنولوجيا بـجامعة طنطا والمشرف على مركز تنمية إقليم الدلتا التابع لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا ورئيس مجلس ادارة الجمعية المصرية لأبحاث السرطان. حصل د. لبيب علي وسام العلوم والفنون من الطبقة الاولي من السيد رئيس الجمهورية في 2019 وجائزة الدولة التقديرية لعام 2018 وجائزة الدولة للتفوق لعام 2009 وجائزة الدولة التشجيعية لعام 2003 وجائزة جامعة طنطا التقديرية لعام 2015. حصل د. لبيب علي بكالوريوس العلوم عام ١٩٨٤، وماجستير العلوم في ١٩٨٩، والدكتوراه في ١٩٩٥ من خلال بعثة إلي جامعة كيوشو باليابان. حصل علي منحة باحث بعد الدكتوراه في الفترة من ١٩٩٧ -٢٠٠١ ثم أستاذ زائر بالجامعة الطبية بكارولينا الجنوبية بأمريكيا الفترة في من ٢٠٠١ -٢٠١٠. د. لبيب باحث في علم المناعة له أكثر من 120 بحث وخمسة فصول في كتب علمية. و أكثر من 30 مشروع بحثي و 85 رسالة ماجستير ودكتوراه وشارك في 90 مؤتمر دولي والقي اكثر من 80 محاضرة علمية في مصر والخارج. د. لبيب عضو في اتحاد الكتاب مصر ومستشار علمي لمنظمة المجتمع العلمي العربي وعضو في هيئة التحرير والتقييم للعديد من الدوريات العلمية. قام د. لبيب بتأليف 8 اعمال ادبية من 2014 حتي الآن عبارة عن 4 روايات واربعة مجموعات قصصية وله أكثر من 70 مقالا في تبسيط العلوم والتي تم نشرها في العديد من المواقع والجرائد والمجلات المصرية والعربية. كما يلقي د. لبيب محاضرات عامة في الجامعات والمدارس والجمعيات الأهلية عن الادب والعلم وتبسيط العلوم والإعجاز العلمي في البيولوجيا عامة والجهاز المناعي خاصة. كما أن له قناة على اليوتيوب يقدم فيها محاضراته. تأليف 56 مقال باللغة العربية في تبسيط العلوم والتي تم نشرها في العديد من المواقع والجرائد والمجلات المصرية والعربية مثل الفيصل، العربي والعلم وكذلك على العديد من المواقع العربية مثل موقع منظمة المجتمع العلمي العربي وموضوع والصحف مثل روز ليوسف والديار والسبورة. أهم الأعمال الأدبية المنشورة : 1. رواية بعنوان "الرصاصة الجينية " – الناشر: دار النابغة –مصر 2019 2. كتاب "زواج بويضة" ضمن سلسلة المكتبة العلمية -كتب علمية مبسطة. الناشر: أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا -مصر , 2019 3. كتاب "سفاري إلى الجهاز المناعي" ضمن سلسلة المكتبة العلمية -كتب علمية مبسطة. الناشر: أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا -مصر , 2018 4. راوية بعنوان "وقت للبيع" عن دار أطلس للنشر والتوزيع 2014. 5. رواية بعنوان :كاندليه" عن دار اطلس للنشر والتوزيع 2016 6. مجموعة قصصية بعنوان "العشق الحلال" عن دار اطلس للنشر والتوزيع 2015 7. مجموعة قصصية بعنوان "زحمة مشاعر" عن دار أطلس للنشر والتوزيع 2015 8. مجموعة قصصية بعنوان "مشاعر لا تعرف السقوط". تحت الطبع. الناشر: دار النابغة –مصر 2019 9. كتاب بعنوان "من ذكريات المدن- رحلتي إلي اليابان " من ادب الرحلات والسيرة الذاتية - تحت الاعداد 10. كتاب بعنوان "من ذكريات المدن- رحلتي إلي امريكا" من ادب الرحلات والسيرة الذاتية - تحت الاعداد 11. كتاب بعنوان "تأملات في الجهاز المناعي – تبسيط العلوم - تحت الاعداد 12. كتاب بعنوان "تأملات في بيولوجيا النفس" – تحت الاعداد البريد الإلكتروني [email protected] [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق