ثقافة وفنون

رحلة إلى الماضي لمقابلة أجدادنا

في هذا المقال سوف نجري تجرِبة ذهنية مدهشة، فكن مستعدًا. سوف ندخل آلة الزمن ونذهب في رحلة إلى الماضي لنستمتع بوقتنا. والآن، لنعد عشرة آلاف سنة إلى الوراء.

أفترض أننا محظوظون بما يكفي لنهبط في منطقة تسمى اليوم المريبط على ضفاف الفرات في سوريا. في قرى هذا الموقع اكتشف الناس الزراعة وشملت محاصيلهم القمح والشعير والزيتون والعنب. في معظم الأماكن الأخرى سيكون النمط المعيشي للجماعات قائما على “الصيد والالتقاط”. إذ أنهم يصطادون الحيوانات ويجمعون البذور والحبوب والحشائش.
لنلق نظرة عن قرب على حياة الناس هنا.

لن نستطيع التواصل معهم لأن لغتهم غير مفهومة لنا. هم يرتدون ثيابًا مصنوعة من الجلود رغم أن المناخ آخذ بالتحسن بعد انتهاء عصر جليدي، فالرطوبة تزداد مع ارتفاع منسوب مياه البحر. إنهم يقومون بتربية الأغنام والأبقار والكلاب والماعز ويربطونهم بالقرب منهم كي يأكلوا ما يجاورهم من حشائش. بيوتهم دائرية كبيرة مبنية على سطح الأرض من الطين المشوي وأسقفها من القش والخشب. وقراهم صغيرة بعض الشيء، وتضم حوالي 300 فردا. لديهم عادات غريبة بعض الشيء، فهم يعبدون “ألألهه الأم”، يصنعون لها تماثيل من الطين والحجر، وهي تبدو امرأة حامل بأثداء وأرداف كبيرة تعبيرا عن الخصب. يمارس الرجال الصيد والبناء وصيد الأسماك وتقوم النساء بأعمال المنزل وقطف الثمار والحبوب المزروعة وفرزها وتجهيز الطعام.

قبل أن نمضي في رحلة اليوم إلى الماضي ابحث قليلًا بين هؤلاء الأشخاص المسالمين، فلربما تعثر على جدك ال400! خذ جدك ال400 ولنكمل رحلتنا برفقته:

‏لننطلق بآلة الزمن عائدين 20000 سنة مضت. سنقابل جدك رقم 800 وهو جد جدك الذي اصطحبناه من المريبط ال400. سيكون بلا شك لقاء حميميًا. سيخبرنا جدك الكبير (ربما بلغة الإشارة) أن جماعته يعملون في الصيد وجمع الثمار ويعيشون في معسكرات مؤقتة في جماعات تضم كل جماعة منها 30 فردا. يتنقلون من مكان إلى آخر يصطادون الحيوانات البرية ويجمعون الثمار والجذور. سيسعد ويتفاجأ حين يخبره حفيده 400 أنهم في عصره قد اكتشفوا الزراعة ودجنوا الحيوانات! وبالطبع لن تخبره بالتطورات التي سيبدعها أحفاده بعد 20 ألف سنة لأنه لن يصدقك.
‏(أفترض هنا أنك استطعت التحدث مع أجدادك لأن اللغات مختلفة كليًا)

لنضاعف زمن عودتنا 30 مرة. لنجد أنفسنا في منطقة أتابيوركا بشكال بإسبانيا قبل 600000. لنراقب من بعيد. هنالك جماعة من البشر البدائيين الغريبي الشكل يدفنون موتاهم في حفرة عميقة ما بين التلال. إننا نسمي هؤلاء الناس اليوم “إنسان هايدلبرغ”. رجال غرباء قصار القامة برؤوس كبيرة يرمون جثث موتاهم في حفرة. ثم يضعون فوقها بلطة من الكوارتز قربانا. إنه نمط بدائي من الدفن الجنائزي.

لن نقترب منهم، لكن لو فعلنا ووقعت في عشق فتاة منهم فإنكما لن تكونا جدين أبدًا. التناسل بينكما سينتج إنسانا عقيمًا. إننا نتشارك في نفس الجنس ‏Homo‏، لكننا متمايزان نوعيًا، كتمايز النمر والأسد. ستكون قصة حب لا تتحدث عنها الذرية رغم كونها مادة مغرية لسينما عصر الإنسان الحديث.

لنكمل رحلة الزمن ونضاعف العودة إلى الماضي مليون عام. في إحدى بقاع إفريقيا الشرقية سنقابل جماعات ممن نسميهم الإنسان المنتصب. إنهم غريبون جدًا وجسدهم نحيل ووجوههم خشنة ومتينة، جبهة متراجعة وذقون غير واضحة وأنوف كبيرة. بعض الأفراد يخرجون إلى الصيد، وآخرون يصنعون أدوات حجرية بواسطة الطرق والقدح بنوى صوانية. النساء يعتنين بالأطفال (الذين ينضجون بسرعة، وأخريات يحضرن لعودة الرجال. إن لديهم تنظيما من نوع ما، ويتواصلون بلغة ورموز غير مفهومة لنا. بالتأكيد لن تقع في حب إحداهن، لأنك ستلاحظ أن الناس هنا يختلفون عنا بشكل واضح. قد تعثر على جدك رقم 40000، لكن لن نصطحبه معنا فهو منشغل بصنع رأس لسهام الصيد مستخدما يمناه، وهو غالبًا عاري الثياب.

لنمر للحظة إلى الخلف مليون عام آخر. سنرى كائنا قصيرا كثيف الشعر يتلمس الحجارة بيديه بشكل غريب، يحمل أحدها ويحطم بها العظام ليصل إلى النخاع. لا تشمئز منه فهو جدك (أو جدي) رقم 80000.

هيا نمضي إلى الوراء 6 ملايين عام. ما الذي سنراه؟ الصورة ضبابية بعض الشيء. شرق وادي الصدع العظيم سنقابل كائنات صغيرة تشبه قردة الشميانزي والبنوبو. إن كان كلام العلماء صحيحًا، فإننا قد نقابل جدنا ال250 ألف تقريبًا بين هؤلاء الكائنات المرحة. وبما أننا أرهقنا من رحلة العودة إلى الماضي فإننا سنعود إلى المستقبل، مرورًا على محطاتنا السابقة لإعادة أجدادنا الذين رافقونا في هذه الرحلة، إذ أن حياتهم ستكون بمأمن أكثر من جلبهم إلى حضارتنا الحديثة التي لن يصدقوا ولو في الأحلام أن قيامها سيكون واردًا. إن الماضي مليء بالحنين، لكن المستقبل مليء بالحلم.
ها قد انتهت رحلتنا.

اقرأ أيضًا :

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق