أسلوب حياة

ربما ذكرى خرجت من الركام.. التفسير النفسي للشعور بالخوف بلا سبب

الخوف! مصطلح لطالما أرعب الكثيرين، بل الخوف الطبيعي نفسه يعتبر آلية بقاء وحفظ في أعماق عقلنا الباطن (اللاوعي) مهما تعددت وتنوعت أسبابه إلا أن الشعور بالخوف يبقى عنصر يضمن الاستقرار والتوازن النفسي، أما الخوف المرضي فهو خوف مفرط ويعيقنا عن التقدم والتطور.

إذن فما طبيعة الخوف؟ ولماذا نترك مخاوفنا الممرضة تسيطر علينا؟ وهل من سبيل نحو توجيه مخاوفنا والنقص من حدتها الى أن تختفي تماماً؟

الشعور بالخوف هو ردة فعل تجاه تجربة أو صدمة لم نجد لها مخرجًا في أعماقنا ولم نستطع فهمها، وتتكرر في كل فترة بحيث تصبح تدايقنا وتخنقنا، بل تسبب رعب وخوف حاد، والخوف المرضي ليس بالضرورة مرتبط بتجربة قاسية بل قد يكون سببه الخيال، بحيث نخاف من أشياء بعيدة الحدوث.

وجد الخبراء أن 90% من مخاوفنا ليست موجودة وغير حقيقية، بل نتوهم أنها كذلك، والغريب في الأمر أن عقلنا يصدق ذلك! والسبب يرجع إلا أنه عندنا خوف متراكم ( مقموع ومكبوت) راكمناه منذ الصغر في العقل الباطن، فامتلك سطوة وقوة مما تشعب وأصبحنا بالتالي نخاف من مواقف متعددة ومختلفة لا تستدعي الخوف، فالذي يثير مخاوفنا ليس محفز خارجي بقدر ما هو كمية الخوف المتراكمة داخلنا، فمثلاً من يشعر بالخوف وعدم الأمان يرى العالم ساحة مرعبة وفقًا لكمية الخوف التي يضمرها في أعماقه.

والمخاوف تستدعي تصحيح الموقف المفزع الذي تعرضنا له، وذلك عبر تغيير الموقف بنتائج إيجابية بدل المواقف السيئة وسلبية التي تعرضنا لها وبذلك يتم الشفاء.

إننا لا ينتابنا الشعور بالخوف من موقف لما هو عليه سواء كان مخيفًا بحق، وإنما نخاف وفقًا لتصور الذي ارتبط في ذهننا عن أشياء بعينها نخاف منها أكثر من غيرها، والدليل على صحة ما أقول هو أن هناك من يخاف من الظلام وآخر من النور، هناك من يخاف من الموت وآخر من الحياة، هناك من يخاف من الإيذاء وآخر  من السلامة، هناك من يخاف من المرتفعات وآخر من المنبسطات.. والقائمة جد طويلة!

إذن نخاف من أجل أشياء تركت فينا انطباعًا منذ الصغر؛ كالخوف من بعض الأصوات بعينها، والخوف من بعض ما نراه بأعيننا؛ لذلك فكل شخص له نظام التقاط المعلومات الحسية من الوسط الخارجي ويتسلل الخوف منه تبعًا لذلك، فهناك من يخيفه الصراخ أو البكاء أو الشجار لماذا؟ لأنه منذ صغره سمع أو رأى تجربة اقترنت بالصراخ أو البكاء والألم وشجار. إننا نحزن وبقوة أي حدث مر بنا في بنك الذاكرة لعقلنا اللاواعي.

الشيء الجميل في الأمر هو أننا يمكننا دومًا توجيه مخاوفنا والحد منها عبر سلسلة استراتيجيات، كالتسليم الخوف المقموع، واسترجاع سياق الحدث الذي تسبب لك في خوف وتصحيحه، ورغم ذلك يبقى جزء من مخاوفنا ضروري لكي نستمر على قيد الحياة، فإن لم يكن الخوف ضروريًا كآلية دفاع فإنك بعد أي تجربة فيها ضرر لصحتنا لن تتعرف أنها كذلك لتتجنبها مرة أخرى، وهنا أضرب مثالًا لنار التي تحرق الطفل الصغير فيتولد في أعماقه خوف من النار فيتجنبها مرة أخرى ولولا هذا الخوف من الأذى لاستمر في وضع يده على النار المرة تلو الأخرى.

إن الشعور بالخوف هو السبب وراء الكثير من الأمراض الجسدية، وكذلك يمنعنا من المبادرة وتحقيق أهدافنا، فنحن كبشر نخاف من المجهول، من أي شيء جديد علينا لم نتعود بعد عليه، ولكن بمجرد انخراطنا فيه يصبح مألوفًا، والتساؤل المطروح هنا إذا كان الخوف يزول من بعد اكتشافنا ما هو غامض لنا فلماذا نخاف من الأساس؟ ربما الخوف هنا هو علامة على أننا فعلًا يجب أن نتخطى هذا الخوف لنصل إلى تجارب وعوالم أرحب من التي نعيش فيها حاليًا، فتطور مستويات وعينا يتم عبر اتخاد موقف من مخاوفنا، اتخاد شيء حيالها.

إننا لسنا نخاف مما فعله الناس لنا أو تجاهنا، بل نخاف من ردة فعلهم معنا، فنحن غالبًا في جانب العلاقات ما نحمي وبشدة أنفسنا من شيء تسبب لنا في ألم لا ينسى، فنحتاط بدافع الخوف ألا نقع فيه مرة أخرى.

هناك الخوف الذي يستحثنا للقيام بعمل، وإن لم نقم به فتنتظرنا عقوبة أو نحرم من المكافأة، فهذا الخوف هو محفز ودافع نحو العمل والجد للحصول على المكافأة. إن الخوف المذموم هو من يمنعنا من المبادرة وتجربة أشياء تعود علينا بالنفع وذلك بسبب الخوف من التغيير ونحب أن نبقى على ما نحن عليه وهذا من المستحيلات.

إن مواجهة مخاوفنا هو السبيل الوحيد نحو الحد منها، فالتجارب التي كانت تخيفنا في الماضي أصبحت الآن مصدر قوة لنا، فأي انتصار على مخاوفك هو في الحقيقة انتصار على نفسك، ذلك الجانب القاصر فينا، المسؤول عن معظم مخاوفنا،وهذه الأخيرة لن تتوقف يومًا، بل في كل تحد جديد تظهر مخاوف جديدة معلنة عن مستوى آخر يجب علينا الارتقاء فيه لكي لا تصبح حتى أكثر المواقف مدعاة للخوف تخيفنا، فذاتنا تكتسب مناعة ضد الخوف وذلك بمواجهة الخوف وخوض التجارب المخيفة.

اقرأ أيضًا: كهف أفلاطون والخوف في زمن كورونا

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أيوب حطوبا

أيوب حطوبا العمر : 31 سنة طالب باحث في التنمية الذاتية وعلم نفس بدأت مسيرتي ب قراءة الكتب(التنمية الذاتية وعلم نفس) لما يقرب من 15 سنة، ثم توجت هذه التجربة بتلخيص الكتب وأخيرا كتابة مقالات عند مدونة 22 arabi. أتمنى أن أفيد وأستفيد معكم. شكرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق