سياسة و تاريخ

راسبوتين ونهاية حكم القياصرة في روسيا

تعد هذه القصة واحدة من أشهر قصص الغموض في العالم بطلها هو جريجوري راسبوتين، فقصة حياته كانت ملهمة للسينما العالمية في الكثير من الأعمال، كان آخرها مسلسل The Last czarsعلى شبكة نيتفلكس.

ولد راسبوتين عام 1869 في إحدى قرى روسيا وبالتحديد في قرية بوكروفسكوي في  مقاطعة سيبريا بروسيا، له سبعة إخوة كلهم ماتوا في بداية سن المراهقة، وهو الوحيد من بقي على قيد الحياة من إخوته بعد مرحلة المراهقة.

في طفولته تعرض للغرق، وبعد نجاته ظل طريح الفراش لردح من الزمن، وبعد شفائه بدأ في الحديث عن القوى الخفية التي رآها أثناء مرضه والتي مكنته من إبراء المرضى من الأمراض، فكانت له قدرات خارقة في الشفاء، فكان يضع يده على الحصان وبمجرد لمسه شفي من الأمراض، وقد أطلق عليه اسم ” راستوبين ” نظرا لقدراته هذه، وهذا الاسم يعني “الفاجر ” في اللغة الروسية.

على الرغم من قدراته الخارقة هذه لم ينل راستوبين أي تعليم نظامي أو رسمي فقد كان أميا رغم تفوقه، ونظرا لقوته الخارقة تزوج راستوبين وهو لم يكمل بعد عامه العشرين وعندما بلغ سن الثلاثين كان لديه أربعة أبناء، تأثر هذا الكاهن بحياته الروحانية فكان يؤمن بضرورة ارتكاب المعاصي حتى يعرف العبد لذة التوبة فأكثر من شرب الخمور ومعاشرة البغايا متناقضا مع حياته الزوجية، وقد بغض أهل قريته هذه الأفعال لكن لم يجدوا حيلة معه حتى اتهم في سرقة حصان حينها وجد أهل القرية مرادهم في إخراجه من القرية .

وجد راستوبين نفسه رحالة متجولا بين البلدان، فكثرت رحلاته والتي تميز معظمها بالطابع الديني ذات طابع أقرب ما يكون للصوفية، فملابسه كانت تبقى عليه مدة الشهرين دون أن يغيرها، علاوة على أنه مقيد بالأغلال الحديدية في معظم رحلاته وهو ما زاد من معاناته، فسكن في دير بجبال الأورال وهناك تعلم الرهبنة، ثم انتقل بعد ذلك إلى اليونان حيث جبل أثوس مركز الحياة الرهبانية في اليونان.

انضم بعد ذلك إلى طائفة تسمى بخاليستي وهي طائفة غير شرعية تمارس التطرف كالجلد والممارسات الجنسية غير الشرعية، فجمع بين الروحانيات والأفعال الشاذة، وهي أفعال استمرت مع راستوبين طيلة حياته معتقدا أن تعمد ارتكاب الذنوب هي أحد الطرق الناجحة في التقرب إلى الله.

ظلت حياته في تجوال حتى قادته أقدامه إلى سان بطرسبرغ هناك نال ثقة القساوسة وقادة الكنيسة.

في عام 1903 ذاع صيته في هذه المدينة، وبدأ في إظهار السمو الديني والزهد الصوفي وهو ما فعله مسبقا، ومكنته هذه الهالة التي رسمها لنفسه من كسب ثقة الطبقة الأرستقراطية والطبقة العليا من المجتمع فكثر الحديث عن قوته الروحية ونظراته الحادة المخيفة التي كانت تجعل الجميع يخشى النظر إلى عينيه فهي كانت مضيئة كعيون القطط، وبرع في أفعال التنجيم والسحر علاوة على ذلك تمكن من تحضير الأرواح وصادفت قدراته الخارقة هذه هوى أهل بطرسبرغ.

ذاع صيته في المدينة فقدراته لم يستطع أحد مضاهاتها، ومكنته أفعاله هذه من الوصول إلى العائلة الحاكمة في روسيا، وقد تضاربت الأقوال حول كيفية دخوله إلى بلاط القيصر، فبعض هذه الأقوال يشير إلى سيدتين شقيقتين كانتا من الأسرة الحاكمة في دولة الجبل الأسود وافتتنتا بأفعاله السحرية وبعد ذلك رشح عن طريقهما للقيصر.

هناك رأي آخر يؤكد على أن سبب دخول راستوبين لبلاط القيصر كان عن طريق تزكية نالها من ألكسندر فيودوروفونا كاهن الاعتراف وعالم اللاهوت الذي قدمه للبلاط بتزكية من راهبتين تعرفان باسم الغرابان وسميت الغرابان لسوادهما، وكانت مهمتهما إمداد البلاط بأمثال راسبوتين من الكهنة والصوفيين، وهو تقليد متبع في الأسرة الحاكمة لروسيا.

أيا كانت طريقة دخوله لبلاط القيصر نيكولا الثاني، فالثابت أن وريث عرش القيصر أليكسيس قد أصيب بنزيف حاد نظرا لمرضه بالسيلان، وقد دعي راستوبين للصلاة من أجله من قبل القيصر وزوجته ألكسندرا وبالفعل لبى دعوتهم، وكان لتواجده أن وقف النزيف  تحسنت صحة الوريث حتى اقتنع القيصر وزوجته بأن الشخص الوحيد القادر على علاج ابنهما هو راستوبين، وما عزز هذا تاريخ راستوبين أيضا فهو كانت له تجارب مماثلة مع شباب ونساء ورجال عانوا من المرض ولم يتمكن أحد من شفائهم إلا راستوبين، وهو ما أدى إلى وقوع القيصر تحت قدرات راسبوتين الخارق فاكتسب ثقته وأصبح ناصحه الأمين، فاطلع على أسراره وأصبح له ميعاد أسبوعي يلتقي به القيصر والملكة، فلا أحد يجرؤ على اعتراضه داخل القصر نظرا لتأثيره القوي على الأسرة.

اعتاد راستوبين السكر ومعاشرة البغايا، وبدأت الأقاويل تكثر حول سلوكه المشين المعروف لكل صغير وكبير في بطرسبرغ، علاوة على أنه كان يقنع النساء بضرورة ممارسة الجنس والوقوع في الخطيئة معه ليذوقوا لذة التوبة والخلاص من الذنوب، فهو كان مؤمنا بتعاليم خاليتستي بضرورة الخطيئة للوصول إلى حالة النشوة ثم التوبة والخلاص.

بدأ غضب القساوسة يزداد تجاه راستوبين بسبب سوء فعله، فالكنيسة الأرثوذكسية عارضته أكثر من مرة وكتبت فيه التقارير السرية حول فجوره وممارساته الشاذة والسكر والعربدة، لكن هذه التقارير لم تجد لها أذن مصغية داخل البلاط، فالقيصر كان يرى أن وجود راستوبين شيء هام في حياته لأنه هو الوحيد القادر على علاج زوجته الإمبراطورة من حالات الهيستريا التي تكانت تنتابها، علاوة على أن نبوءاته كانت تتحقق، كما أن نبوءته بعدم الدخول في الحرب ضد العثمانيين لخسارة هذه الحرب زادت من هذه الثقة، فكان من الصعب لأي أحد كسر ثقة القيصر في هذا الكاهن العربيد.

مع فشل القساوسة في زحزحة منزلة راستوبين عند القيصر، بدأت محاولات اغتياله تظهر على السطح، فضحايا ممارساته الشاذة كثر، منهم هذه السيدة التي وجهت له الطعنات لقتله في عام 1914 ودخل في غيبوبة شبه تامة واعتقد الجميع أن ميعاد موته قد اقترب نظرا لكثرة الطعنات التي أصابت جسده، لكن التوقعات بموته باءت كلها بالفشل وبدأ في استعادة صحته وحينها استغل راستوبين هذه الحادثة في التخلص من خصومه عن طريق الإيعاز للقيصر بأن هؤلاء كانوا يقفون وراء عملية اغتياله.

بدأت الطبقة الحاكمة تستشعر خطورة راستوبين وبنفوذه القاتل وأصبح التخلص منه ضرورة ملحة لخطورته على النظام الملكي فبدأوا بالتخطيط لاغتياله ووضعت الخطة من قبل أمراء الأسرة الحاكمة، فتمت دعوته لحضور إحدى الاحتفالات  الخاصة وفيها قدمت له المأكولات المليئة بالسموم والكافية لقتل عشرة شخص مرة واحدة علاوة على حقن الخمور بسم السيانيد.

السيانيد هي واحدة من أخطر أنواع السموم في العالم، فالتعرض لها عن طريق الاستنشاق يدخل الإنسان في غيبوبة من التشنجات يتبعها سكتة قلبية ثم الموت، وعلى الرغم من كثرة السموم التي وضعت لراسبوتين في الكحك وفي النبيذ إلا أنه لم يحدث له شيء بسبب فقدان السم تأثيره عليه فالجميع كان مصابا بالذهول لما حدث، ولما عجز السم عن قتله قام أحد الأمراء بأطلاق قرابة الخمسة رصاصات وقد ظنوا أنه قتل فذهب أحدهم إلى جثته ليجد به الروح ويتمكن منه راسبوتين لكن صرخات الأمير جعلت أصدقائه يسرعون إليه ليجدوا راستوبين ممسكا بقاتله فما كان منهم إلا أن اطلقوا الرصاصات تجاهه، ويقتل الكاهن الخارق للعادة على يد أبناء الأسرة الحاكمة، وقد وجدت جثة هذا الكاهن ملقاة في أحد الأنهار متجمدة.

الجدير بالذكر أن هذا الكاهن كان قد تنبأ بقتله، وحينها أخبر القيصر بأنه في حالة قتله فإن حكمه لن يدوم أكثر من عام، وبالفعل حدثت الثورة البلشفية وقتل القيصر وعائلته على يد البلاشفة.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق