مدونات

راحة البال

في وسط الطريق يقف الإنسان متجهما ومحدثا نفسه وماذا بعد؟ هل سأظل أقاتل في هذه الحياة بلا هدف، متى ستصل راحة البال للقلب ومن ثم الحصول على لحظات مسروقة من الفرح والسعادة بعد كل هذا الشجن والحزن والكلل الذي أضنى الفؤاد وجعله محطم الأحاسيس وخالي من المشاعر بلا نبض كالحجر الصخري الذي اشتاق لرذاد المطر وكالأرض المقدسة التي تشققت وجفت وبكت بعد حرمان قطرات الماء عنها وأغفلنا الطريق المقدس لبقعتها الطاهرة وأنين صراخها وإستغاثتها والشكر موصول لنا جميعا فقد واجهناها بالسكون والسكوت والركود والقنوع والقعود واللامبالاة.

فالقلب يتلون بالبياض الناصع ولا يؤذي أحدا كان عندما يعمر بذكر الله تعالى ويتقرب إليه بالعبادات من فروض وسنن ومعاملات، وإنما العقل هو الذي يتشلح بالسواد وهو رأس كل خطيئة والمخطط لها، فالعثرات قد توجد في طريق الإنسان رغما عنه وهناك آخر هو من يجلبها لنفسه وللأخرين دونما يشعر، تتسابق الأغلبية في جمع الأموال بأي وسيلة ناسينن ومتناسين الغاية الأسمى في الحياة “وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون” راحة البال بمثابة الهدف الذي يجهل الكثيرين قيمته وفائدته على الصحة والبدن والنفس والروح، القناعة أيضا كنز لا يفنى ولا ينفد وتشعرك بالرضا بما قسمه الله لك من حيث الإيمان بالقدر خيره وشره، مساعدة الآخرين هي الأخرى تؤدي إلى الشعور بالسكينة والمبيت للمرء منتشي بالسعادة وذلك بأنك كنت السبب في تخفيف الآلام والاوجاع التي أصابت عبدا من عباد الله.

الصراع بين بني البشر ما هو إلا طمع وجشع ورحمة منزوعة من القلوب سواء كان هذا الصراع دينيا أو إقتصاديا أو إجتماعيا أو سياسيا أو ثقافيا، طوال مراحل حياة الإنسان يحارب من أجل لقمة العيش وجمع الأموال والأبناء والأهل والصحة والشعور بالسعادة بعد تحقيق بعضا من أهدافه القريبة والبعيدة، ولكن في مرحلة معينة من العمر بعدما يضيع العمر في مطبات الحياة ويشتعل الرأس شيبا وتنكسر النفس إذلالا وإجبارا تحت وطأة سوط القوة لتبرير الوسيلة أو عندما تقع المصائب فوق رؤوس الأشهاد التي تفوق إمكانيات العقل أو فقدان القدرة على العمل تحت الضغط النفسي والصحي عندها فقط يتذكر أن راحة البال هي المنتهى والأبقى من أي شيء آخر كان، راحة البال والسعادة قد تكونا مترادفتان ويكملان بعضهما البعض وفي أحيانا أخرى يكونا متضادتان فليست السعادة وحدها هي من تجلب راحة البال فكم من سعداء يعانون من غياب راحة البال وتؤرق مضاجعهم أرقا، الذهب والفضة والماس واللؤلؤ والجواهر والنوم على ريش من حرير هي من تصنع السعادة ولكن قد تنغص عليك راحة البال وتزيد من فكرك وتوهانك وشتاتك، بأشياء بسيطة جدا قد ينعم عليك براحة البال وما أعظمها من نعمة لو يتدبرون.

الأفضل في الحياة لم يأتي بعد وهذا معناه أنه من الاصح التكيف مع الواقع والإستفادة بما هو في يدك خير مما هو في علم الغيب وغير معلوم وقت الوصول لمرحلة الموت وما يصاحبها من راحة البال الأبدية، طبقات المجتمع التى تفتت وأدى سقوطها فوق بعضها البعض وإمتزاجها إلى صعوبة التعرف والتفرقة بين كل منهم، بجانب تسلط الأنفس الشريرة وإستبدادها وإستعبادها للأجساد البريئة تحت أقدامها واللعب فوق ظهورها بعد ربط الشارات السودات حول أعينها واللاصقات على أفواها وسد آذانها بالأقطان، وما يترتب عليها من إنتشار النفاق الجم والتشرذم وفقدان الدين وإنحطاط الأخلاق في بئر سحيق، وتفشي أنواع من الجريمة لا يتخيلها عقل ولا يستوعبها قلب، والعمالة والخيانة ومساندة الباطل في سبيل كراسي مصنوعة من الخشب أو الكراسي الأخرى المرصعة باللؤلؤ أو تلك المطلية بالذهب وكلها جماد لا يرى ولا ينطق ولا يسمع ولكن يشعران من يجلس فوقهما بالعظمة وتملك الدنيا وما فيها تسير ملكا متفاخرا.

كل هذا وذاك جعل من راحة البال حلم بعيد المنال، قصور الجنة أبقى من قصور الدنيا مهما زينتها بمصابيح وفرشتها بأثاث وألبستها الحرير وهندستها بديكورات وزخرفتها بالفنون وإقتنيت التحف الثمينة والنفيسة والنادرة والتاريخية، فالتاريخ ذكرى والذكرى لا تموت بل تمدنا بالدروس والعبر من الزمن الفائت والماضي القريب وإنا لغدا لناظره قريب ولم يستفيد هؤلاء من قوم عاد وثمود بل أعادوا الكرة مرة أخري، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، فحتى الفلاسفة والحكماء والعلماء وقعوا في نفس الفخ فبرغم علمهم الغزير وتقافتهم المختلفة وبعد ما وصلوا لأعلى مراتب العلم نادوا براحة البال والهدوء والسكينة بعدما شعروا بكم الحيرة والفكر والشك الذي تسرب إلى نفوسهم، وفيما يلي أشهر الحكم والأقوال المأثورة التي قيلت عن راحة البال:

فاقنع ففي بعض القناعة راحة واليأس مما فات فهو المطلب.- علي بن أبي طالب

هون الأمر تعش في راحة، كل ما هونت سيهون ليس امر المرء سهلا كله، إنما المرء سهول وحزون، تطلب الراحة في دار العنا، خاب من طلب شيئا لا يكون. – علي بن أبي طالب

لا سعادة تعادل راحة الضمير. – ابن باجة

إن دعوت الله أن يرزقك راحة البال، فلا تستغرب هجران الناس لك. الشمس التبريزي

ما اجمل راحة البال في حديقة الورد. – نجيب محفوظ

إن ثمة إنقسام أساسي في أساليب الناس التي يتبعها الأشخاص، فالذين يسعون إلى سلام الروح والسعادة يحب ان يؤمنوا وأن يعتنقوا الإيمان، أما الذين يسعون وراء الحقيقة فيجب ان ان يتخلوا عن راحة البال، ويكرسوا حياتهم للبحث عن الحقيقة. – إرفين د. يالوم

عندما ترى ابعد من نفسك فإنك قد تجد راحة البال هناك. – جورج هاريسون

كنا نرى طلب العلم علينا فرضا وتحصيله عبادة، فكنا نجد في المطالعة لذة، وفي الحفظ مسرة، وفي التعب راحة. – علي الطنطاوي

كنت ابحث عن راحة البال، ومن أجل ان أشعر بان لا أحدا يقلقني، كنت مستعد لبيع العالم بأتفه الثمن من أجل ذلك. – فيودور ديستويفسكي

لم أعد قويا وحادا في الدفاع عن آرائي، لأنني أفضل ما أتمتع من راحة الفكر وسكينة الروح. – رينيه ديكارت

عندما تكون صافي النفس رائق البال تجد الرسوم الجميلة التي تتفرج عليها عالما سحريا بديعا حيا. – محيي الدين اللباد

لا أعتقد ان السعادة يمكن تحقيقها، أما راحة البال والطمأنينة فممكنة. – جوستاف فلوبير

أعظم النعم في الحياة راحة البال، إن شعرت بها فأنت تملك كل شيء. – وليم شكسبير

هكذا هو الحب قد يبرق على الجليد المتلألىء، أو يتراءى لي في غفوة القرنفلة، لكنه في عناد وصمت يخطف مني راحة البال. – آنا أخماتوفا

أليس في الموت أقصى راحة البال. – أحمد شوقي

اعتزل ما يؤذيك عليك بالخليل الصالح فإن في العزلة من أخلاط السوء. – عمر بن الخطاب

وها أني عثرت الآن على شيء سأفعله بلا إستئذان، أموت لكي أفاجىء راحة الموتى وأحرم قاتلي من متعة التصويب، نحو دريئة القلب الذي لا يعرف الإذعان، سأحرم ظالمي من جعل عمري مرتعا لسهام أحقاد وأرضا أجبرت أن تكتم البركان، اموت وقد نذفت مخاوفي لم يبق متي غير جلد فارغ قد صار كيسا به بعض عظام. – ممدوح عدوان

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى