سياسة وتاريخ

رئيس السودان “عبد الله حمدوك” على الخطى الناصرية

يغلي الشارع السوداني بشكل غير مسبوق منذ اندلاع الثورة، ربما حتى أكثر من وقت فض اعتصام القيادة العامة قبل تسعة أشهر؛ وذلك بعدما تعرض دمية العسكر المرنة عبد الله حمدوك لمحاولة اغتيال ظهر الإثنين الماضي؛ نجا منها ليخرج وزير إعلامه فيصل محمد صالح ويتهم “جهات خارجية” بالوقوف وراء العملية؛ زعزعةً لاستقرار السودان، وكأن وزير الإعلام المؤقت يريد تغطية ضوء الشمس بغربال.

منذ اتفاق تقاسم السلطة في أغسطس من العام الماضي، والثورة السودانية تواجه العديد من المؤامرات؛ تارة لتشويه صورتها، وتارة لحرفها عن مسارها تمهيداً للقضاء عليها، كان أولها الكشف عن إرسال خمسة آلاف مقاتل من قوات الدعم السريع التي يقودها حميدتي رجل البشير والرقم الصعب في معسكر الثورة المضادة، وبعدها صفي ضابط المخابرات السوداني نزار نعيم خلال علاجه في القاهرة والذي فسر بأنه كان مصاباً بالتهاب رئوي حاد.

لكن ذلك التبرير الساذج لم ينطلِ على الشارع السوداني والسودانيين، الذين ربطوا بين وفاة نعيم المفاجئة، وشهادة نعيم على ضلوع قيادات المجلس العسكري في الفض الدموي لاعتصام القيادة العامة، ومع وجوده في مصر التي يحكمها نظام عسكري انقلابي؛ يسهل بالتالي التخلص من نعيم لتدفن الحقيقة معه، ثم كانت الاشتباكات بين عناصر المخابرات والجيش في نوفمبر 2019، والتي عللها المجلس العسكري بأنها إجراء تطهيري للمخابرات لتتفرغ لعملها بدلاً من تعقب المعارضين، واتضح في النهاية أنه صراع بين من تبقى من أجنحة البشير والمجلس العسكري؛ حتى يتمكن العسكر الحاكم من بسط سيطرته على السلطة دون مضايقات.

اعترى الغضب الشارع من الصفقة المشبوهة مع إدارة ترامب؛ لرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، مقابل دفع تعويضات للولايات المتحدة عن الهجوم على المدمرة كول قبل عقدين من الزمن، وذلك إن دل على شيئ فهو يدل على أمرين:

أولاً: تورط نظام البشير الذي يعتبر النظام الحالي امتداداً له في الاعتداء على المدمرة، وهي جريمة يجب معاقبة البشير عليها.

ثانيًا: استمرار السياسة القديمة في إدارة البلاد بمعزل عن الشعب، وذلك أمر دلالته خطيرة، وكأن الثورة لم تقم، وأن هذا الشعب لا قيمة له في تقرير مصير بلاده.

أما التمثيلية رديئة التأليف والإخراج حول محاولة تصفية عبد الله حمدوك فهي لا تزيد عن محاولة استنساخ تجربة عبد الناصر؛ في الاستئثار بالسلطة بعد حادثة المنشية في أكتوبر 1954، فقد استغل ناصر وزير الداخلية وقتها هذا الحدث، ونكل بالتيار الإسلامي واتهمه بالوقوف وراء محاولة الاغتيال التي اتضح لاحقاً تدبير عبد الناصر لها؛ لمنع قيام نظام ديمقراطي يسلب من العسكريين مكتسباتهم، ووضع قائد مجلس قيادة الثورة محمد نجيب تحت الإقامة الجبرية في نوفمبر من نفس العام، وأقام النظام الاستبدادي الذي أودى بمصر والأمتين العربية والإسلامية إلى الهاوية.

وللأمانة فقد قطع عسكر السودان شوطاً كبيراً في إقامة جمهورية يوليو السودانية، فبعد فترة قليلة من الإطاحة بالبشير؛ أغلقت العديد من مكاتب تحفيظ القرآن في البلاد، وتم وإغلاق المنتديات والمواقع الإسلامية على الإنترنت، وفي انتظار بيان الجمهورية العسكرية في القريب العاجل.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق