سياسة و تاريخ

رئيس الجمهورية.. بين الاختصاصات والاهتمامات!!

لا نماري في أنّ رئيس الجمهورية (تونس) يتمتّع بصلاحيات ضيّقة جدًا، في ظل إرساء النظام البرلماني الّذي أتاح لرئيس الحكومة ممارسة صلاحيات أوسع، ولذا نادت بعض النخب بضرورة إعادة تكريس النظام الجمهوريّ عبر تعديل بعض فصول الدّستور لكونه حاضن كلّ الصّلاحيات المخولة لكل السّلطات الفاعلة في البلد، وأقصد في هذا المقام كلّ من السّلطتين التّشريعيّة والتّنفيذيّة.

وتعديل الدّستور إذا كان لصالح الشّعب فلا عيب فيه مطلقًا، لأنّ المصلحة العامّة أساس التّشريع، والاجتهاد في مثل هذه المواضع لا ريب فيه باعتبار أنّ الجهد البشريّ يؤخذ منه ويردّ.

وبما أنّ مصطلح الاختصاص هو ضبط لكل المهام المسموح بها لأعلى هرم  في السّلطة بعد أن جرى تقييده بها بأعلى نصّ تشريعيّ في الهرم القانونيّ وهو الدّستور، ليكون مقيدًا في الاختصاصات، ولكن هل سيكون الأمر كذلك من ناحية الاهتمامات؟؟

لئن تم تقييد الاختصاص، فإنّ الاهتمام يخرج عن هذا النطاق لتكون دائرته أوسع وأشمل، ومن ثمّ يمكن القول إنّه مطلق، ولكن دون أن يخرج عن الإطار التّشريعيّ القانونيّ، فمثلاً  لو تأملنا الفقرة الأولى من الفصل 77 من الدّستور الّتي جاء فيها: “يتولّى رئيس الجمهوريّة تمثيل الدّولة، ويختصّ بضبط السّياسات العامّة في مجالات الدّفاع والعلاقات الخارجية والأمن القوميّ المتعلّق بحماية الدّولة والتّراب الوطنيّ من التّهديدات الدّاخليّة والخارجيّة وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة”.

والأمن القوميّ أشمل من أن يتعلّق بمجرّد الأمن على المستوى العسكريّ، لأنّ الوقاية الضّامنة لهذا الأمن هي الشّعب قبل كلّ شيء، باعتبار أنّ الدّولة لا تخضع لنظام عسكريّ، فالشّعب هو المصدر الأساسيّ للعمليّة الدّيمقراطيّة، ولذا فحفظ أمنه القوميّ يتأسّس قبل كلّ شيء على مقاومة البطالة، والجوع، والفقر، وكل صوّر المهانة، وهذا يدخل ضمن اهتمامات رئيس الدّولة إذ يمكن أن يوليها اهتماماته فيقدّم مقترحات لرئيس الحكومة أو للمجلس النيابيّ.

إضافة إلى أنّ الفصل 79 من الدّستور نصّ على أنّ: “لرئيس الجمهوريّة أن يخاطب مجلس نواب الشّعب”. وكلمة يخاطب جاءت مطلقة غير مقيّدة بمسائل معيّنة يخاطب فيها رئيس الدّولة المجلس النيابيّ، ولذا فمن باب الاهتمامات يسمح له بمخاطبة نواب الشّعب ليحيطهم علمًا بقضايا شعبهم، كدعوتهم إلى ضرورة معالجة قضايا البطالة، والحدّ من غلاء المعيشة، بل ويمكنه اقتراح مشاريع قوانين تعالج مثل هذه الأمراض الاجتماعيّة لكونها تهدّد الأمن القوميّ داخليًا، وهنا يحضر الاستشهاد الّذي يسند إلى الصّحابي الجليل أبي ذر الغفاري، ونصّه : “عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على النّاس شاهرًا سيفه”.

كما أنّ الفصل 87 من الدّستور نصّ في فقرته الثانية على ما يلي: “لا يسأل رئيس الجمهورية عن الأعمال الّتي قام بها في إطار أدائه لمهامه”. فباعتبار أنّه لا يُسَأل عن مهامه فمن باب أولى أن لا يسأل عن اهتماماته تجاه شعبه الّذي انتخبه ليحقق له ما يصبو إليه من أمن شامل وذلك بإيجاد السّبل التي ستكفل له الحياة الكريمة، كما ويفهم مخالفة أنّه يُسأل عن مهامه سياسيا إذا لم يقم بها في إطار  أدائه لمهامه، لأنّها متصلة ببرنامجه الانتخابي وبمقبوليته لدى الناس، ويفهم مخالفة أنّه إذا لم يف بمهامه فإنّه يسأل عن ذلك سياسيًا.

وهذا جزء ممّا يمكن أن يقال في إطار دراسة اهتمامات رئيس الدّولة التي تبقى غير مقيّدة بتشريع دقيق ضمن الدستور، ولكن هذا لا يمنع من إيجاد غطاء تشريعيّ لها يسمح بممارستها ضمن جزء من الاختصاصات المتاحة له، ولذا فلا إثم عليه إذا اقترح مشاريع قوانين تحفظ كرامة شعبه، مثلما تم اقتراح مشروع قانون الحرّيات الفرديّة والمساواة ووضع لجنة خاصّة به، ولا أظن أنّه لو حصل العكس ووضعت لجان قصد متابعة مشاريع قوانين تحفظ كرامة الشّعب، وليتم من بعد ذلك عرضها على المجلس النيابيّ، لأنّ ما جرى انتخابهم عليه هو حماية مصلحة الشّعب قبل كلّ شيء.

فهل فعلاً مصلحة الشّعب تتبوأ الصّدارة لدى من انتخبهم شعبهم الحالم بغد أفضل، حتّى لا يبقى تائهًا وراء الأوهام أو أن يجد نفسه يسعى خلف السّراب، لأن جلّ الوعود الانتخابيّة الماضيّة حملت في ظاهرها الرّحمة ولكن باطنها فيه العذاب.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق