سياسة وتاريخ

رؤية معاصرة لعلاقة غير المسلمين في المجتمع الإسلامي.. دراسة نموذج الأقباط في مصر

حديثنا اليوم عن العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين في المجتمع الإسلامي خاصةً في ظل وجود دولة إسلامية.

وكعادتنا فى القضايا التى نناقشها، فإن البحث يدور على أساس من فهمنا للأصول الإسلامية، فنحن لا نقدم مفهومًا أو شرحًا خارج هذا الإطار، وإن كنا نعلم أنه داخل هذا الإطار يمكن للمسلمين أن يختلفوا، وهذا من سنن الله، فلقد خلق الله للبشر عقولاً، وخلق هذه العقول لكي تفكر وتتدبر، ومن شأن إعمال هذا العقل لدى كل فرد أن يفكر وأن يصل إلى النتائج، ومن شأن ذلك أن يصل الناس إلى نتائج متباينة وليست متطابقة، وإن كان الإطار العام للإسلام يجعل هذه الخلافات داخل حدود معينة وليست مطلقة.

المنهج العام وأهمية الاجتهاد

وفي هذا فإن المنهج العام هو الاعتماد على المصدر الأول في إسلامنا وهو القرآن الكريم، ثم على السنة التى تشرح وتبين، ثم بطبيعة الحال آراء الأئمة والعلماء الذين اجتهدوا في العصور المختلفة لاستنباط الأحكام الشرعية المناسبة، ولكننا وإن نظرنا لما وصلوا إليه من نتائج وأحكام باحترام بالغ ومحاولة عميقة للتفهم، إلا أنها لا تلزمنا باتباعها، ولكن نأخذ منها ونرفض ونضيف، فهذا هو حقنا كمفكرين إسلاميين نعيش في عصر معين وفي بلد معين.

وبتطبيق هذا المنهج فإن الأساس لتناول هذه القضية يبدأ من العام للخاص؛ والعام هنا هو الأصل في كل الأمور، وهو أن الله كرم بني آدم، أي أن الكرامة للبشر من حيث أنهم بشر، كرمهم الله حين نفخ من روحه في التشكيل الأول للإنسان. وبهذا التكوين الخاص أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم، وأصبح الإنسان كما هو معروف مكرماً وأصبح أفضل خلق الله جميعًا: “الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ{7} ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ{8} ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ{9}” (السجدة).

“وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ” (البقرة: 34) إلى آخر آيات سجود الملائكة لآدم.

“وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً” (الإسراء: 70).

والآيات بعد ذلك التى تتحدث عن العمران البشري والاجتماع البشري كلها تتكلم عن اختلاف البشر بين الشعوب والقبائل والألسنة والألوان، وأن أكرمكم عند الله أتقاكم: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” (الحجرات: 13).

التباين بين الناس سنة إلهية

إذن الأساس الأول للاقتراب من القضية التي نحن بصددها الآن أننا مقيدون بالقواعد الكلية للإسلام التي تحكمنا في المجتمع الإسلامي والتى تحضنا على تكريم بنى آدم وعلى إعلاء شأن الإنسان وكرامته.

وإذا بدأنا نقترب من واقع الناس كما هو بتبايناته التي نعلمها، فسوف ندرك أن التباين بين الألوان، وبين درجات التقوى، وبين الأديان، وبين اختلاف اللغات، كل هذا يخلق في واقع الحياة مشاكل، وحل هذه المشاكل ينبغي أن يكون مقيدًا بالمبادئ الكلية التي ذكرناها، فلا يمكن أن يكون حل هذه القضايا وهذه التباينات في المجتمع الإسلامي بين خلق الله بالقهر وإذلال المخالفين وإهانة من يختلف معنا في العقيدة أو اللون.

إن الإسلام لا يعرف العنصرية ولا التعصب، بل يلغي هذه الفوارق، ليس فقط بين المسلمين، ولكن بين المسلمين وغير المسلمين، ذلك لأننا مأمورون كمسلمين بالنص الصريح ألا نفعل ذلك.

فحين نشهد في حياتنا الواقعية تباينات بين الناس، فهذه التباينات لابد من مواجهتها، ولابد أننا سنختلف مع آخرين، ولكن هذا الاختلاف لابد أن يكون محكومًا في النهاية باحترام بشرية الناس وآدمية الناس وكرامتهم، بلا استعلاء عنصري ولا استكبار: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ” (النساء: 1).

في العلاقة الواقعية بين أصحاب الديانات المختلفة والعقائد المختلفة، بمجرد أن نقول “عقائد مختلفة” في المجتمع الإسلامي فهذا يعنى بالضرورة أن الناس بينهم وبين بعضهم أشياء غير متفق عليها، وإذا أدى هذا إلى شيء من النفور أو شيء من عدم الارتياح، فينبغي التعامل مع هذه الأمور على الأسس الإسلامية التي تؤسس العلاقات بين المسلمين وغيرهم على قواعد المودة والاحترام.

ولكن بما أن الحياة ليست بهذه المثالية، وبما أن بعض الناس ممن يتولاهم الشيطان ويحرك نوازعهم – وهذا مما قدره الله – فإن القضايا الخلافية في المجتمع الإسلامي تحل باستمرار من خلال الحوار.

في هذا الإطار، ينبغى أن نقبل التعايش مع الآخرين على أرض كوكب واحد، أو على أرض وطن واحد لأناس من عقائد مختلفة، هذا التواجد يمكن أن يكون منظماً وأن تكون له قواعد منظمة، وأحيانًا يتعذر ذلك؛ وبالتالى يبدأ استخدام وسائل أخرى غير الحوار لإحقاق الحق وضبط الواقع.

منهج القرآن والسنة فيى التعامل مع المخالفين في المجتمع الإسلامي

وقد جاء في القرآن والسنة أمثلة كثيرة لكي نقيس عليها فتكون مرشدة لنا، ففي بعض الأحيان كانت المسالمة مقصودة بيننا وبين مخالفينا في الدين، وفي بعض الأحيان كانت الشدة التي قد تصل إلى حد القتال. والقرآن والسنة وضحا ذلك لنهتدى به ونمزج بين الشدة واللين حسب الأحوال، وفى الظروف المناسبة، وهذا فى بعض الأحيان يبدو – لغير المختصين أو لأعداء الإسلام – نوعًا من أنواع التضارب في الأحكام، والمنافقون يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض.

أما إذا أخذنا الأمر بجملته كما ينبغي أن يكون الأمر، فنحن نعلم أن الآيات لا تتعارض مع بعضها البعض، وإنما إذا وجد ما يشبه ذلك في النص الظاهر فينبغي أن نتبين ما مناسبة وجود وورود هذا النص، وما الحالات التي يعمل فيها، وما مناسبة ورود النص الآخر الذي يوجه إلى علاج حالة تخالف الحالة الأولى، فينبغي أن نتبين ما الظروف التى يعمل فيها النصان حتى نطبق كل نص، ونفهم كل نص في سياقه الصحيح، ونطبقه على النحو الصحيح.

وعلى هذا فقد جاءت أحكام متعددة ومتباينة، تتعلق بأسلوب التعامل بين المسلمين وغير المسلمين، ولكن كل هذه الأحكام لو أخذت كل حالة في بيئتها وفي ظروفها فإننا نستطيع أن نستنبط منها الحكم الصحيح.

نموذج الأقباط في مصر

إذا أخذنا كل ذلك في الاعتبار، فإننا نبني عليه ما ينبغي أن نقوم به في مصر وهو مجتمع إسلامي باعتبار أغلبية سكانه يدينون بالإسلام، في ضوء المبادئ السابقة، وعلينا أن ندرس الحالة المصرية بالتحديد: وجود وتطور المسلمين وغير المسلمين في المجتمع المصري، المصالح العامة التي تواجهها الأمة المصرية ككل، وكيف تؤثر على العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، وعلينا أن نقترب من واقعنا أكثر لكي نفهم ما ينبغي أن يفهم.

وفي هذا الشأن لا بأس من التذكير بأن العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين في المجتمع الإسلامي وفي أحوال التاريخ السابقة كانت تقوم على مثل ما سنفعله الآن ونحن نتحدث عن مصر. ولذلك يقال كثير عما يسمى (الوثيقة العمرية) التى مثلت عهدًا والتزامًا وضع شروط الذمة وحدودها فيما يشبه المعاهدة، وكثيرون يعتبرون أن هذه الوثيقة كما لو كانت من النصوص المقدسة التي ينبغي أن تكون هادية وآمرة للمسلمين في كل عصر لكي يلتزموا بها، ونحن نرى أنها تمثل رأي الإمام المسلم في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في ظل توازنات معينة بين الدولة الإسلامية الوليدة وبين المحيط غير المسلم الذي تعيش فيه، وفي ظل هذه الأوضاع أراد أن يقنن بعض الأمور حتى يحقق الاستقرار للدولة ويضمن لها أن تستمر.

وبناء عليه فهو اجتهاد في تطبيق مقاصد الإسلام في نشر الدعوة في البلاد المفتوحة، وفي تحقيق الاستقرار بين المسلمين وغير المسلمين في إطار هذه الدولة في الظروف المعينة التي كتبت فيها هذه الوثيقة، وإذا تغيرت الظروف يتطلب الأمر بالتأكيد معاملة تختلف عن ذلك.

ولنضرب مثلًا على ذلك، فلا شك أن وثيقة تحدد حقوق المسلمين وغير المسلمين في بلد مثل بلجيكا أو أمريكا ستتقرر وفق هذه الظروف التي نلمسها ونعرفها بين الدولتين، وإذا وضعنا وثيقة تحدد طبيعة العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين في المجتمع الإسلامي مثل المجتمع المصري العريق في إسلامه – بأغلبيته الساحقة من المسلمين – فلا شك أن هذه القواعد ستختلف عن المثل الأول.

فكما أنه يمكن في عصر واحد أن تختلف العلاقات تبعًا لظروف المجتمعات المختلفة وتوازنات القوى بين الفئات الاجتماعية المتباينة، فكذلك الأمر بالنسبة للتاريخ، فعلاقة المسلمين بغير المسلمين في المجتمع المصري اليوم يمكن أن تختلف عن علاقة المسلمين بغير المسلمين كما كانت منذ ألف عام، فاختلاف الزمان يمكن أن يؤدي إلى حدود لهذه العلاقة تختلف من عصر إلى عصر، وكذلك في العصر الواحد تختلف من بلد إلى بلد حسب ظروف كل بلد.

وبالنسبة لنا في مصر الآن فإننا مجتمع من بين مجتمعات المسلمين جميعًا نزعم أننا – بغير استعلاء – من أكثرها تحضرًا وسماحة، فكثير من البلاد التي دخلها الإسلام قرأت القرآن كما قرأناه وعلمت السنة كما علمناها، لكن لطبيعتها وتكوينها وتراثها الثقافي لم تستطع أن تتمثل هذه المبادئ الإسلامية وتنفذها إلى الحد الذي استطاعه الشعب المصري بسبب إرثه المتحضر العريق في التسامح وفي التفاهم.

من هنا، وأمام الوضع الحالي، لن تجد في أي بلد آخر أقلية مثل الأقلية المسيحية في مصر من حيث إنها غير متركزة في مكان معين، وهذا يعكس أن الإسلام لم ينتشر بالقوة، ولذلك لم يستشعر المسيحيون الحاجة في أن يجتمعوا معًا في موقع واحد.

وبهذا الإرث – الذي تدعم بفهمنا الصحيح للإسلام – أصبحنا نعيش عيشة تسامح تحقق أمن الدولة الإسلامية، ولكن في نفس الوقت تحقق الطمأنينة والهدوء لغير المسلمين الذين يعيشون هنا؛ لأن الإسلام انتشر تدريجيًا.

الدور الخارجي في إثارة الفتنة

حينما وصلنا إلى القرن التاسع عشر ابتليت الأمة الإسلامية بالغزو الاستعماري الأخير، بعد أن بلغ الغرب ذروته من حيث قوته العسكرية والصناعية والاقتصادية، ونحن أيضًا كنا في أسوأ حالاتنا، ومع انهيار الدولة العثمانية ازداد الأمر سوءاً في هذه الفترة وحينما دخل الإنجليز مصر، كانت الخطة الإنجليزية هي عزل مصر عن الدولة العثمانية إضعافًا لدولة الخلافة وإضعافًا لمصر أيضًا، وفي إطار ذلك حاول اللورد كرومر – المندوب السامي البريطاني – تعريف المصريين تعريفاً جديداً يبذر بذور الفتنة، فقال إن المجتمع المصري يحتوي على مجموعة مسلمين ومجموعة أقباط ومجموعة أرمن وهكذا، محاولاً تفتيت وحدة المصريين، ومحاولًا التقليل من دور المسلمين، ومعليًا على حسابهم غير المسلمين.

ولكن ذلك لم يفت في عضد المصريين، وبقى الحال كما كان عليه حيث الامتزاج المكاني والاجتماعي بين المسلمين وغيرهم، وهذا يعكس كيف انتشر الإسلام بسماحة وتدرج في كل الأنحاء، وبالتالي لم ينتشر في أجزاء دون أجزاء أخرى، وكذلك من بقى على دينه من غير المسلمين في أي منطقة من المناطق لم يشعر أنه في حرج أو خوف من هذا، ونتيجة لذلك أصبح التعامل مع الناس مكثفًا لمئات السنين، وهذا جعل طباع المصريين واحدة، بحيث إن ما هو حلال عند المسلم فإن المسيحي يعتبره حلالًا أيضاً وما يعتبره هذا حرام يعتبره الآخر كذلك، وهكذا.

إن طول فترة الاختلاط والمعاشرة اليومية بين المصريين من مسلمين ومسيحيين جعلت السلوك اليومي للفريقين لا يختلف عن بعضهما البعض.

وما سبق أن قلناه ليس معناه أن العلاقة بين المصريين من مسلمين وأقباط كانت على مر التاريخ سلسة، ولا توجد بها مشاكل، لكن كانت هناك بعض المشاحنات ولكن العلاقات كانت دائمًا في إطار التسامح.

وإذا عدنا إلى محاولات الإنجليز – إبان احتلالهم لمصر – تفريق الصفوف بين المسلمين والأقباط، والسعي إلى تعميق التناحر والتناقض بينهم، لكي يتمكنوا من الهيمنة ومن إضعاف الصبغة الإسلامية للدولة، نجد أنه فى المقابل كانت الحركة الوطنية تسعى إلى ضم الصفوف وعدم تمكين الأعداء من اللعب على هذا التناقض.

وعي الحركة الوطنية بخطورة مخطط الفتنة

وإذا نظرنا إلى الحركة الوطنية أيام مصطفى كامل ومحمد فريد وجدناها واعية جدًا لهذا الأمر، ولذلك كان الحزب الوطني الذي أسسه مصطفى كامل يضم بين صفوفه شخصيات قبطية.

واستمر هذا السجال بين الطرفين في العصور التالية: الطرف الخارجي يسعى إلى كسب الأقباط إلى جانبه، والقوى الوطنية تسعى في المقابل إلى إفشال هذا المخطط وتأليف قلوب المسيحيين لكي يكونوا في موقعهم من الصف الوطني.

والذي حدث أننا حققنا في ظل ثورة 1919 نصرًا هائلًا غير متخيل، لأن المخطط الإنجليزي لم يتمكن من شق المصريين فريقين، وظل المسيحيون بالتالي منضمين إلى الصف الوطني بنسب هائلة.

والمطلوب الآن أن نسعى فى هذا الاتجاه، وأن نكون امتداداً لكل ما ذكرت، فكما قلنا فإن الأصل في نظرة المسلم إلى بنى آدم جميعًا من يقطنون معه في المجتمع الإسلامي هي نظرة الاحترام والتوقير، باعتبار أن كل بني آدم مكرم من الله، وأن كل بني آدم يتميز عن الآخر بالعمل الصالح والتقوى، وإذا كان المسلمون هم أصحاب الرسالة التي تهدى غيرهم، فإنهم في سعيهم هذا لا يتعالون، ولا يحلون خلافاتهم مع الآخرين بالقوة والتجبر، إلا إذا أجبروا على إظهار بأسهم، أما إذا لم يجبروا على ذلك فإنهم مطالبون بأن يدعوا إلى دينهم بالحكمة والموعظة الحسنة. فإذا تطلب الأمر ضراوة في المواجهة فستظل محسوبة ومقاسة في إطار القواعد الشرعية العامة، وبمجرد أن تزول مبررات المواجهة يجب أن نعدل عنها ونتجه إلى الحكمة والموعظة الحسنة.

هذه هي القواعد العامة، وإذا كانت ملزمة للمسلمين في كل الأرض وفي كل مراحل التاريخ، فإن المجتمع المصري بالذات كان من أكثر المجتمعات المسلمة قدرة على الامتثال لما أراد الله، لأن تكويننا وما وهبنا الله من مميزات جعلتنا أقرب وأكثر قدرة على تمثل التعاليم الإلهية وعلى تنفيذها فى المجتمع.

ولقد انعكس هذا في قضية المسلمين والمسيحيين، لأن العلاقة كانت باستمرار ممزوجة بهذا التسامح وبهذا التفاعل، وبقبول الآخر والتعايش معه دون أذى أو تهديد، وهذا هو السبب في أن المسيحيين لم يندثروا من مصر، وهذا هو السبب في الظاهرة الأعظم والأغرب، وهي أنهم منتشرون في كل أنحاء القطر، ولم يتركوا قسمًا من أقسام القطر لم يوجدوا فيه، وهؤلاء ظلوا في عيشتهم غير مضطربين وغير خائفين على حياتهم وأموالهم.

ونتيجة لذلك في العصر الحديث – مع وجود الاستعمار – حينما أراد الإنجليز ومن قبلهم الفرنسيون الاستفادة من التناقض في المجتمع الإسلامي بين المسلمين والمسيحيين، استعصى عليهم ذلك في أغلب الأحيان، وكان هذا النجاح ضد الغزو الأجنبي يساعده أن من تصدوا لقتال هؤلاء الأجانب من قادة هذه الأمة كانوا من الوعي بحيث أفسدوا مخططات أعدائهم ووحدوا القوى الوطنية.

وعي الحركة الإسلامية المعاصرة بخطورة الفتنة

إذا بنينا على كل هذا فإن الحركة الإسلامية في عصرنا هذا هي حاملة اللواء منذ المواجهة مع الاستعمار في القرن التاسع عشر، فلقد كانت الحركة الإسلامية والدعاة الإسلاميون دائمًا القوى الكبرى في هذه المواجهة، وكان المسلمون هم المجاهدون ضد ألوية الاستعمار وضد جنود الاستعمار.

ولكن حدث لأسباب كثيرة أنهم لم يكونوا قادة هذه الحركات الوطنية في معظم الأقطار وفي أغلب المراحل، ومن المؤكد أن هذا عكس أسبابًا كثيرة، من ضمنها نقص الكفاءة السياسية المناسبة لإدارة هذه المعركة الكبرى، وبالتالي تسلم القيادة غيرهم.

ونحن الآن في مرحلة ما زلنا نواجه فيها أعداء الإسلام وطواغيت العالم الذين يسيطرون على نظامه الدولي، وما زال النضال لتحرير الأوطان والأمم مطلوباً، ولكن على عكس الفترات السابقة فإن الإسلاميين لا يمثلون فقط الجنود المقاتلين، ولكن يمثلون أيضًا القيادات التي توجه وتصدر التعليمات وترسم الخطط.

إذا شاء الله أن نكون الآن في هذا الموقع فعلينا بالتالي أن نفهم خبرة من سبقونا، وأن نكون أكثر تقدمًا وقدرة على تنفيذ ما عجزوا عن تحقيقه بالكامل، فنحن الآن نريد تحررًا كاملًا لأمتنا من هيمنة الأعداء، وأن نبنيها كما أرادها الله على شرعه في جميع نواحي الحياة، بدءًا من الأخلاق إلى الثقافة إلى الاقتصاد إلى العلاقات الدولية إلى العلاقات بين جيراننا.. إلى آخره.

نريد أن نقيم دولة تهتدي بهدى الإسلام في جميع المناحي، ونحن في نضالنا هذا ينبغي أن نراعي احتمال قيام الفرقة بين صفوفنا، فيستفيد منها أعداؤنا وتحدث الفتن، وبالتالي يكون بأسنا شديدًا فيما بين أنفسنا بدلًا من أن يكون شديدًا على أعدائنا.

في كل المناطق الموجودة حولنا رأينا كيف امتدت الحرب اللبنانية سنوات، وكيف كان حال الفُرقة شديدًا في المجتمع الإسلامي الواحد، ولا ننسى في هذه القضية بالتحديد أن نبرز دور القوى الخارجية التي سعت إلى شق الصفوف وإلى الفرقة، وهم في هذه الفتن يختلفون في المدخل الذي يختارونه من بلد إلى آخر، فالمدخل الذي يحدثون منه الفتنة هو بين الأكراد وباقي المسلمين من الناحية العرقية، أو بين المسلمين السنة والمسلمين الشيعة، والمهم في كل الأحوال هو شق الصفوف وإحداث الفتنة.

وإذا عدنا إلى موضوعنا الأساسى نستكمل ونقول: إن من تراثنا في التعامل مع أصحاب الديانات المختلفة وأصحاب الآراء المختلفة أن نتعامل معهم بالمرونة والسماحة التي تمنع التوتر، وتمنع وصول هذا التوتر إلى حد التحارب والاقتتال. وعلينا أن نستفيد بهذه الخبرة وبهذا التراث المصري العريق، الذي هو في أساسه التطبيق الأصوب والأعمق لما أمر به الإسلام.

وعلى هذا فإن علينا في الحركة الإسلامية المعاصرة التي قدر لها أن تكون في صدر حركة التحرير العربية، وفي صدر المحاربين لتخليص أمتنا من براثن الغزاة الاستعماريين، علينا أن نرعى كل القواعد التي من شأنها توحيد الصف ومنع الفتن، وينعكس هذا فى مصر على طبيعة العلاقة بين المسلمين والمسيحيين.

في ضوء هذا، ما القواعد الأكثر تحديدًا التي نقترحها لأسس العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في مصر؟

نحن بالتأكيد نسعى لأن تكون الأمة في مراحلها الحالية التي يقودها الإسلاميون نحو نصر دين الله – بإذن الله – ونحو التحرر الكامل من السيطرة الأجنبية علينا، نحن نزعم ونسعى إلى أن نكون بإذن الله على درجة من الوحدة في الكلمة والإرادة والمحبة لم تشهدها فقرات التاريخ المصري السابقة.

فنحن في مرحلة بالغة الصعوبة والدقة، وفيها كثير من الأمور الجديدة التي ينبغي أن نعيها ونستوعبها. إن العدل والبر والمودة مع أهل الكتاب ومع مخالفينا في الدين والعقائد في المجتمع الإسلامي هو أمر إلهي طالما أنهم لا يحاربوننا ولا يتآمرون مع الأعداء ضدنا: “لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ” (الممتحنة: 8).

ولكن التعامل مع قضايا الأقليات عمومًا، لم يعد فقط من قبيل أنه أمر إلهي بذلك، ولكن لأنه أيضًا إغلاق لباب الفتن الذي يريد الأعداء استخدامه.

ولعل أبلغ دليل على ذلك هو ما سعى إليه الحلف الصهيوني الأمريكي بصدور “قانون حماية الأقليات” من الكونجرس الأمريكي عام 1998، وتصنيف مصر ضمن الدول التي تمارس الاضطهاد الديني، والذي تصدى له المخلصون من أبناء هذه الأمة من أقباط ومسلمين، وكان حزب العمل رائدًا في التصدي لهذه المؤامرة التي استهدفت وحدة الوطن وتماسكه.

مقترحات على طريق الوحدة في المجتمع الإسلامي

وينبغي في هذا الصدد أولًا أن تكون وحدة الصف الإسلامي على خير وجه. لا بأس من الاختلاف، ولكن لا يجب أن يصل الخلاف إلى حد التحارب والاقتتال، وينطبق هذا الأمر على المسيحيين أيضًا، فلابد من وحدة الصف معهم طالما نعيش سويًا في المجتمع الإسلامي وذلك لمواجهة أعداء الأمة، ولا بأس من الاختلاف في بعض وجهات النظر، ولكن لا ينبغي أن يكون هذا الخلاف مدعاة للوصول إلى حد التحارب والاقتتال.

ونحن في هذا الأمر لا نسعى إلى التعامل بإحسان مع المسيحيين لخوفنا منهم، ولكن نفعل ذلك في المقام الأول امتثالًا لأمر ديننا الذي أمرنا بأن نحسن إلى كل من لم يسئ إلينا، وكل من لم يتآمروا ضدنا.

وإذا كان كل ذلك في ذهننا، فإنه يعنى أننا سنظل نحرص ونصر على مشاركة الأقباط معنا في كل المشروعات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ونحن حين نفعل ذلك سيساعدنا بلا شك الإرث القديم الذي أشرنا إليه من طول وفاق بين عنصري الأمة.

وبلا شك أنه مما صعب من هذه المهمة التي يتبناها حزب العمل أن غالبية التيارات الإسلامية لم تبدأ بنظرة فاحصة متعمقة لهذه القضية، وبالتالي لم تضع تصورًا صحيحًا لمواجهتها، وبالتالي فمن حيث لم تقصد خدمت مخططات الأعداء أحسن خدمة.

ولكننا ومن منطلق مبادئنا الإسلامية سنحاول إزالة هذا اللبس الحادث لدى الأقباط، وهذه الهواجس التي ملأت عقولهم في الفترة الأخيرة، فالأقباط هم شركاء في نسيج وفي تشكيل وفي مستويات الدولة الإسلامية، وغير صحيح أنهم في ظل الدولة الإسلامية سوف يحط من شأنهم، وقد كان المسيحيون في ظل الدولة الإسلامية – منذ الدولة العباسية إلى الدولة العثمانية – يتمتعون بكامل حقوقهم، ونحن لن نكون مجرد استمرار لهذا التقليد، ولكننا سنكون مطورين ومحسنين له، لأن ظروف العالم من حولنا أصبحت تمكننا من صيغ أفضل للحكم السياسي داخل المجتمع الإسلامي المتعدد.

ونحن لا نعدهم بذلك وحسب، ولكن إذا كانوا شركاء في المجتمع وفي الدولة فمن الطبيعي أن يكونوا شركاء في المؤسسات السياسية التي ستقوم بها هذه الدولة من أحزاب وهيئات سياسية وجميع أشكال المجتمع المدني، فإذا لم يكونوا شركاء في الأحزاب والهيئات السياسية التي تشكل إدارة الدولة فقد حرموا أنفسهم من المواطنة، ولا يعني هذا بطبيعة الحال الترخص في ضمانات استمرار الدولة الإسلامية مقيدة بشريعة الإسلام، ولكن الضمانات ينبغي أن تكون في الحدود المعقولة التي لا تتحول من كونها ضمانات إلى قيود مذلة على فريق من الأمة.

تأويل خاطئ لآيات القرآن

في كتاب للأستاذ فهمي هويدي تحت عنوان “مواطنون لا ذميون” بدأ العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في المجتمع الإسلامي بخصوص شأن يشبه ما تحدثنا به، وهو النظرة العامة التي هي في القرآن لمجمل البشر، وإكرام الله سبحانه وتعالى لبني آدم ووضعهم في الوضع الخاص المتميز، وقد انتقل من هذا إلى العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، ودلل بما جاء في القرآن الكريم والسنة المشرفة لتأكيد هذه المبادئ، ونوه إلى بعض الشكوك التي تنتاب البعض بسبب بعض الآيات الواردة في القرآن الكريم. ونحن نحتج في هذا بما قاله الأستاذ فهمي هويدي في كتابه هذا، حيث يقول: “غير أن بعض الكتاب والفقهاء يحتج بثلاث آيات في القرآن الكريم في دعوتهم إلى تفضيل المسلمين على غيرهم في إدارة المجتمع الإسلامي بوجه عام، وفي جميع مرافقه وأنشطته. والآيات الثلاث هي:

(1) “لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ” (آل عمران: 28).

(2) “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ” (آل عمران: 118).

(3) “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء” (المائدة: 51)”.

حتى يذكر الأستاذ “ترتون” في كتابه “أهل الذمة في الإسلام” (ص 23) أن الخليفة عمر بن عبد العزيز، استند إلى الآية الثانية وهو يكتب إلى عماله في مختلف الأقاليم حتى لا يولوا أمور المسلمين أحدًا من أهل الذمة.

ومن التيارات الإسلامية المعاصرة، من يتشدد في معاملة غير المسلمين في المجتمع الإسلامي ولا يعتبرهم شركاء الوطن، مستندًا إلى تلك الآيات فيما يعتبرونه دعوة إلى عدم “موالاة الكافرين”.

غير أن أي قراءة لسياق النصوص القرآنية، قبل وبعد تلك الآيات، تقودنا على الفور إلى أنه لا صلة البتة بين هذه الآيات والتعامل العادي مع غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، “فهي جميعًا واردة في المعتدين على الإسلام، والمحاربين لأهله، وتنفير أفراد الأمة من خصومها واجب يتجدد في كل عصر”.

فالآية الأولى: “لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء”، تقول للمؤمنين ما معناه: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار (أهل الكتاب ليسوا معنيين بالخطاب هنا) ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم. فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء؛ يعني بذلك، فقد برئ من الله، وبرئ الله منه بارتداده عن دينه، ودخوله في الكفر. و”إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً”، إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل.

أما الآية الثانية: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ”، ففيها “نهى الله المؤمنين أن يتخذوا بطانة ممن قد عرفوه بالغش للإسلام وأهله والبغضاء، إما بأدلة ظاهرة دالة على أن ذلك من صفتهم، وإما بإظهار الموصوفين بتلك العداوة، والشنآن والمناصبة لهم.. (ومن لم يثبت فى حقهم ذلك) فغير جائز أن يكونوا نهوا عن مخالفته ومصادقته”.

“وأنت ترى أن هذه الصفات التي وصف بها من نهي عن اتخاذهم بطانة، لو فرض أن اتصف بها من هو موافق لك في الدين والجنس والنسب، لما جاز لك أن تتخذه بطانة لك، إن كنت تعقل. بينما خفى على بعض الناس هذه التعليلات والقيود فظنوا أن النهي عن المخالفة في الدين مطلقا”.

والآية الثالثة: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء”، فيكفينا ما يقوله في شرحها الشيخ محمد الغزالي: “يجيء أحدهم إلى هذه الآية، فيبترها عما قبلها وما بعدها، ويفهم منها أن الإسلام ينهى نهيًا جازمًا عن مصادقة اليهود والنصارى، ويوجب قطع علاقاتهم. ويهدد المسلم الذي يصادقهم بأنه انفصل عن الإسلام والتحق باليهودية والنصرانية. والمعنى بهذا التعميم باطل. والآيات اللاحقة بهذه الآية – المرتبطة بها في موضوعها – تحدد الموضوع بجلاء لا يحتمل خلطًا”.

ثم يضيف الشيخ الغزالي قائلًا: “إن الآيات نزلت تطهيرًا للمجتمع الإسلامي من ألاعيب المنافقين، ومن مؤامراتهم التي تدبر في الخفاء لمساعدة فريق معين من أهل الكتاب، أعلنوا على المسلمين حربًا شعواء، واشتبكوا مع الدين الجديد في قتال، هو بالنسبة له قتال حياة أو موت. فاليهود والنصارى في هذه الآية قوم يحاربون المسلمين فعلًا، وقد بلغوا في حربهم منزلة من القوة جعلت ضعاف الإيمان يفكرون فى التحبب إليهم والتجمل معهم، فنزلت هذه الآية، ونزل معها ما يفضح نوايا المتخاذلين في الدفاع عن الدين الذي انتسبوا إليه: “فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ” (المائدة: 52).

ثم تستطرد الآيات في توصية المؤمنين بتدعيم صفوفهم أمام المتربصين والمتهجمين، تطالبهم بمقاطعة المحاربين للإسلام من أهل الكتاب، مسوغة هذه المقاطعة بأنها رد للعدوان: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{57} وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ{58}” (المائدة).

ويتساءل الشيخ محمد الغزالي، بعد هذا الإيضاح: “هل هناك ضير على دين ما إذا منع أتباعه من مصادقة الذين يتهكمون بتعاليمه، ويسخرون من شعائره؟”.

ولأجل السياق الذى نحن بصدده أضيف تساؤلًا آخر: هل حقًا تشكل هذه الآيات قيدًا على اشتراك غير المسلمين في تسيير شئون ومرافق الدولة الإسلامية؟

إن تفاسير الآيات وشروحها تقول إنها جميعًا لا تضع قيدًا على حركة وممارسات الآخرين من غير المسلمين، غير المعتدين ولا المتآمرين.

وإذا كان التأويل الخاطئ لبعض آيات القرآن الكريم يقع فيه البعض من المسلمين، فإن بعض الأقباط – وربما الكثير منهم في المجتمع الإسلامي – يقع فريسة لبعض الهواجس التي قد يكون من المفيد التعرض لها.

الأقباط والشريعة الإسلامية وحقوق المواطنة في المجتمع الإسلامي

يحاول العلمانيون استغلال ورقة تطبيق الشريعة الإسلامية للإثارة والوقيعة بين المسلمين والأقباط، واستخدام الأقباط كورقة تحول دون تطبيق الشريعة، وإن أدى هذا إلى شق صف الأمة وهدم وحدتها.

لقد تفنن مدعو حماية الأقليات في ابتداع الشبهات، فهم يلقون في روع المسيحيين أن حقوقهم في المواطنة لا يمكن ضمانها في ظل الحكم الإسلامي.

وهذا قول مردود عليه. فلقد تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الأقليات غير الإسلامية في المجتمع الإسلامي حتى مع اليهود والمشركين، وهم أشد الناس عداوة، ولم يكرههم على اعتناق الإسلام، ووسعتهم معاهدته على أن لهم حرية العقيدة والتدين، وأن ليهود المدينة ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين.

ثم إنه صلى الله عليه وسلم تزوج “مارية القبطية” واستوصى بأقباط مصر خيرًا فإن لهم عهدًا ورحمًا. كما أنه قال: “من آذى ذمياً أو انتقصه حقه أو كلفه فوق طاقته فأنا خصمه يوم القيامة”. ونحن نعلم جميعًا كيف قضى عمر بن الخطاب للقبطي ضد ابن عمرو بن العاص قائلًا له: “اضرب ابن الأكرمين”، وقائلًا لعمرو: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا”.

يذكر المستشار طارق البشري في مرجعه القيم “المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية”: “إن حياد العلمانية شكلي، لأن الابتعاد عن السياسة بالنسبة للمسيحية لا ينتقص منها كعقيدة، بينما الإسلام على العكس يتصل بشئون الدنيا وينظم بمبادئه علاقاتها، وإبعاده عن ذلك يفقده بعض جوهره، والفكر الديني القبطي لم يكن فكر مؤسسة حاكمة قط، لذا فإن ورود العلمانية مع ما وفد من الغرب لم ينتقص من الفكر المسيحي المصري شيئًا، على العكس الوضع بالنسبة للفكر الإسلامي. وليس طريق بناء الجامعة القومية ضد عقيدة الأغلبية ولا الأقلية من ذوي الدين، بل الطريق هو إيجاد صيغة المساواة والمشاركة في تحرير الجماعة الوطنية ونهضتها.

والحذر من الإسلام السياسي تيار مغترب وافد، وهو منتشر بين المتأثرين بالثقافات الغربية من المسلمين والأقباط، فليس المصدر الرئيسي للحذر منه اختلاف الدين بقدر ما هو اختلاف الجذر الثقافي، وقد يكون لدى الأقباط سبب خاص يتعلق بهذا الحذر لأن الإسلام عنصر يميز الأغلبية، بيد أن ضرب التيار الإسلامي ليس مصدر الأمن للأقلية غير المسلمة في المجتمع الإسلامي وإنما مصدر الأمن يتعلق بنظام الحكم، أي بإقرار مبدأي المساواة والمشاركة، فليس أمن القبطي وضمان وجوده السياسي والاجتماعي مرتبط بإضعاف الإسلام أو نفي إسلامية المسلم”.

ويقول “البشري” في الرد على مخاوف الأقباط من الشريعة الإسلامية: “في البداية ينبغي تقرير أن من حق المواطن طلب المساواة، ومن الواجب أن يجاب. وهنا تتعين الإشارة إلى أمرين أساسيين:

الأمر الأول: أن مواطنًا لا يضمن لمواطن آخر إلا حقه في المساواة والمشاركة، وأي مواطن لا يملك لأخيه إلا ضمان هذا الحق، وأي مواطن لا يحق له أن يطلب أكثر من المساواة والمشاركة. أما ما دون ذلك من أمور تتعلق بنظم الحكم والاقتصاد والسياسة، فهي أمر شائع بين المواطنين جميعًا، يختلفون ويتفقون وفقًا للمواقف السياسية والاجتماعية الشائعة بينهم.

الأمر الثاني: أن رفض الشريعة الإسلامية لا يجري هنا ترجيحًا لنظام قانوني أكثر اتصالًا بالبيئة وأكثر ارتباطًا بتاريخ الشعب وتراثه، ولكنه يجري ترجيحًا لنظام قانوني لاتيني وفد وتقرر وكان غريبًا عن نظم المعاملات المعمول بها في المجتمع الإسلامي ولا وجه مع تقرير المساواة وافتراض الملائمة، لا وجه لترجيح نظام وافد على نظام موروث لمجرد أن الأقلية الدينية تأبى ذلك.

أما بالنسبة لرفض الشريعة على أساس أنها مستمدة من أحكام دين غير دينهم، فقد يكون لهذه الحجة وجه لدى من يقول بها لو أن للكنيسة القبطية نظام قانوني للمعاملات يوازي نظام الشريعة أو يتضمن ما يخالفه، لكن رجال الكنيسة أنفسهم يقرون أنه لا يوجد هذا النظام.

وكما يقول الدكتور وليم سليمان قلادة: “المسيحية تمتنع عن سن تنظيم وضعي للمجتمع تقوم على تنفيذه سلطة زمنية. إنها تجعل السلطان المسيحي في المجتمع مؤسسًا على الحب والخدمة”. وإذا كانت المسيحية لا تضع نظامًا قانونيًا للمعاملات ولا للعقوبات مثلما الشريعة الإسلامية لها هذا النظام.. فلا يظهر وجه لامتناع غير المسلم عنها بسبب ديني ما دام يكفل له حق في المساواة والمشاركة.

ويقول الدكتور شفيق شحاتة: “إذا أرادت البلاد العربية الرجوع إلى مقوماتها الأصيلة يتعين عليها الرجوع إلى ينبوع الشريعة الإسلامية لتغترف منه أنظمة تتسق وحاجات العصر.

وإذا سقطت شبهة الدنيويين السابقة يسارعون بالإضافة: “كلا إن حقوق الأقليات في المشاركة السياسية والاجتماعية في المجتمع الإسلامي لا يمكن ضمانها إلا في ظل نظم دنيوية”، وهو قول غريب بدليل أن النظم الغربية الدنيوية “الوضعية” لم تنصف أبدًا الأقليات العرقية أو الدينية؛ ولنتأمل في وضع الزنوج في أمريكا، ووضع المسلمين في الدول الشيوعية قبل سقوطها، ولننظر في وضع الأيرلنديين في بريطانيا، ولنمعن النظر في وضع الأقليات المسلمة في بورما والهند والفلبين”.

وهنا يأتي السادة الوكلاء من الدنيويين إلى حجتهم الأخيرة، فيدعون أنه لا يمكن تطبيق الشريعة الإسلامية أو الحكم بما أنزل الله، لأن هذا يمثل مساسًا بحقوق هذا الأقليات في المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات.

ولأن هؤلاء الوكلاء حريصون على الإسلام حرص إخوة يوسف على يوسف، فإنهم يخشون أن ترفض هذه الأقليات تطبيق الشريعة في المجتمع الإسلامي فيثير هذا كثيرًا من الفتن والاضطرابات. يا له من حرص ويا لها من طيبة قلب!. ولكنه قلب أسود يحقد على الإسلام.

وهنا سنفترض حسن نية العلمانيين – رغم عدم تأكدنا من ذلك – ونسألهم: هل تتخلى الأغلبية عن هويتها ودينها ومقدساتها طلبًا لمرضاة الأقلية؟ أليس هذا نوعًا من الاستبداد؟ ثم هل تقبل الديمقراطية التي تتشدقون بها هذا الاستبداد؟ ما رأيكم في لو أن الأقلية المسلمة في أمريكا أو حتى في الفلبين أو الهند طالبت الأحزاب الحاكمة بالتخلي عن برامجها لتطبيق الحل الإسلامي؟ أجيبونا يرحمكم الله.. قطعًا لن يجيبونا.

نعود فنسأل: ما أقصى ما تطالب به الأقليات المسلمة في هذه المجتمعات؟ ربما يطالبون بتأمين حقوقهم، وأن يعيشوا وسط هؤلاء آمنين على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، ربما يطالبون بالسماح لهم بتأدية الفرائض، أو حتى خروج صوت الأذان لخارج المسجد، ولكن حتى هذا الطلب الأخير سيرفضونه. ولكن لماذا نسأل ونفترض ونجيب؟ لماذا لا ننظر للواقع؟ هل يستطيع المسلم الأمريكي مثلًا أن يتزوج أكثر من واحدة؟ قطعاً لا يستطيع لأن قانونهم المسيحي أو الوضعي يحرم عليه ذلك.

في المقابل، نجد أن الشريعة الإسلامية تمكن لهم أن يطبقوا شرعهم في مسائل الأحوال الشخصية فيما بينهم. نعود فنسأل: هل يستطيع المسلم الأمريكي أن يطالب المحاكم الأمريكية بتطبيق قواعد الميراث الإسلامية؟ ثم إذا طلق المسلم الأمريكي زوجته هل يعطيها النفقة الشرعية أم أنه سيضطر لأن يعطيها نصف أمواله عند الطلاق احترامًا للقانون الأمريكي؟ ورغم أن السادة الوكلاء حماة الأقليات مفتونون بالغرب، فإنهم في هذه النقطة لا يفتنون ويحرضون الأقليات على الاعتراض على تطبيق شريعة الأغلبية، أليس هذا نوعًا من الاستبداد؟

وما زال السادة المفوضون حماة الأقليات في المجتمع الإسلامي يشككون. إذن فلنسوق لهم شهادة بعض أصدقائهم من المستشرقين لعلهم يصدقون، يقول أحدهم ويدعى “دوجوا فار”: “إن من أسباب سقوط الدولة العثمانية هو مبالغتها فى إعطاء الحرية المذهبية للأمم المسيحية التى خضعت لها، مما ساعدها على الانفصال”. ويقول بطريرك “أنطاكية” واسمه “ماركوس”: “أدام الله دولة الترك خالدة إلى الأبد. فهم يأخذون ما فرضوه من جزية ولا شأن لهم بالأديان، سواء أكان رعاياهم مسيحيين أو يهودًا أو سامرة”.

ونستشهد هنا بكلمة الأنبا شنودة التي ألقاها أمام الرئيس السادات يوم وضع حجر الأساس لمستشفى “مار مرقس” وهو يقول: “إن غير المسلمين لم ينعموا بحقوقهم كاملة إلا فى العصور التي ازدهر فيها الحكم بالشريعة الإسلامية”، ثم برهن الأنبا شنودة على ذلك بقوله: “كان عمر يقضي بين عليّ بن أبي طالب ويهودي، فقال عمر اجلس بجانب خصمك يا أبا الحسن حتى ننظر في القضية.. فعرف الغضب على وجه علي، فقال عمر إنها المساواة يا أبا الحسن بين الخصمين في مجلس القضاء. فقال عليّ: ما غضبت لتحقيق المساواة وإنما لانعدامها! فقال عمر: وكيف ذلك؟ فقال عليّ بن أبي طالب: دعوتني بالكنية وقلت يا أبا الحسن والكنية تكريم.. وناديت الخصم بالاسم المجرد فلم تسو بيني وبينه حين أعطيتني من التكريم ما لم تعط خصمي”.

والشهادة ممن؟ من البابا شنودة بابا الكنيسة القبطية والمدافع عنها. وأمام من؟ أمام الرئيس السادات والمردد لمقولة: “لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة”، والذي سجل في كتابه: “البحث عن الذات” أن مثله الأعلى مصطفى كمال أتاتورك.

يتضح من هذا، أن العلمانيين يحرضون الأقليات ضد الأغلبية لزعزعة الاستقرار لغرض في نفس يعقوب قد أوضحناه. إذن فهم يريدونها فتنة غير مبررة يزكون نارها. ولكن نار الفتنة ستحرق الجميع، فهل من مدكر؟ أم أن الأقفال ما زالت على قلوبهم والغشاوة ما زالت على عيونهم؟

مشاركة الأقباط في تولي الوظائف العامة

ورحلة التاريخ الإسلامي تقول إن الشريعة الإسلامية لم تشكل – بوجه عام – قيدًا يذكر على عطاء الآخرين وإسهامهم في مختلف نشاطات الدولة الإسلامية. حتى أن “ترتون” يذكر في كتابه “أهل الذمة فى الإسلام” أنه عندما ولى الحكم الخليفة الأموي “سليمان بن عبد الملك” كان المسلمون يتولون في الحكومة الوظائف الثانوية التي لا يعتد بها (ص24) وأن الدواوين حتى زمن أبيه “عبد الملك بن مروان” كانت تدون باليونانية والفارسية والقبطية دون العربية (ص20).

وإزاء تولي النصارى قيادة جيوش المسلمين في بغداد والأندلس، قال عليّ بن عيسى – من وزراء العباسيين – لأبي الحسن بن الفرات الوزير: أما اتقيت الله في تقليدك جيوش المسلمين رجلًا نصرانيًا، وجعلت أنصار الدين وحماة البيضة يقبلون يده ويمتثلون أمره! فقال له: ما هذا شيء ابتدأته ولا ابتعدته.

وكان المستنصر بالله قد قلد الجيش “إسرائيل النصراني” كاتبه. وقلد “المعتضد بالله مالك بن الوليد النصراني” كاتب بدر ذلك، فقال له عليّ بن عيسى: ما فعلا صوابًا، فكان رده: حسبي الأسوة بهما، وإن أخطأ على زعمك.

وحدث في بغداد أن دخل أحد الوزراء النصارى، واسمه “عبدون بن صاعد” على القاضى “إسماعيل بن إسحاق”، فوقف له مرحبًا به، ولاحظ القاضي أن الشهود وبقية الحاضرين أنكروا عليه هذا العمل، فلما خرج الوزير، قال لهم إسماعيل: “قد علمت أفكاركم، وقال الله تعالى: “لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ”، وهذا الرجل يقضي حوائج المسلمين، وهو سفير بيننا وبين خليفتنا وهذا من البر”، فأمن السامعون على قوله وبه.

الخلاصة

إن الأساس في منهجنا كإسلاميين يعتمد على القرآن والسنة، ثم نعتمد على الاجتهاد، وفي الاجتهاد نحترم اجتهاد من سبقنا، ولكننا بالطبع لا نقدسه، ويمكن أن نخرج على كثير مما جاء فيه، سواء لأننا نظن أن صاحبها قد أخطأ بطريقة أو أخرى، أو لأن الظروف التي ظهر فيها هذا الاجتهاد تختلف عن ظروفنا الراهنة التي قد تحتاج فكرًا جديدًا واجتهادًا جديدًا. وهناك مبادئ أساسية تحكم حركتنا، والمبدأ الأساسي الذي يحكم علم الاجتماع الإسلامي أو علم “العمران البشري” كما جاء في القرآن، وكما استنبطه “ابن خلدون” هو أن الإسلام لا يعرف التفرقة العنصرية، وإنما يعرف التفاهم، ويحترم آدمية البشر جميعًا، وأن الله حين كرم آدم فإنه بهذا التكريم قد كرم أبناءه جميعًا، وإن كان بتباين للفئات المختلفة حسب تقواها.

وهذا يتضمن أن هناك خلافات بين البشر، لأن البشر ليسوا شيئًا واحدًا، بل خلقوا وكرموا بسبب قدرتهم على الاختلاف، ولو أنهم كانوا متطابقين لما كرمهم الله هذا التكريم، وسنظل بهذا الاختلاف حتى قيام الساعة، ثم تتم محاسبتنا كل حسب تقواه وقربه من الله وعدله في الحياة الدنيا.

ويترتب على ذلك في سلوكنا اليومي أننا نقبل الآخر، ونتعايش معه، وعلى الرغم من أنه يمكن أن يكون هناك خلاف، فإن هذا الخلاف لن يصل إلى حد القتال، لأننا مقيدون بأوامر القرآن والسنة التي تنهى عن ذلك، وهذا التعايش يظل مفتوحًا وحرًا إلا إذا بادرنا الآخر وأصبح ينشط نشاطًا يهدد كيان المجتمع كله، وفي هذه الحالة يكون لنا أمر آخر في التعامل طبقًا لما أمرنا به أيضًا القرآن والسنة.

وإذا كان المسلمون يطالبون بعلاقات وقواعد محددة تحكم علاقاتهم بغير المسلمين في الهند، فإن هذه القواعد بالضرورة تختلف عن القواعد التى نضعها نحن في مصر لتحديد علاقتنا مع غير المسلمين، حيث أن المسلمين في الهند أقلية، ونحن هنا الأغلبية. المسلمون في الهند لهم ظروف كثيرة تختلف عن ظروفنا. وبالتالي لابد أن تختلف القواعد التى يستنبطها فقهاء الهند لتحكم علاقة المجتمع الإسلامي بمن حوله عن العلاقات التي نستنبطها نحن وفقهاء المسلمين في قلب مصر.

هذه تختلف عن تلك، على الرغم من أن الإسلام واحد، والقواعد الكلية واحدة. وكما يقول الإمام الشافعي: ليس اختلاف برهان ولكنه اختلاف زمان ومكان.

باختلاف الزمان والمكان يمكن أن نستنبط أحكامًا شرعية تختلف عن بعضها البعض، بسبب أن هذه القواعد مرشحة لأن تنفذ فى هذا البلد، وتلك مرشحة لكي تنفذ في بلد آخر ذي ظروف مختلفة.

إن علينا أن ننشر دعوتنا، ونقيم علاقات الود بنشر دعوة الخير، وبمجهود مضاعف لمواجهة خطر الشياطين الذين يقودون حملات الوسوسة والتآمر فى نفوس غير المسلمين فى مصر.

إن كل المتدينين في العالم في موقع الدفاع عن أنفسهم في مواجهة الإلحاد العالمي، وأي عاقل يفهم دينه فهمًا صحيحًا لابد أن يفهم أن العدو الحقيقي هو المادية والإلحاد، وليس المسيحيين، ولذلك ليس من المصادفة أن الدولتين الإسلاميتين المعاصرتين – وهما إيران والسودان – من أنشط الدول والمجتمعات قاطبة في محاولة تشكيل جبهة من المتدينين، فكل من يؤمن بالغيب على نحو ما. هو أفضل ممن لا يؤمن بأي غيب وكافر بأي إيمان. وكل من يؤمن بنوع من البعث والحساب في الآخرة هو خير من هؤلاء الدنيويين، الذين يظنون أنه لا يوجد شيء بعد الحياة الدنيا.

ولذلك تبذل إيران جهدًا كبيرًا فى الحوار مع أصحاب الديانات الأخرى للوصول إلى أرض مشتركة حول المسلمات الغيبية الأساسية التي تجعل الإنسان متدينًا أو غير متدين، حتى يقف المتدينون جميعًا معًا في مواجهة الكفر.

وليس مصادفة أن الذي يقف ضد مخططات إبادة البشر وتحديد نسل المسلمين من الغرب هو الفاتيكان.

وليس مصادفة أن الذي وقف في الغرب مناهضًا عدوان أمريكا على العراق كان من داخل أمريكا من الكاثوليك والمسيحيين المتدينين المخلصين، وهم أكبر القوى التى تظاهرت في الشوارع لمنع حرب العراق وإبادتها.

والآن من يقفون ضد المشروع الصهيوني وضد الانحياز الكامل لإسرائيل من قبل المؤسسة الأمريكية هم المسيحيون المتدينون في الغرب. من يقف مناصراً للسودان داخل أمريكا وداخل الدول الغربية هم المسيحيون المتدينون.

إذن ما نتكلم عنه من إمكانية وجود نوع من أنواع التحالف والتساند بين المتدينين – على اختلاف أديانهم – ضد الإلحاد وضد الكفر العالمي في كل ما هو غيبي، ليس أملًا عزيزًا ولكنه أمل يتحقق بالفعل، وكل القوى الإسلامية الناضجة تسعى لبناء لبنات في هذا المضمار.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

طارق الكركيت

باحث ومدير تحرير مجلة منبر الشرق سابقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق