ريادة أعمال وإدارة

رأس المال الفكري: فيض من الثروة المعلوماتية المتجددة

تستطيع الدول والمؤسسات التي يسهل عليها تعبئة أصولها الفكرية وتجميع قواها لإدارة المعرفة، أن تنافس وتبقى لأطول مدة ممكنة دون أن تهتز وتتراجع نظرًا لقوة إدارتها للمعرفة ولكونها ولادة رأس المال الفكري المتجدد.

في ظل التنامي السريع للتسابق في كشف أسرار جائحة كورونا “كوفيد-19” التي ما تركت بقعة بالأرض إلا وانتهكت خصوصياتها، وفضحت قوتها، وكشفت بنيتها التحتية؛ أصبح التنافس والتسارع عالميًا، فيمن يملك المعلومة ويستيطع بجدارة أن يدير المعرفة سعيًا وراء التنافسية أو محاولة التفرد بسبق علمي قد يوصله إلى العالمية في تفسير وتحليل وعلاج هذه الجائحة، ومن قبلها كانت إدارة المعرفة هي الغالبة في التنافسية بين الكبار سواء في التسليح أو في السبق العلمي أو الغزو الاقتصادي والفكري.

ما هو رأس المال الفكري؟

إن أول من استخدم مفهوم رأس المال الفكري هو المفكر روبرت مارشند، وذلك بداية الثمانينات من القرن الماضي، حيث وصف العمل النموذجي بأنه ذلك العمل القائم على المعرفة وحسن إدارتها ومقدار ما تملكه المؤسسات من أفراد لديهم قدرات متميزة تمكنهم من الإسهام الفكري والعملي في النهوض بالمؤسسات والدول وزيادة إنتاجها، ولذلك فإن الاسثمار في العقول والفكر أصبح تجارة لا تبور بل هو ركيزة أساسية يرتكن عليها وقت الصعاب.

يكمن الفارق بين رأس المال الفكري وبين رأس المال الأصولي المعتاد أن الأخير يتوقف عند المشاكل بل أحيانًا يتلاشى وينقص وله عمر ودورة حياة أما راس المال الفكري فهو لا يشتد ويتقد إلا في الأزمات والمشاكل، وكلما عصفت به الأزمات كلما زاد ونما وأتى ثماره.

اقرأ أيضًا: تعرف على أهمية رأس المال الفكري في شركات السياحة وأنواعه

صور رأس المال الفكري

طالما أن مخزون رأس المال الفكري وهذا النوع من الأموال هو العقل البشري فإن دلائل وجوده تكمن فيما يملكه هؤلاء من معلومات ومهارات وخبرات وقدرات ومفاهيم واتجاهات تمكنهم عند تطويعها من التنافسية لرفع أسهم مؤسساتهم عن نظرائها الآخرين.

لم يقتصر التفاضل بين المؤسسات والدول في عصرنا الحالي على الأصول والرقعة الجغرافية وعدد العملاء أو السكان لقطر معين بل أصبح متعد لما أكبر من ذلك، حيث أصبحت التنافسية معتمدة على الهيمنة على المعرفة ومهارة إدارتها، والتي عليها يجب أن تغير المؤسسات والدول استراتيجياتها لتتمكن من التفرد. ولذا فإن هناك نماذج سريعة تؤكد الفكرة المطروحة:

  • ألمانيا مثلًا اشتهرت بالميكنة وجودة تصنيعها، ولما تغير هذا العصر من التصنيع إلى الإدارة أصبح الأمر شاق عليها فاضطرت إلى منح آلآف التأشيرات إلى الهند ساعية لاستقطاب نوع جديد من رأس المال أفضل من رأس مال المعهود في الآلة ويفوق ما لديها من الصنعة نفسها.
  •  تخلت أمريكا في جائحة كورونا عن تعليمات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي آثر الشح في إصدار التأشيرات للخارج رافعًا مبدأ جديد “أمريكا أولًا”، والذي ينادي به في كل محفل فإن إدارته تعلن عن فتح باب التأشيرات لأطباء خارجيين سعياً منهم لاستقطاب رأس مال جديد قد يدفع عنهم خطر كورونا.

دلائل قوة رأس المال الفكري في المؤسسات

إن المنظمات الراقية تلك التي تستطيع أن تكون بنيانها من صناع الفكر فهم وحدهم القادرين على إدارة المعرفة ورأس المال الفكري وتوجيه دفتها نحو الإنتاجية والتفرد سعيًا للتنافسية ولكن ما هي دلائل تواجد هذه القوة الخفية في المؤسسات؟ تشير الدلائل على تواجد هذه القوة من خلال:

  • تجدد الأفكار وسرعة وانسيابية توليدها.
  • قاسم المعلومة وسهولة استخدامها بين أفراد المؤسسة الواحدة فلا احتكار بينهم للأفكار.
  • الانفتاح المعرفي بين أقسام المؤسسة الواحدة وانعدام شح المعلومة.
  • استقطاب صناع المعرفة والاستثمار فيهم.
  • توجيه الصرف نحو إدارة المعرفة وصناعها.
  • التقدير لأهل المعرفة وخبراءها وتنمية قدراتهم والصرف عليهم.
  • تحويل المعرفة إلى التطبيق بأسرع وقت كنوع من الإدارة لها.

هذه جزء من دلائل كثيرة تظهر التوجه لدى المؤسسات والدول في احترام وتقدير الاتجاه العالمي في تجسيد الإدارة المعرفية من خلال الاهتمام بصناع المعرفة وخبراءها، وهذا ما ينقص عالمنا العربي يا سادة.

ولذلك، لا تعجب عندما يمر رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون، على طاقم طبي خبير يدير معه أزمة كورونا في شهر مايو الماضي، سائلاً إياهم عن أصولهم، كانت مفاجأة له كون أكثر من تسعين بالمائة من الطاقم الطبي فرنسيون من أصول أفريقية (تونس، الجزائر، المغرب، مالي، غانا، وغيرها)، ليضيفوا بصمة مميزة لفرنسا كما أضافها فريقهم الفائز بكأس العالم، ذلك الفريق الذي حوى أكثر من ثمانين بالمئة منه مجنسين وليسوا من فرنسا الأصليين.

يحتاج عالمنا العربي يا سادة إلى تعميق وغرس هذا النوع من الفكر، ألا وهو رأس المال الفكري في تنمية هذا  الاستثمار، والذي يعد الآن هو الاتجاه العام للدول والمؤسسات الرائدة لتحقيق التنافسية والاستمرارية، فمن يملك المعلومة ويحسن إدارتها ستكون له الكلمة العليا، وهذا ما نحتاجه الآن.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

محسن الكومي

مستشار تدريب ، وتنمية موارد بشرية،خريج كلية تربية93 ، خريج كلية الحقوق2000 - دبلوم صياغة العقود - ماجستير ادارة اعمال - دكتوراة مهنية في الموارد البشرية - ماجستير ثقافة اسلامية

‫4 تعليقات

  1. اعتقد ان هذا الكلام الرائع صالح لكل العصور فالدين الاسلامي قام على الاعداد الفكري للفرد ليكون مفيدا للبشرية جمعاء

  2. عشان كدا في ناس بتبدأ مشروع براس مال قليل وتلاقيها نجحت وحققت انجازات رهيبه نتيجه التوفيق من الله ومن بعده الفكر الإداري الجيد

    1. صدقت يا باشمهندس فعلا وفيه نموذج رائد جدا هو الشخ سليمان الراجحي كيف كانت بدايته وما هي املاكه الان بالمملكة السعودية وخارجها وايضا ستيف جوبس (ابل) كيف كانت حكايته وكيف صار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق