مدونات

ذكريات مدرس في المغرب العميق (7) 

بدو المغرب ليس لديهم تاريخ مكتوب لكل تاريخهم يُنقل مشافهةً من جيلٍ لجيل ومن سلفٍ لخلف، بعض المعلومات وصلتنا من جندي مجهول في حروب البدو التقليدية، كانت شهادته بمثابة النقطة التي أفاضت الكأس للجزء السابع من مذكراتنا.

حروب بدو المغرب من أجل الأراضي الإقطاعية

كي يستطيع بدو المغرب أن يحرثوا تلك الأراضي في الجبل باطمئنان، كي يجنوا ثمراتها في وقت الحصاد، كي ينعموا بغِلتها، كان لابد من أن يخوضوا حروبًا ضارية، يحكيها لنا التاريخ الشفهي للمنطقة، على لسان أحدهم، فيقول: “كان الدوار يفرغ من ساكنيه، فلا يبقى إلا العجائز من النساء والرجال والأطفال الصغار، ممن لا يقدرون على حمل السلاح! (ابتداءً من البندقية إلى المنجل والسكين!)، يبقى الدوار (القرية) خاوية على عروشها، إلا من مدرسين يدرّسون التلاميذ الصغار، أما من اشتد عوده وقويّ بنيانه، فيخرج طلبًا للشهادة في سبيله إقطاعه! (أرضه( بالمفهوم العصري”.

وحكى لي أحد الأصدقاء أنه اطلع في كتاب لمؤرخ فرنسي حول تاريخ هذه البقعة من أرض المغرب، قال “إن الجنائز كانت متتابعة، فيقتل شخص كل مرة ببندقية، بسبب شيئًا بسيطًا تزهق الأرواح”، ربما بدو المغرب في هذه المنطقة “دمهم حامي” كما يقول الإخوة المصريون، لكن من “قتل نفس بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعًا”، هكذا علمنا الإسلام، ربما لم يتغلغل هذا الدين في أفئدة أجدادهم من القتلة! أما الأحفاد الجدد فقد تعاركوا  لأجل الأرض التي يجنون من ورائها الذهب، وهذا في زمن ليس بعيد من هذا التاريخ بل الأحداث كلها في الألفية الثالثة! حيت كان الصراع على أشده بين هاتان المنطقتان من المغرب العميق، حيث لا طريق مُعبّد ولا حلم مُجسّد، فالكل هنا يحمل فكرًا إقطاعيًا، ويتسارع البدو لبناء المنازل العصرية، تستهويهم المادة، وينسون في زحمة الحياة أن يبنوا الإنسان، أن يستثمروا في أبناءهم، فذاك خير استثمار.

أعراس البادية: حفلات فرح جماعية!

يفرح الجميع بالعرس؛ العروسان والأهل والأهالي والسكارى وأئمة المساجد؛ لأن الكل مستفيد، فالأعراس تبدأ في البادية حينما يعلن في مسجد الدوار أن عرسًا سيقام والكل مرحب به بدون دعوة أو استئذان، فيذهب الجميع، ويجتمع السكارى من كل حدب وصوب فتحصل المفسدة العظيمة، بل هناك من يسكر خصيصًا في العرس ليفسده على أهله، أما الرقص (يظل الرقص من أسوأ الفنون التي عرفتها البشرية منذ خلق آدم في نظري) فتجد أنثى في مقتبل العمر تهتز ذات اليمين وذات الشمال باسطة جسمها للناظرين يتفحصونه بلا كللٍ ولا ملل، يتفحصون أدق التفاصيل في جسدها وهي التي تمني نفسها أن تلتقط زوجًا تتحكم فيه كيفما تشاء! وتجعله تابعًا لحكومة أمها المركزية التي تسيطر على الأخضر واليابس في دولة منزلهم لأن أباها جنرال متقاعد يكتفي بالتفرج فقط!

أما الموسيقى في أعراس بصفةٍ عامة وعند بدو المغرب خاصةً فلا تطرب السامع، مجرد كلمات ركيكة محشوة في بعضها البعض تسبب تلوثًا سمعيًا لمن يسمعها، ورغم ذلك تجد من يخشع في حضرتها، ويتمايل مع كلماتها.

أما الأدهى والأمر هو تسريب نتائج ليلة الدخلة للجمهور، حيث تخرج النتيجة في منديل إما أحمر أو أبيض، حتى العريس يغلب على أمره ويخضع لاختبار التحمل والرجولة، بينما العروس تخضع لاختبار الشرف في نظر الناس، بينما الشرف الحقيقي معنوي وليس مادي لا يرى بالعين المجردة.

كان موكب العرس في السابق يتكون من أشخاص مترجلين ودابة تحمل العروس مع أخيها ليوصلها لمنزلها الجديد، لكن الموكب تغير وحلت السيارة محل الدواب وأصبحت أساطيل السيارات هي من ترافق العروس لبيت زوجها. أصبح العرس أكثر تعقيدًا وكلما ازداد عدد السيارات في عرسك كلما ازددت نشوةً وتفاخرًا!! أما الأطفال الصغار فيتناسلون كالطفيليات حول دار العرس.

أتذكر في بعض الأحيان يأتيني تلاميذ فيستأذنون للذهاب بمعية أسرهم لأحد الأعراس، فأجيبهم أنني سأطبق القانون وسأعتبرهم متغيبين فلا أتحمل مسؤولية خارج قسمي، لكنهم يريدون أن يحضروا العرس وتظل نياتهم معنا تدرس، أليس الأعمال بالنيات؟ وكيف للتلميذ أن يترك زواج خالته ويأتي إليك؟! أليس ظلمًا أن يترك الدجاج المحمر واللحم الشهي؟ العلم لن يفوت ولكن الوليمة زائلة. إنها تراجيديا الإنسان المقهور، فالبدوي يحاول بتلك الاحتفالات التي تقام لدى بدو المغرب أن ينسى همومه وجراحه وأنّى له ذلك.

 أيها البدوي تخلص من قيمك وبساطتك على الفور!

في صباح البادية الباكر، الهواء نقي، الشمس تستعد للسطوع، الديك يغرد معلنًا بداية يوم جديد وخلق جديد سيشهد على أعمالنا يوم القيامة، ورائحة القهوة اللذيذة تداعب حاسة شمنا، لها طعم خاص خاصة في الفترة الصباحية، منازل طينية يسكنها بدو المغرب تشهد على ماضٍ عريق، أثاث بسيط يستر ولا يُغني! فلاح يحرث أرضًا وينتظر غيثًا من رب الأرض والسماء يروي عطشه وأرضه، وإذا تأخر يتبع جميع الطرق لطلب الغيث فيصلي صلاة استسقاء حسب التعاليم الدينية، ويذهب أبناؤه لطلب الغيث في موروث شعبي حيث يتجول الفتية في البلدة وهم ينشدون ويهللون مطالبين بنزول الغيث.

قال أحد بدو المغرب القدامى ذات يوم حكمة لازلتُ أرددها حتى الآن يقول: “عاش ما كسب، مات ما خلى” (بالدارجة المغربية) أي أنه لم يمتلك ثروة في حياته وحينما مات لم يترك إرثًا، فكل حياته كانت عبارة عن بساطة في العيش فيرضى بالقليل ولا يتسخط على الأقدار ويسعى ولا يرنو نحو التكثير، ويقنع برزقه في النهاية، أما الآن فالبدو يتخلصون يومًا بعد يوم من بساطتهم، فجرب أن تدخل منزل أحدهم ستجده يبالغ في التأثيث والتأنيث، فقد يحرم ابنته من متابعة الدراسة لكنه لا يعاتبها على شراء أحمر الشفاه وعدة التجميل وأشياء أخرى، فلم يعد ينزعج من ابنته التي تخرج بدون لباس مستور، وكأن هؤلاء تشبعوا بقيم النسوية والعلمانية فلا أحد يحرك ساكنًا، حتى ملابس فتياتهم الصغيرات لا يراقبونها فقد أُقنعوا بالعولمة وما عادت السترة تستهويهم!!

كنت أستغرب دائمًا حينما أرى الملابس المثيرة في البادية وأقول مع نفسي، دخلكم التقدم مقلوباً، ستحصدون ما تزرعون، لربما لم تكن لهؤلاء أي تشبع بالقيم من قبل ربما هي مجرد عادات جُبلوا عليها منذ القدم ومع عصرنا تغير كل شيء وعادت الحشمة تاريخًا يروى ويطوى.

أصبح الكل يمني نفسه للسكن في المدينة أو أن يبني وفق نمط بنائها فلم يعد التراب يقنع بدو المغرب سيقتنعون بها حينما يعانقونها في قبورهم، آنذاك سيعلمون أن البساطة أعظم من كل شيء يهرولون وراءه، فحتى تلك التي عاشت طفولتها في البادية أصبحت تشترط السكن في المدينة على من يتقدم لخطبتها، فكثيرة هي الحكايات التي سمعتها عن تمرد إحداهن على زوجها بسبب سجنها في القرية بعد الزواج! فأعلنت التمرد عليه وأنها تأبى العيش في الطين والوحل!!

جمهورية الأطفال العظمى عند بدو المغرب

أطلُّ صباحًا من نافذة المنزل الذي أسكن فيه وسط الدوار وأشاهد صدفةً طفل يتحرك بسرعة نحو المدرسة يحمل محفظة فوق ظهره ويلتهم خبزًا وزيتًا، يسابق الزمن ليصل للمدرسة، فأبواه ربما نسيا أن يوقظاه باكرًا، فكثرة الخلق في منزلهم تخلق الفوضى ومدعاة التفاخر في نظرهم فقد ورثوها عن أجدادهم، فهذا دليل على الخصوبة وكل طفل يصاحبه رزقه، حقيقة لا مراء فيها، لكن ماذا عن التربية يقول البدوي “المربي من عند ربي”، أي أن الله سيربي ابنه شخصيًا! فلا داعي لأن يتعب نفسه، بل سيستمر في البحث عن مواليد جدد يملئون المنزل ضجيجًا وعويلًا فهذا يصرخ وذاك يتضور جوعًا…

لا يمتلك بدو المغرب ثقافة تنظيم النسل؛ فتجد امرأة تربي اثنان دفعةً واحدة، ترضعهم بالتناوب، تطبطب عليهم بالتقارب، تضربهم تحت ذريعة التثاؤب، لأنها لم تنم من ليلة البارحة بعد أن استيقظوا جميعهم وحرموها السبات.

إنها جمهورية أطفال إذا قاموا يصرخون يقومون جميعًا، وإذا سكتوا كانوا كالهدوء الذي يسبق العاصفة! الأم تحمل واحدًا فوق ظهرها وتجر الآخر كلما دعيت لمأدبة، بل وحتى في الجنائز يطوق هؤلاء الأطفال الموائد ويفترسون كل ما وضع عليها بكل شراسة، إلا أن الأم تتحس بين الفينة والفينة بطنها التي قاربت الانفراط، ربما هو فرد جديد سينضم لهذا الشعب عما قريب، فالبدوي لا يضيع وقته، ويفرخ المزيد من الكتاكيت لتملأ الخم المتخم من المنبع.

تنويه: إن الأفكار الواردة في هذا المقال ليست تعميمًا بأي حال من الأحوال، فلكل  قاعدة استثناء. وكل الأفكار نابعة من إيديولوجيا الكاتب التي لا يدخر جهدًا في الدفاع عنها.

اقرأ أيضاً: الأثر الاجتماعي والاقتصادي لأزمة كورونا على الفرد في المغرب

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق