مدونات

ذكرى الوجود والعدم.. ما هو الميلاد الحقيقي للإنسان؟ ومتى يكون؟

يقال الموت يخطف الطيبين قبل أن تينع أزهارهم ويحين قطفها، ويظل شرار الخلق من يطول عمرهم ويزداد عملهم قبحًا، فطوبى لعبد تيقن من الرحيل وعمل لما بعد الموت، أما الميلاد الحقيقي للإنسان هو حينما يمتلك قلبًا سليمًا من كل الأدران، خال من كل الأحقاد، حينما لا يكترث لما يروج في العالم الافتراضي من مباهاة بالنعم، حينما يكون همه الأول والأخير أن يرضي ربه، وحينما يتجهز للموت كما يتجهز للحياة، وحينما تكون ذكرى وجوده تذكرة بذكرى عدمه. يومًا ما في عمر الكون.

الميلاد: ذكرى الوجود على الأرض

يظل موقف المسلم ثابت إزاء تلك الدعوات التي تحرض على الاحتفال بعيد الميلاد وتقليد أصحاب الملل الأخرى، فهو يرفض أن يقلد أمثال هذه الممارسات ولا يسميها عيدًا، فهو يعرف ويوقر عيدين فقط: فطر وأضحى، وغيرها لغو من القول وبدع لا يقبلها الشرع الحنيف، لكنه يتذكر تاريخ ميلاده من كل سنة ليتأمل في مساره على الأرض وما هي رؤيته لمستقبل الأيام عليها، فتحديد الرؤية ووضع الخطة والبدء بالتنفيذ هي خطوات ضرورية لنرفع الإنتاجية في شتى جوانب حياتنا.

هذه السنة تصادف ذكرى ميلاده مع وفاة خالته، فحينما بلغ الخامسة والعشرين ربيعًا اشتد عوده وأزهرت وردته مع ذبول وردة خالته، غادرت دنيا البشر بعد أن أنهك المرض العضال جسدها النحيف،كانت امرأة طيبة نادرًا ما يُسمع لها صوت، عاشت معزولة عن الناس تسكن قرب الوادي حيث لا طير يطير ولاسير يسير، رغم أنه كان لا يراها إلا لماما في إطار صلة الأرحام، إلا أنه كان يحبها ولازال، ومن لا يحب خالته!؟ أليست في منزلة الأم؟ أليس برها كبِرِّ الأم؟ أليس حنانها كحنان الأم؟

رثاها بكلمات نثرية واكتفى بالدعاء، فله ذكريات مع الرثاء، رثى والده شعرًا ذات مرة رغم أنه ليس شاعرًا! لكن المشاعر مقدسة ولا بد لها من طريقة لتعبر عن نفسها، فهو يكتب للذكرى، ذكرى خالته التي لن يراها بعد اليوم، متمنيًا أن يلتقيا معًا في جنة الخلد ولما لا؟ يقال إذا أحببت أحدًا خذه معك في دعائك، لا تنساه في مناجاتك مع الخالق سبحانه، فالله يحب العبد الملحاح، وفي النهاية الدنيا ماهي سوى دار عبور مؤقتة وزائلة، والآخرة هي دار القرار، كلنا سنفنى وستبقى ذكرانا في الوجود إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، فلنعمل ليوم تشخص فيه الأبصار، ونستشعر الميلاد الحقيقي لإنسانيتنا فنعمل للحظة ولوجنا القبر لأول مرة، رحم الله جميع موتى المسلمين وجمعنا الله بهم في جنة الخلد آمين.
هذه هي سنة الحياة هناك من يستعد للعيش وهناك من يُجَهز للموت، وهناك من تغره الأماني ويتمنى على الله.

الموت: ذكرى العدم

حينما يموت أحدهم وتذهب للعزاء، ترى ممارسات غريبة، فتجد من ينتظر الوليمة ومن يتكلم بالنميمة، فلم يكف هؤلاء ميتًا منطرحًا مغسلًا أمامهم كي يتعظوا، فقلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة، وقد تجد من تذكر حبيبًا له تحت التراب فأجهش بالبكاء، ومن رق لحال أهل الميت فساعدهم بالدعاء، ومن زار فغادر باكرًا ولم يثقل عليهم بالبقاء، لا يجب أن ينسى الناس في الجنائز أن يقتلوا كل مظاهر الحياة لبرهة من الزمن، عيشوا مع الميت لحظات انتقاله للعالم العلوي، فأخطر لقطة في هذا الانتقال هي حينما تحمل الجنازة على الأكتاف ويخرج من باب الدار متجهًا للمقبرة، لحظة صعبة على أهل بيته، تكاد قلوبهم تهتز من مكانها.
حينما يعزي بعض الناس (كثير منهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني) يقولون بالدارجة المغربية (الله يعدم الأجر) جاهلين بمعناها الحقيقي وهي كلمة تزعزع الجبال الراسيات هي دعوة بإنعدام الأجر! والويل لك إذا حاولت أن تصحح لهم، فلربما هاجموك بكل النعوت والأوصاف وأنك فقط تسعى لثنهيم عن الدعاء.

ومن يقول: الله يعظم الأجر، من فعل عظم يتعاظم عظمة، أي ازداد وكَبُرَ، أما الأجمل فهي جملة: في سبيل الله، ومن لا يتمنى أن يموت في سبيل الله، أليست هذه كانت أماني الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أليس المرء يبغي أن يحسب عند الله شهيدا رغم موته على فراشه، أنذاك لن يعدم ذكره في الأرض كما في السماء، فهو حي في قلوب محبيه في الأولى وحي يرزق في الثانية، أما من يعدم ذكرهم فهم شرار الخلق من يموتون في سبيل شهواتهم ونزواتهم.

الحياة الافتراضية: بين الميلاد الحقيقي والوجود العدمي

مساكين أهل القرن الحادي والعشرين. إنهم يعيشون في عصر التفاهة وحياتهم كلها على الشبكة متخمة بالتباهي، فهذا يتباهى بعربته، والآخر بخطيبته، والثالث بسخافته.
وكل إناء ينضح بما فيه، فذلك يحض على فوائد الرقص، والآخر يبالغ في رفس كل القيم والمبادئ، ورفس أخلاقنا، فتضيع الأعمار وتزداد مع السنين، ويزداد معها أفق العيش.
فمن يتطلع للسماء ومن يجهش بالبكاء لأحلام ما عادت تدور بساحته، لأحبة ما عاد يراهم بقربته، لا حاجة لنا بدنياكم خذوها، أبعدوها عن طريقنا، نرغب في الميلاد الحقيقي يجعلنا نزهد فيها سواء كنا حفاة أو تجار سواء كنا ملوك أو صعاليك.

ما عادت تغرينا حياتكم، ما عاد يطيب لنا متابعة أخباركم، ما عادت ماديتكم مثار جذب أبعدوا عنا إغراءاتكم، ما لنا ومال دنياكم، نحن في مأمن ما دمنا نعيش حياة الستر والعفاف، نحن في فسحة ما دمنا نصادق التقاة، في غفلة منا نسينا أن نخلط الحب بالصلاة، نسينا أن الصلاة لا تقبل من قلب غافل، وكيف لكاره أن يتقن، وكيف لمبغض أن يرتقي في مقامات الصالحين.

اقرأ أيضًا : غيّر حياتك بالإيمان والعزيمة.. نصائح من أجل الاستمتاع بالحياة

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق