مدونات

ذكرى الوجود والعدم(الجزء الثاني)

“عهدنا مع كل من نحب إن مات أن ندعو له في الصلوات”

ليست الكتابة ترف بالمرة، إنما هي تعبير عن ما يجول في خاطرنا، هي تعبيرات وبوح عن مشاعرنا والأحاسيس، عن حبنا لبعض الناس، عن نفورنا من اليأس، عن تشبثنا بالحياة وخوفنا من الموت، خوفا على المصائر وتحريكا للضمائر، عيشنا هنا المؤقت يحتاج للتوثيق والتحقيق حتى لا تضيع الأعمار في زحمة الأحداث بين تفاصيل وتفاصيل، بين أفعال وأقاويل كانت تحتاج التمحيص حتى يرضى المولى عزوجل علينا بعد أن نكون قد أدينا مهمتنا الاستخلافية على الأرض.

إن من افتقدناهم لا بد أن نؤرخ لذكراهم، وعدا علينا صادق، وبشتى الطرائق، إلى من غابوا عنا وما غابت ذكراهم ، إلى من افتقدناهم فصار القلب يلهج والروح بذكراهم، كيف السبيل للتخفيف عن بلوانا وبلواهم:بالذكر، بالتسبيح، بالدعاء لربنا الغفور أن يرحم أحبابنا من واروا الثرى وسكنوا القبور،من كانوا يوما معنا في كل الأمور، في الضراء قبل السراء، في العلانية والسر، في كل المتناقضات، كانوا نجوما ساطعة في سماءنا تتزين بها الحياة، فلما غابوا خفتت أنوارهم للأبد …

#جرب أن تموت ماذا ستخسر!!

جربنا الحياة
فلنجرب الموت
تخيل نفسك كل يوم في القبر
والمغسل يغسلك
والناس تبكي أو تشمت
والمعزون يقفون للعزاء
وعائلتك لا تكلف نفسها حتى بالوقوف بضع دقائق بعد دفنك
فالدنيا في الانتظار
هل تساءلت :
من سيضع إكليل الزهور
من سيدعو معك ليتوسع ضيق القبور
على الأقل ستختبر ذلك المسار
يُقال تذكر اثنان الله والموت وانس اثنان إحسانك للناس وإساءتهم إليك
أتراك تبحث عن السكينة
في هذه الدنيا والطمأنينة
أليست الجنة هي من تحتوي هذان الثنائيان
أليس الموت حق
وكأس كلنا ذائقوه
الكثيرون عاشوا قبلك ولم يُترك لهم أثر
عاشوا حياتهم بالطول والعرض
كانوا معلومين في الأرض مجهولين في السماء
سينسونك مع أقرب فرصة فالدنيا فتانة
هل ستلتقي تلك الأرواح في السماء
هل سيكتب أحد لروحها رثاء
أم ستكون مجرد رقما في عداد الموتى
وسينساها الأحياء على الأرض
سنخسر كثيرا إذا تمسكنا بالحياة
في دنيا متخمة فتن
فأخر الزمان يطل علينا
وما بقي من الدنيا سوى القليل
فمن تهيأ للقاء ربه
والعلامات تتقاطر من كل حدب وصوب
فهذا وباء وهذا بلاء
وهذا كالحرباء يتلون مع ألوان الطيف
ولا يكرم الضيف
وإن ضحك يتنطع
وإن بكى يتصنع

حسناء الروح وطفولتنا

ليس سهلا أن تكتب عن شخص مات، فقد أفضى لما قدم ولم يترك من وراءه سوى دعوات تلك الأم المكلومة والصلوات، لربما لا يحتاج كل شيء للتأريخ لكن البلايا تترك ندوبا على الروح، ولا يمكن أن نتجاوزها دون أخد الدروس والعبر، لعلني قد وجدت الخبر بين ثنايا تلك الكتب القديمة فوق رفوف الخزانة القديمة، وجدت ذكريات ما عادت تنعم بها الحياة، وجدت من مات وما ماتت سيرته بين المخلوقات، كانت طفولتنا تشع بريق ونحتاج من يرينا الطريق، لهذا كنا نجلس مع من يعلونا مكانة وعلما، ولازلنا نفعل وسنظل حتى نلقى ربنا عز وجل،أتذكر حينما كنت صغيرا ولا أتقن التأمل، فما أعرفه هو الاقتداء بالأحياء، فهذا أسد قوي وهذا جبان غدار والآخر ثعلب مكار وأنا وغيري من الصغار يحتار، من يتبع بحق هل يظل تائها وسط أمواج الحياة والأنهار،في عز هذا تبرز حسناء الروح لتوجهنا وتعطينا الدروس والعبر لأننا كنا مبتدأ وهي تعلم أصول الخبر، خبر لغة الضاد و ثقافة الزمان الذي نعيش فيه، وفي هذا الصدد أتذكر تمرينا لغويا كان يتطلب الإيتيان بجملة مفيدة فقلت أنا بعفوية :أعطيت الفقير مالا وبنونا، فضحك الجميع لتلك الجملة، فكيف للفقير أن يتحمل عبء البنون، أما المال فهو مطلب كل امرئ، أما حصص التوجيه والدعم فكانت تتحول لمناقشات حرة حول الظواهر اللغوية والإعراب، والتعبير الكتابي فلما كبرنا صرنا نتحدث في مواضيع شتى سياسة ودين وكل الميادين، هذه نقاشاتنا تشهد على فترة طفولتنا التي كانت ثورية، فلما مرت صرنا نتذكرها ونؤرخ لها كتابة، فأنا أكتب فوق الأرض، وهذا قلمي يشهد علي بما أكتب خيرا أو شرا، كل شيء مؤرخ في الصحائف، ولا أعلم كم بقي لي لتصل روحي لبرزخ السماء لربما ألتقي بتلك الأرواح في جنة لا يدخلها سوى السعداء، لا يهم ما أترك ورائي في دنيا الناس فإني عبرت عن ما يجول في خاطري وإن مت فسأموت فارغا كما قال تود هنري…

وداعا يا من ترقدون تحت التراب، سنلحق بكم يوما ما بدون إنذار أو سابق إشعار… فالموت يدق الباب ليل نهار، لا يعمل له إلا اللبيب وذو العقل الراجح، من يرعى المصالح، مصالح الله والعباد…

اقرأ أيضا: ذكرى الوجود والعدم.. ما هو الميلاد الحقيقي للإنسان؟ ومتى يكون؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى