مدونات

ذكاء غير عاقل.. بين الذكاء الاصطناعي وعقل الإنسان الذي يتلاشى

دخل العالم في هذا القرن منعطفًا جديدًا يكاد يكون التيه هو العنوان الأبرز لربعه الأول الذي يسير نحو الاكتمال، كيف لا يكون عنوانه التيه وقد ساد فيه نموذج سلب كيان الإنسان، وحاول أن يتمثله ويقلده أو ربما يتجاوزه، إذا كان لكل لحظة تاريخية بارديغما يضبط تفاعلاتها، فلاشك أن بارديغم الفترة المعاصرة هو الآلة التي استبدت بالإنسان، وكادت تحوله عن طريق الذكاء الخارق الذي تمتلكه إلى لعبة في يدها، بل كادت تسلبه من ذاته وتتحكم في عواطفه.
فالاستيلاء على الكيان العاطفي للإنسان من طرف الآلة، مقدمة ضرورية لتسلب منه السلطة التي ظل صاحبها طوال الزمن الماضي، وهذا السلب للسطلة من الإنسان، كانت له مقدمات أنتجها الإنسان نفسه، أو لنقل أنتجها الإنسان “الذكي”. أليس الإنسان ذكيًا؟ لاشك في ذلك، بل هو أميز المخلوقات، ولكن أليس الحيوان ذكيًا أيضا؟! أليست الآلة أذكى من الجميع؟!

ثنائية الذكاء والغباء هي التي ستجعل الإنسان في الأخير أشد الكائنات غباءًا في الكون، لم يخلق الإنسان ليكون ذكيًا، بل إن الله لم ينعم عليه بالعقل من أجل أن يعيش ذكيًا فقط! الإنسان كائن عاقل. ولكن يبدو أنه يحب أن يقتصر هذه الأيام على استخدام الذكاء فقط.

تغييب العقل والحكمة في لحظتنا المعاصرة من طرف الإنسان نفسه، هو ما سيؤدي به إلى مهزلة لم يسبق للإنسان العاقل أن تخيلها في أشد الكوابيس رعبا.
لقد صارت أغلب المفاهيم التي يتم تناولها اليوم في مجالات التدبير، والسياسة، والمناهج التي تقوم عليها – خصوصا في منطقتنا – بدائية جدًا بالنسبة لما يقدم عليه العالم من تحديات، كل المفاهيم التقليدية من السياسة حتى الديموقراطية ستتم إزحتها من الساحة لصعوبة مسايرتها لسلطة “اللڤياتان” الجديد، ذلك الوحش القادم من خارج عالم الإنسان، والذي منح له الإنسان الذكي فرصة السيادة، لأن من أدبيات الإنسان الذكي التي يؤمن بها، أنه كائن متجاوَز بإقراره بصفة الذكاء كميزة ما دام هناك من هو أذكى منه.
وكل التحولات التي تحدث في العالم اليوم، يشكل هذا العامل جزءًا أساسيا فيها، من قال إن فرنسا “مرتع الأنوار!” ستشهد احتجاجًا على الوضعية الاجتماعية؟ هو ليس احتجاجًا على الوضعية الاجتماعية، في العمق، إنما هو احتجاج على الأدوات التدبيرية البائدة التي لم تعد تساير التطورات الذكية الهائلة، احتجاج على فقدان الإنسان السيطرة على تدبير ما أنتجه، لعل أفضل وصف لهذا الموقف ما ذكره أحد حكماء القرن التاسع عشر -أثناء وصفه للوحش الرأسمالي- إذ قال: “إن المجتمع الذي ابتدع وسائل إنتاج وتبادل ضخمة كهذه، هو كالساحر الذي لم يعد قادرا على التحكم في قوى العالم السفلي“.

فأي طفرة تحدث في أبحاث الذكاء الاصطناعي التي تملؤ العالم ضجيجًا هذه الأيام (باستثناء منطقتنا)، سيتحول الإنسان الطبيعي معها إلى حشرة يمكن التخلص منها في زمن قصير جدًا. الأبحاث التي يتم من خلالها محاولة الدمج بين الآلي والحيواني، ستدفع العالم إلى براديغم جديد، إذا لم يتم التخلص منا بسبب هذا البراديغم كعالم عالق في خلفية القطار ننتظر أول زحزحة لنسقط في رحمة الله، فإننا سنغرق في دخان القطار البخاري الذي لا زال براديغمنا الرسمي والحقيقي في العالم الثالث.

إشارة مختزلة للواقع فقط، وإلا فالحياة أوسع من كل هذا. نعم، الحياة أوسع بكثير، والكون رحب لأن يستوعب ما الله عالم به من المخلوقات والأفكار، ولكن هل تركنا الفرصة لهذا؟ هل تركنا الفرصة لأنفسنا أن تتساءل؟ كيف تتساءل و قد سلبنا منها نعمة العقل والحكمة واكتفينا بغريزة الذكاء وكأنه حنين إلى الجزء الحيواني الذي يقبع في عمقنا، كيف نتساءل وقد حُجِّر على العقول قبل أن تكمم الأفواه؟! لقد أصبح التساؤل مرعبًا هذه الأيام! حتى من يتسائل يتعمد أن يسأل خارج السياق، لأن التساؤل داخل السياق مهلك جدًا، خصوصًا ولا أحد يطيق ثقل الحقيقة! فلماذا التساؤل إذن إذا كانت الحقيقة ثقيلة في عالم لا يؤمن إلا بالخفة، و لا يؤمن إلا بالزيف؟

يبدو أن أمر التساؤل مرتبط بمناهجنا في التعليم، حيث تحول التعليم إلى قنطرة لوظيفة يحكى أنها قد ماتت! لقد كنا في السابق نتعلم التساؤل عبر الفلسفة، أما الآن فلم نعد بحاجة إلى كل هذا لأننا أذكياء، والآلة قادرة أن تجيبنا على كل الأسئلة، وعلينا أن نخبرها بماذا نفكر فقط، ولكن! هل لازلنا حقا نفكر؟

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

بوجمعة شكود

باحث في الدراسات السياسية والدينية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق