ثقافة وفنون

ذاكرة الانتماء وسريالية الحنين في «نزلاء المنام» لأمان السيّد

يشتبك السّرد في المجموعة القصصية “نزلاء المنام” للقاصة السورية أمان السيّد، بواقعها الذي تحكمه الغربة في انفصالاتها المكانية، فالسرد في كتاب “سيراميك” يختلف عن “نزلاء المقام”، الذي تطوّر كثيرًا والتحم مع فنتازيا سريالية أحيانًا، مدمجة في لغة لا تحيل إلى ذاتها بقدر ما تحيل إلى الوضع الاغترابي للسّاردة، حيث الاشتغال على نحت المعنى ليستقر على مشارف اللغة مستشرفةً مآلاتها، يكشف عن ذلك الحنين الذي تعانيه القاصّة لترسو على شاطئ اللغة.

ذاكرة الانتماء وعُمْرُ الطفولة

في كتاب نزلاء المنام يفسّر الجنون حرائق الشوق إلى المكان: “الطفلة التي كنتها، ماتزال تشعرني حتى اليوم أنّ لأمينة المجنونة حقًا عليّ، وعلى الحارات وأطفالها، وعلى شرفة بيتنا..”.

يترافق أفق الطفولة السليم مع أفق طفولة “مجنونة”، فالجمع بين طفولتين مختلفتين في أفق الذاكرة إنّما القصد منه هو تعرية الزمن الرّاهن بما يحيطه من رشد، لكنّه خالٍ تمامًا من لحظة فنتازية تكتشف عن الأشياء في مستوى الغبطة: “الحارات، الأطفال، الشرفة، أصص الورد..”، “لقد لفّ ذاكرة الرّاهن سواد الغراب”.

لا يحمل شكل الغراب سوى أفقًا أسود، وهو إحالة إلى الواقع والنّظر إليه من خلال مشهدية “الكوميديا السوداء”، لا يبتعد السارد عن الواقع الهدمي الذي انهارت فيه البنيات البشرية والمادّية وساد فيه الفراغ، فكان “الاحتفال” على شاكلة السّرد المزدوج في الرّواية الحقيقية، وما يلمسه المتلقي من فصل الإبادة الذي كان يستعين فيه “الغراب” أو الديكتاتور بمن يشبهه لإحالة الصّمت الشبيه بموسيقى الجوهر إلى “نعيق” يفسّر الخوف بالموت المنتشر “ماؤه المقدّس”.

تعود الساردة إلى زمن قومي هادئ اجتماعيًا في المكان البدء “الحفّة”، كان يهيمن فيه الصّوت سياسيًا، ولعلّ “الترانزستور” يحيل إلى كون “العرب ظاهرة صوتية” بتعبير المفكر السعودي عبد الله القصيمي، لكنّها سرعان ما تحيل إلى ذاتها والتوائم السحري بين جنون أمينة المرأة وبراءة الطفلة التي حواهما فضاء “الحفّة”، المكان البدء كان في هدوئه يشبه هدوء الزّمن الذي جمعهما: “زمن هادئ وادع، ذاك الذي احتضنني وأمينة بتفاوت عمرينا”، فرق العمر يؤشر على مدى الطفولة التي كانت ساكنة عمق الرّشد والشعور بالانتماء الذي كان يغمر عمر الطفولة.

المكان البدء والانتقال السريالي

إنّ اللاواقع هو ما ينجز الحدث. يركّب السّرد مشهدًا سرياليًا يتعلق برأس تحتضنه وتحتويه الساردة بمشاعر الحب، ثم لا تكاد تفصله عن جسده تحت وقع تأوّهات، تثق أنّها “نبعت من اللذة التي كان يشعر بها، لا من ألم السكّين”.

يبدو أنّ السرد ينحو منحى انفصاليًا، يتأسّس في مرحلتين، مرحلة ما قبل السكين، ومرحلة ما بعد السكين، ما قبل هو مرحلة الحضور الرّاهن خارج المكان البدء، ومرحلة ما بعد مؤلمة نتيجة وقع حدّه على رقبة المذبوح، وهي تمثل ألم التفكير في المكان البدء، الذي تسكنه الساردة خيالًا.

يقود الرّبط من المرحلتين إلى صورة يتعسّر القبض عليها، بما يفسّر سريالية المشهد في القصّة، لكن ما يثير الانتباه هو أنّ الرأس المفصول كان يحدّق بالساردة: “وهو ينزلق، لم تكن النظرة حقدًا، أو تضرّعًا، أو استنكارًا، كان يشكرني”، شعور الساردة بالرّأس في قسمات وجهه التعبيرية، يمثل حالة ذهنية لا تمتثل في واقع الأمر سوى لمشاعرها.

“الموت لا تعبيري”، كما يقول مولود فرعون في روايته “ابن الفقير” وهو يصف وجه قريبته الميّتة: “وجه نانا لا تعبيري..”، ووجود الساردة في هذا المستوى من التوافق مع حالة الموت عند الحبيب، إنّما يكشف عن المستوى الأعمق للانفصال الوجداني بين الرّاهن الاغترابي وماضيها الذي يستولي عليها كما لو إنّها تعيشه، وهي لحظة الانفصال الأليمة التي عبّرت عنها بـ”ميتة مترفة”، لأنّها تحقّق لها الانتقال السريالي الذي يكرّسها في المكان البدء الذي أفرغه عنف “الغراب” من مظاهر الحياه وأثّثه برعب سواده.

اقرأ أيضًا: مستقبل السينما المصرية.. مازال قلب هوليوود الشرق ينبض إبداعًا

المكان المسخ وسريالية الحنين في نزلاء المنام

تُمسخ هوية المكان لا بفعل عوامل جغرافية، ولكن بتوحّش الإنسان حين يفتك بالإنسان فقط لأجل إرضاء غريزة التسلط، ومن هنا كان المكان رديف “الجثة” التي رميت في حفرة قادمة من المعتقل، فالتعدّد المكاني في قصّة “الجثة” يكشف عن عمق السارد المتواصل مع مأساة المكان حين يصير متّسعًا للذباب: “رغم أنّها تضم من الجثث ما يكفي لتكون ولائم فاخرة لذباب يحتفي بالمكان”.

يحيل حضور الذباب في مجموعة نزلاء المنام القصصية، وغياب الجسم (الإنسان) الذي تحوّل جثة، إلى فداحة الغياب في الوعي بقيمة الحياة -المكان- التي تعدّ مفخرة الإنسان لا الذباب. تتحقّق القصدية حين يذكر السارد: “أمكنة تحوّلت إلى مسالخ لا تعد، ولا تحصى!”، والمسالخ في واقع الإنسان لا تعبّر سوى عن كارثة الطغيان والأنظمة المتوحشة التي لا ترى في حياة الإنسان سوى صدى لصوت الديكتاتور، ولهذا تدرّجت قصّة “الجثة” في تصوير طبيعة المكان، فورد ذكر المعتقلات والحفر كعناصر للمكان، إذ لا تصبح هوية المكان مساحة لاحتضان الإنسان بما هو إنسان، ولكن يصبح المكان مجالًا متعدّدًا في نطاق ما يمكن أن يحدّ من حرّية الإنسان في التشكل خارج صدى صوت الديكتاتور.

ولهذا يمعن السّرد في البحث عن صورة ممكنة أو مستحيلة للتّحايل على الواقع وجرّه إلى الفضاء النّائي. يرسم صورة من بعيد تستشرفها اللغة بما هي مساند للسارد في شوقه للمكان البدء: “هناك يجلسان يستعيدان العبث، والتخيلات، والأتراب الذين بعثرتهم الأقدار”.

يتنفّس السارد شوق الأشياء والمفاهيم التي تعود به إلى لحظة بدائية كرّسها نصّيًا لتستمر معه ولا تنقطع في هول الأشياء التي تنقضي وتندثر، “يجلسان”، هذا المثنى لا يحمل بالضرورة ذاتان، إنّه الشوق إلى آخر يحمل هوية الألفة والمكان الأوّل ليسحب ظل الوطن إلى الذاكرة التي تتشكل ضمن هوية الغربة.

يأوي المغترب إلى تورّطه القديم فيستعيد ضمن لعبة يشكلها دومًا من استعادات متكرّرة ترهق المتخيل وتذيب الذاكرة في حرائق لا تنتهي، لعبة تتكرّر في دوران رتيب للزّمن لأنّه لا يصل أبدًا إلى المحطة النّهائية، يرسم أشكالًا من الأخاييل الأولى، لكنّها تنفصل بمجرّد أن تلمس الذات وجودها في رصيف مغاير. إنّه “العبث” و”التخيّلات” التي يودّ السارد في نزلاء المنام أنّه لا يستفيق منها.

يمرّ التاريخ عبر ناظريه حاملًا تلك الذوات التي تطل من منافي بعثرت صورة الوطن وجعلته شظايا لا تلتئم صورتها الحاضرة، لأنّها لن تحيل إلى الصورة الأولى للذات وهي تعبر أقدارها داخل الوطن في تماهيه الفطري معها.

نزلاء المنام: شظايا حنينية

  • “سأجرّب أن أخلع جلدي”

بعيدًا عن النص، هو السؤال الجوهري الذي تدور حوله وجودية الإنسان في كيانه وخارج إطار هامشه المعتاد، الوطن حين يتخلّى عنّا لا ندير له الظهر، فالإنسان لا يخلع جلده مرّة واحدة، يستمرّ تعالقه مع حضور الوطن في أشكال الحياة المتغيّرة من حوله مصرّا على الانبثاق أمام مرآة ذاته في اختلافها وتصوّرها للحياة ولذاتها أيضًا وهي تسير باحثةً عن صورة تشبهها. تباغت الألسنة الساردة لتثير فيها الشوق إلى الذات الأولى العالقة في شظايا الوطن: “اللغات المختلطة حولي تحرّض فيّ الغربة التي لا تتخلّى عنّي”.

  • “أدين لـ”سبورت كلاب” النادي الذي يقع في ضاحية بانكستاون، إحدى ضواحي سيدني..”.

تعلن الساردة أمان السيد في نزلاء المنام، مكان اغترابها بـ”سيدني” حيث تقتلع شيئًا من ذاكرتها يؤثّث هويّتها المغتربة، ويكرّس هويّتها الثابتة باعتبارها “عربية” اللسان، لكن ما الذي جعل الساردة تكشف عن هويتها فتتداخل الهويتان السردية والواقعية؟

يمنح المكان الكائن الإنساني الهش تعويضًا عن توزّعه في العالم بين المنفى والاغتراب، فيؤسّس لذاته كينونة منفصلة عن أشياء واقعه الطارئ ليحتمي في اطمئنان مرغوب بهويته الثابتة، ولا تكون في ذلك سوى الذاكرة بعناصرها المخزّنة، أو “دولاب المأكولات الأدبية” بتعبير تشيكوف، حارسًا أمينًا على بدء الميلاد والتكوين، ولهذا عادت إلى عناصر أشد ارتباطًا بواقعها العربي وباعتبارها مدرّسة للغة التي تشكل بالنّسبة لها هوية أكثر منها مادّة للتدريس: “ولا سيما، وعربيّتي تتشبّث بي ضدّ المستجدّ هنا”.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق